تأمَّل السماء عبر تلسكوب قوي ولا تدَع الأضواء الساطعة لمجرة درب التبانة تشوش رؤيتك، وحينها يمكنك أن ترصد الوميض الخافت لمجرات بعيدة، تتجمع هذه المجرات معًا في عناقيد كثيفة تربطها خيوط دقيقة وتفصلها فراغات هائلة تمتد إلى مسافات قد تبلغ مئات الملايين من السنوات الضوئية، وكان العلماء قد عكفوا منذ ثمانينيات القرن الماضي على رصد ملايين المجرات بغيةَ وضع خريطة أكثر تفصيلًا من ذي قبل لهذه "الشبكة الكونية"، وذلك في إطار مسعاهم لفهم تاريخ كوننا.

لكن هذه الشبكة الكونية واسعة النطاق تنطوي في حقيقة الأمر على بنية أكثر تعقيدًا بكثير مما يتراءى للعين؛ فذرات الهيدروجين تُصدِر بطبيعتها موجات راديوية ذات طول موجي مميز يبلغ 21 سنتيمترًا، ونظرًا إلى أن الغيوم المكونة من غاز الهيدروجين عادةً ما تتجمع بفعل الجاذبية حول المجرات، فإن الأنماط التي تتشكل في هذا الانبعاث الراديوي تعكس التوزيع الكوني الخفي للمادة، وقد أعلن علماء الفلك الراديوي القائمون على «التجربة الكندية لوضع خريطة كثافة الهيدروجين» The Canadian Hydrogen Intensity Mapping Experiment، المعروفة اختصارًا بـ(CHIME)، في مسودة بحثية حديثة، عن رصدهم لهذه الأنماط الدالة على التوزيع الكوني للهيدروجين لأول مرة.

تمثل هذه النتيجة خطوةً أولى مهمة نحو وضع خريطة كاملة للشبكة الكونية باستخدام انبعاثات الهيدروجين الراديوية، وذلك بالرغم من أنه لا يزال من الضروري أن تصل قياسات التجربة إلى مستوى الدقة الذي حققته أحدث المسوح البصرية والمسوح بالأشعة تحت الحمراء المستخدمة في وضع خرائط البنى واسعة النطاق، وتعلِّق سو-تشينج تشانج -عالِمة الأبحاث في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا، والتي لم تشارك في هذا العمل البحثي- قائلةً: "لا شك في أن هذه النتيجة لم تمنحنا «الإجابة الكافية الشافية» بعد، لكن ذلك لا ينفي أنها تُمثِّل نقطةً فارقةً بالنسبة للتجربة ولهذا المجال بوجه عام".

فضاء مجهول

في "العصور المظلمة"، التي امتدت لبضع مئات الملايين من السنين بعد أول اندماج للبروتونات والإلكترونات وما نتج عن ذلك من تَشكُّل الذرات عقب الانفجار العظيم، لم يشهد كوننا وجود أي نجوم يتجلى في ضوئها هذا الكم الهائل من غاز الهيدروجين الذي كان يغمر الفضاء حينئذٍ، منذ ذلك الوقت، ازداد ذلك الغاز كثافةً في بعض المناطق بينما تناقصت كثافته في مناطق أخرى في ظل التنافس بين قوى الجاذبية وحركة التمدد الكوني، واستمر ذلك إلى أن تمخضت المناطق الأشد كثافةً عن نجوم ومجرات وعناقيد مجرات ساطعة في نهاية المطاف.

