تمتلئ غابات أمريكا الشمالية بالحشرات غير المحلية، وهي أكثر من 450 نوعًا، وفق آخر إحصاء مُتاح. لم يتسبب أغلب هذه الحشرات في أي ضرر واضح، لكن القليل منها الذي تسبب في الضرر -مثل حشرة حفار الرماد الزمردي، التي تقتل الأشجار التي تحمل اسمها نفسه، وحشرة شوكة الشوكران الشائكة، التي تتسبب في تدمير نباتات الشوكران الشرقية- أعاد تشكيل مناظر طبيعية كاملة، متسببةً في ضرر بيئي واقتصادي هائل. لقد ظل الناس عقودًا من الزمان يحاولون أن يفهموا لماذا تتحول بعض الحشرات إلى أنواع غازية ضارة في حين يظل بعضها الآخر غير مؤذٍ كما يبدو، لكن هذه الجهود ذهبت سدى في أغلب الأحيان. تقول عالِمة حشرات الغابات كمال غاندي إن توقع المسار الذي سيتخذه الكائن الحي هو "الكأس المقدسة لبيولوجيا الغزو".

تشارك غاندي –التي تعمل في جامعة جورجيا– مع فريق من العلماء يقولون إنهم اتخذوا الخطوة الأولى نحو الفوز بجائزة الكأس المقدسة تلك. فعن طريق التركيز على الحشرات غير المحلية المعروفة بمهاجمة أشجار الصنوبر في أمريكا الشمالية، استخدموا البيانات والنماذج الحاسوبية الحديثة المُتاحة لاكتشاف العديد من الأنماط التي تنبأت على نحوٍ موثوق بأنواع الحشرات غير المحلية التي من المحتمل أن تكون مُدمرة، وأي أنواع الأشجار ستكون هي الضحايا. ويقول الباحثون إن نتائجهم، التي نُشرت الخريف الماضي في دورية «إيكولوجي آند إيفوليوشن» Ecology and Evolution، يمكن استخدامها على الفور لمنع وصول الغزاة الضارين الجدد المحتملين، ويمكن أن توفر نموذجًا للتنبؤ بأنواع غازية أخرى. يقول عضو الفريق، مات أيريس، عالم البيئة بكلية دارتموث: "كان هذا إثبات المفهوم. نحن في الطريق إلى الكأس المقدسة".

ركز الفريق على الأنواع الـ58 المعروفة غير المحلية التي تتغذى فقط على أنواع قليلة محددة من الأشجار، وهي في هذه الحالة واحد أو أكثر من 49 نوعًا من الصنوبريات موجودة في أمريكا الشمالية (وهي الرتبة التي تشمل أشجار الصنوبر، والعرعر، والخشب الأحمر). ومن بين تلك الحشرات الـ58 الدخيلة، تسببت ستة منها في أضرار واسعة النطاق، وأصبحت من الأنواع الغازية التي تسبب المشكلات. أنشأ الباحثون أولًا قاعدة بيانات للسمات البيئية للأشجار والحشرات المحلية وغير المحلية التي تتغذى عليها. واستخدم الفريق هذه البيانات في وضع سلسلة من النماذج التي تضمنت تأثير الحشرات والسمات الشجرية، والتاريخ التطوري للأشجار، ووجود أو غياب الحشرات المحلية التي تتغذى عليها.

كان جانبًا مهمًّا من المعلومات المُستخدمة في الدراسة عن نسالة صنوبرية، أي تاريخ وراثي للزمن الذي تشعبت فيه العائلات، والأنواع، والفصائل الصنوبرية المختلِف بعضها عن بعض. وعندما دمج الباحثون ذلك التاريخ الوراثي التطوري في نموذج، وجدوا علاقة  توافُق بين أشجار أمريكا الشمالية الأكثر تضررًا من الحشرات غير المحلية والأشجار التي تغذت عليها تلك الحشرات في مواطنها الأصلية؛ فلم تكن الصلة بين مجموعتي الأشجار قريبة جدًّا ولا بعيدة جدًّا. يقول ناثان هافيل، عضو الفريق وعالِم حشرات في قسم خدمات الغابات في الولايات المتحدة: "ثمة توافق وسطي مذهل؛ فالأشجار مُتباعدة بما يكفي لكي لا تملك دفاعات ضد حشرات متخصصة تقتات على الأعشاب، لكنها ليست متباعدةً بما يكفي بحيث لا تتمكن تلك الحشرات من التعرُّف عليها".