وكان علماء الكونيات بحلول التسعينيات قد ترسخ لديهم اعتقاد بأنهم قد استوعبوا الخطوط العريضة لهذه الملحمة الكونية، مما أصابهم بصدمة عندما اكتشفوا عام 1998 أن التمدد الكوني بدأ يتسارع على نحوٍ غامض منذ خمسة مليارات سنة تقريبًا، وذلك بعد مرور ما يزيد على ثمانية مليارات سنة هادئة ظل الكون فيها يتمدد بمعدل ثابت، وعلاوةً على ذلك، فإننا لا نعرف سوى النزر القليل عن "الطاقة المظلمة" المسؤولة عن هذا التسارع؛ ذلك أن ثمة تساؤلًا مهمًّا لم تُحسَم إجابته بعد، ألا وهو السؤال المتعلق بما إذا كانت هذه الطاقة المظلمة "ثابتًا كونيًّا" غير قابل للتغير أم أنها مجال ديناميكي ذو قوة تتغير بمرور الزمن.

غير أن خرائط الشبكة الكونية قد تقودنا نحو إجابة لهذا التساؤل، إن الضوء القادم من المجرات الأكثر بُعدًا يستغرق وقتًا أطول كي يصل إلينا، كما أن التمدد الذي يشهده كوننا يؤدي بدوره إلى مد الطول الموجي لهذا الضوء القادم من زمن سحيق وإزاحته نحو الطرف الأحمر للطيف المرئي؛ فكلما ازدادت المجرة بُعدًا ازداد الانزياح الكوني نحو اللون الأحمر، لذلك فإن القياسات المُحكَمة للانزياح الأحمر، والقائمة على قياس البصمات الطيفية الفريدة للذرات التي تعُج بها المجرات، تتيح لعلماء الفلك إعداد خرائط ثلاثية الأبعاد للشبكة الكونية، وهذه الخرائط تكشف لنا بدورها عن منجم من المعلومات حول تاريخ التمدُّد الكوني وتطوُّر البنى واسعة النطاق.

وقد نجح أحدث مسح أُجريَ للمجرات، ويحمل اسم «مسح باريون الطيفي الموسع للتذبذب» Extended Baryon Oscillation Spectroscopic Survey، المعروف اختصارًا باسم (eBOSS)، في فهرسة المواقع والانزياحات الحمراء الخاصة بنصف مليون مجرة ونصف مليون نجم زائف (وتُعرف الأخيرة على أنها مناطق شديدة السطوع تقع في قلب المجرات الكبيرة وتستمد طاقتها من ثقوب سوداء فائقة الكتلة)، بعد ذلك استخدم الفريق القائم على المسح هذا الفهرس في إعداد خريطة تغطي منطقةً تصل مساحتها إلى حوالي 15% من السماء عبر فترة زمنية تمتد إلى ما يزيد على 11 مليار سنة مضت، فضلًا عن ذلك، تُجرى حاليًّا مسوح أكثر طموحًا تهدف إلى استكمال ما بدأته الجهود البحثية الحالية.

أمل جديد

غير أن النجاح المتكرر الذي أحرزته مسوح المجرات لا ينفي حقيقة أن ثمة أوجه قصور تعتريها؛ فالتلسكوبات ينبغي أن تمسح السماء أولًا لاختيار المجرات التي سيشملها المسح، كما أن ما يتبع ذلك من قياسات للانزياحات الحمراء الخاصة بكل مجرة على حدة عادةً ما يستغرق وقتًا طويلًا، وعلاوةً على ما سبق، تتطلب المسوح المتطورة مطيافات باهظة التكلفة تتكون من آلاف القطع المتحركة. ومع ذلك، فإن الإستراتيجية التي تتبناها «التجربة الكندية لوضع خريطة كثافة الهيدروجين»، والمعتمدة على رسم خريطة لكثافة الهيدروجين، قد تمثل وسيلةً أسرع وأقل تكلفةً لوضع خريطة للكون؛ فصحيحٌ أن الموجات الراديوية البالغ طولها 21 سنتيمترًا، والقادمة من غيوم الغاز البعيدة، تتعرض للانزياح الأحمر، على غرار الضوء المرئي، لكن التلسكوبات الراديوية يمكنها أن تقيس التفاوتات في كثافة الانبعاث الراديوي التي تظهر في الوقت نفسه على امتداد السماء وعند أطوال موجية مختلفة وكثيرة، مما يُمكِّن علماء الفلك من إعداد خرائط ثلاثية الأبعاد دون حاجة إلى قياس الانزياحات الحمراء بصورة منفصلة، بالإضافة إلى ذلك، لا تعتبر التلسكوبات المخصصة لإعداد خرائط الكثافة باهظة التكلفة؛ فهي "أقل تكلفةً بكثير من معدات القياس الطيفي المشابهة المعتمدة على المسح البصري أو المسح بالأشعة تحت الحمراء"، وذلك وفق وصف كافيلان مودلي، أستاذ علم الفلك في جامعة جامعة كوازولو ناتال بجنوب أفريقيا، والذي لا ينتمي إلى الفريق البحثي القائم على التجربة.