وقد أظهر نموذجٌ ثانٍ أن الأشجار التي يُحتمل أن تُتلفها الحشرات غير المحلية كانت تتعايش مع الظل ولا تتحمل الجفاف. ويفترض الباحثون أن هذا الرابط يحدث لأن الأشجار التي تنمو في أماكن رطبة ومظلمة أقل قدرةً على إصلاح نفسها من النباتات التي تنمو في ظروف أكثر سطوعًا. يقول عالِم الحشرات دان هيرمس، المشارك في الدراسة ونائب رئيس البحث والتطوير في شركة «دافي تريي إكسبرت كومباني»: "إن عملية التمثيل الضوئي لديها محدودة". ويضيف قائلًا: "ليس لديها قدرة كبيرة على تحمُّل التعرُّض لتساقط أوراقها" بفعل الحشرات النهمة. وغالبًا ما يكون لهذه الأشجار دفاعات فعالة جدًّا ضد الحشرات المحلية، ولكن إذا وصلت حشرة جديدة قادرة على التحايُل على هذه الدفاعات، فإن الأشجار تنهزم بسهولة. وفي الوقت نفسه، أظهر نموذج ثالث أن الصنوبريات بصفة عامة كانت أكثر قدرةً على مقاومة حشرة غير محلية إذا كانت لديها بالفعل دفاعات ضد حشرة محلية وثيقة الصلة بالحشرة الدخيلة.

وعلى نحوٍ يدعو للدهشة، لم تُظهر النماذج وجود أي علاقة بين سمات الحشرات الغازية (مثل عدد البيض الذي وضعته، أو مدى قدرتها على الانتشار) ومدى قدرتها على الفتك والتدمير. تقول غاندي: "كنت أظن أن سمات تاريخ حياة الحشرات مهمة"، مشيرةً إلى أنه يبدو من البدهي توقُّع أن يكون للحشرات الغازية المُدمرة سمات مشتركة. وتقول إن أغلب الجهود التي بُذلت في الماضي للتنبؤ بالأنواع الغازية في الغابات ركزت على سمات الحشرات، وهو الأمر الذي ربما يفسر أسباب فشل هذه الجهود في اكتشاف أنماط مفيدة.

وهكذا فإن النماذج مُجتمعةً تؤكد الأهمية الكبيرة للتاريخ المشترك. يقول مايكل دوناهيو، عالِم الأحياء التطورية بجامعة ييل، والذي لم يُشارك في الدراسة الجديدة: إن الباحثين طالما اشتبهوا في أن تأثير الحشرات غير المحلية في غابات أمريكا الشمالية يعتمد على العلاقات بين الأشجار المحلية، والحشرات غير المحلية، وأقارب الاثنين. ويضيف قائلًا: "كانت هذه الفكرة موجودةً في الأبحاث والدراسات، دون وجود أدلة تُذكر تدعمها". والآن "يقولون، مهلًا، انتظروا، ها نحن نجد أدلة فعلية".

وعندما جمع الباحثون نماذجهم الجديدة، وجدوا أن بإمكانهم التنبؤ بأثر رجعي بأنواع الحشرات غير المحلية التي ستصبح غازيةً مُدمِّرة بنسبة دقة تزيد على 90 بالمئة، وهو ما يعطي العلماء ثقةً بأن هذه النماذج يمكن أن تتنبأ بالحشرات الغازية التي قد تتسبب في مشكلات في المستقبل. ويعمل الفريق حاليًّا على مثل هذه التنبؤات، إذ يحاول تحديد أنواع الحشرات التي قد تكون قاتلةً إذا وصلت إلى أمريكا الشمالية، وأنواع الأشجار التي يُرجح أن تكون عُرضةً للخطر. يتطلع الفريق أيضًا إلى تكرار عمله من خلال دراسات أشجار أمريكا الشمالية المُزهرة، والحشرات العامة القادرة على التغذي على العديد من أنواع النباتات. وقد تذهب مجموعات أخرى إلى أبعد من ذلك في نهاية المطاف. يقول إيكهارد بروكرهوف، عالِم البيئة في المعهد الفيدرالي السويسري لأبحاث الغابات والثلوج والمناظر الطبيعية، الذي لم يُشارك في هذه الدراسة: "على الرغم من أن هذه الدراسة تبحث مجموعة محددة فحسب في منطقة واحدة من العالم، فإنها تمثل إسهامًا مهمًّا بحق". ويضيف قائلًا: "أعتقد أنها ستكون بمنزلة نموذج لدراسات أخرى".

تتفق أنجيلا ميك –عالِمة الحشرات بجامعة ويسترن كارولينا، التي قادت الدراسة– مع هذا الرأي، وتقول: "لقد حاول الزملاء فتح هذا الباب لفترة طويلة، وتلك ليست سوى البداية".