لكن هذا لا يعني أن عملية وضع خرائط الكثافة خالية من التحديات؛ إذ تتمثل أهم مصاعب هذه العملية في خفوت الإشارة الكونية مقارنةً بقوة الموجات الراديوية التي تبثها مجرة درب التبانة نفسها، ويُعلِّق مودلي على ذلك قائلًا: "إنك تحاول أن تتجاوز ببصرك نطاق هذه المجرة لترصد شيئًا أشد خفوتًا منها بألف أو مئة ألف مرة"، لذلك فإن استخلاص بصمة الشبكة الكونية يستلزم نمذجة تلسكوبية مُحكَمة وتحليلًا دقيقًا.

وتعتمد «التجربة الكندية لوضع خريطة كثافة الهيدروجين» على تشكيل صفٍّ من أربعة تلسكوبات راديوية لا يحتوي أيٌّ منها على أجزاء متحركة، ويشبه كلٌّ منها منصة تزلج شِبه بيضاوية مصنوعة من أسلاك معدنية مشبَّكة، وفي أثناء دوران الأرض تقوم التلسكوبات  باستخراج خريطة منخفضة الدقة لنصف الكرة الشمالي بأكمله، تنتج عن هذه العملية خريطةٌ ثلاثية الأبعاد مكونة من "فوكسلات" لا "بكسلات"، إذ يتكون كل فوكسل من أوجه، يغطي كل وجهٍ منها حوالي 30 مليون سنة ضوئية، ويبلغ عمق كل فوكسل 10 ملايين سنة ضوئية وعادةً ما يمتلئ بمئات المجرات، وتجدر الإشارة هنا إلى أن انخفاض الدقة المكانية مقصود لذاته وليس خطأً عارضًا؛ فحساب إجمالي الانبعاثات الراديوية القادمة من كل الهيدروجين المستقر في كل فوكسل يتيح لعلماء الفلك إمكانية التقاط الإشارات الخافتة التي ما كانوا ليرصدوها لولا هذه العملية، ونظرًا إلى أن علامات وجود الطاقة المظلمة تكون أشد وضوحًا في نطاق المسافات بالغة الطول، فإن البنية الخاصة بكل فوكسل على حدة ليست ذات أهمية في إطار مثل هذه الدراسات.

وكانت تشانج وعلماء فلك آخرون قد نجحوا في عامي 2009 و2010 في رصد الآثار الأولى للشبكة الكونية في انبعاثات الهيدروجين البالغ طولها الموجي 21 سنتيمترًا، وذلك باستخدام تلسكوبات راديوية موجودة في أستراليا وولاية ويست فرجينيا الأمريكية، لكن هذه التلسكوبات هي مجرد أطباق يبلغ عرضها 100 متر وتتولى جمع الضوء من منطقة محدودة من السماء، ومن ثَمَّ فهي لم تُثبت كفاءتها في رسم خريطة للمساحات الكبيرة اللازمة لتكوين رؤية أكثر شمولًا للكون، أضِف إلى ذلك الإقبال الكبير على استخدام هذه التلسكوبات، وهو ما لا يسمح إلا بتخصيص جزء ضئيل فقط من وقت تشغيلها لمهمات رصد الموجات البالغ طولها 21 سنتيمترًا، في المقابل، تُمثِّل نتائج التجربة الكندية الجديدة، والمُستمَدة من بيانات جرى جمعها عام 2019، أولى النتائج الواردة من تلسكوب راديوي مصمم خصوصًا لوضع خريطة للشبكة الكونية، وهو ما أتاح للباحثين القائمين على التجربة الحد من الأخطاء المنهجية بصورة أفضل دون أن يضطروا إلى مزاحمة غيرهم من علماء الفلك على أوقات استخدام التلسكوبات الأخرى، فضلًا عن ذلك، تمتد بيانات هذا المشروع إلى ما يصل إلى تسعة مليارات سنة مضت، أي أنها تغطي فترة أقدم بمليار سنة من تلك التي تغطيها القياسات الراديوية السابقة. 

الإشارة الأولى.. لكنها ليست الأخيرة

بعد معالجة البيانات واستبعاد الانبعاثات القريبة القادمة من درب التبانة والمصادر الأرضية، استخدم الباحثون أسلوبًا يسمى "التكديس" بغية دراسة الارتباطات بين بيانات «التجربة الكندية لوضع خريطة كثافة الهيدروجين» وخرائط المجرات الناتجة عن «مسح باريون الطيفي الموسع للتذبذب»، وقد تمكن الفريق من رصد إشارة واضحة لا تخطئها العين؛ إذ تبيَّن وجود تطابق بين المناطق ذات الانبعاث الراديوي الأكثر كثافةً ومواقع لمجرات ونجوم زائفة معروفة، سيث سيجيل -العالِم والباحث في جامعة ماكجيل الكندية وأحد مَن قادوا عمليات التحليل ضمن فريق التجربة الكندية- وصف هذه اللحظة قائلًا: "إن رصد علامة كهذه لأول مرة هو إنجاز مُحفِّز للغاية"، ويضيف سيث أن هذه النتيجة تمثل نقطةً فارقةً مهمة؛ إذ تمنح باحثي التجربة الكندية نقطة انطلاق يمضون منها قدمًا نحو إضفاء مزيد من التحسينات على تجربتهم.

ويعكف الفريق حاليًّا على توظيف المزيد من البيانات الحديثة المُستمَدة من التجربة الكندية في سبيل إعداد خريطة مستقلة، دون الاستعانة بالفهرس الذي أنتجه «مسح باريون الطيفي الموسع للتذبذب»، ويعتزم الفريق بعدها البحث عن ارتباطات في توزيع غاز الهيدروحين على نطاق مسافات أطول سيصير عندها استخراج الإشارة من الانبعاثات القريبة تحديًا كبيرًا، تُمثِّل مثل هذه الارتباطات آثارًا للموجات الصوتية، التي يسميها علماء الكونيات "تذبذبات باريون الصوتية"، التي تردد صداها عبر البلازما البدائية المشتعلة التي ملأت الكون في بداياته، وقد سبق أن قاس العلماء النطاق المُميِّز لهذه التذبذبات (وهو نطاق يغطي مسافة ما يقرب من 500 مليون سنة ضوئية في كوننا الحالي) قياسًا دقيقًا باستخدام أساليب أخرى، ومن ثَمَّ، يمكن للفريق التعامل مع تذبذبات باريون الصوتية على أنها مقياس شبه معياري يمكن استخدامه لقياس مسافات أخرى في خرائطهم بحثًا عن أي انحرافات عن علم الكونيات القياسي، من قبيل تغيرات في قوة الطاقة المظلمة مثلًا.

ويؤكد ريتشارد شو -العالِم والباحث في جامعة كولومبيا البريطانية، والذي شارك سيجيل في الإشراف على عمليات التحليل- أن هذا الإنجاز ليس سوى البداية بالنسبة لـ«التجربة الكندية لوضع خريطة كثافة الهيدروجين»، ويُردف قائلًا: "لا يزال في جعبتنا الكثير من البيانات وأمامنا المزيد من التقدُّم لنحرزه".