شجَّعت الحكومة الفيدرالية الأمريكية المراكز الصحية على تأجيل إجراء العمليات الجراحية غير المُلحَّة، مع الموازنة بين شدة الحالة المرضية التي يعانيها المرضى وتَوافُر معدات الحماية الشخصية والأَسرَّة وطواقم العمل بالمستشفيات.

والمصابون بالسرطان هم من فئات المرضى الأكثر عُرضةً لحدوث مضاعفات إذا أُصيبوا بفيروس كورونا المُستجد. ووفقًا للتقديرات، سوف يبلغ عدد مَن سيُصابون بالسرطان في الولايات المتحدة هذا العام 1,8 مليون شخص. ويتلقى أكثر من 600 ألف مريض العلاج الكيميائي.

وهذا معناه أن ملايين الأمريكيين ربما يواجهون تحديات لا يمكن التنبؤ بها فيما يتصل بحصولهم على الرعاية الصحية التي يحتاجون إليها.

في منتصف فبراير، شُخِّصت حالة كريستين رايبيرن في مدينة أوليمبيا بولاية واشنطن، على أنها إصابة. وكانت أنباء فيروس كورونا المُستجد تطغى على نشرات الأخبار، لكن المرأة البالغة من العمر 48 عامًا لم تكن تتخيل أن تفشِّي الوباء قد يُؤثر عليها. وقالت طبيبتها إن رايبيرن بحاجة إلى بدء العلاج على الفور. فقد كان السرطان قد انتشر بالفعل ليصل إلى عُقدها اللمفاوية.

قالت رايبيرن، وهي مُدرِّسة قضت سنوات عديدة في مجال التعليم: "لقد تعلَّق الورم السرطاني فيما يبدو بأحد الأعصاب... هذا يُسبِّب لي ألمًا متكررًا".

بعد الحصول على التشخيص وخطة العلاج من فريقها الطبي، انصب تركيز رايبيرن على إجراء الجراحة في أسرع وقت ممكن.

وفي الوقت نفسه، كان تفشِّي فيروس كورونا يزداد سوءًا، وصارت مدينة سياتل الواقعة على بُعد ساعة إلى الشمال من محل إقامة رايبيرن بؤرة رئيسية للوباء على مستوى البلاد.

بدأ ديفيد فورسبيرج، زوج رايبيرن، يشعر ببعض التوتر بشأن ما إذا كانت العملية سُتجرى لزوجته كما هو مخطط له أم لا.

وقال: "خطرت ببالي هذه الفكرة... لكنني لم أرغب في أن أُرهق نفسي كثيرًا بالتفكير في هذا الاحتمال؛ إذ لدينا ما يكفينا".

قبل يومين من خضوع رايبيرن لعملية جراحية من أجل استئصال الورم السرطاني، قال فورسبيرج إن الجرَّاحة المُعالجة لزوجته اتصلت به لتبلغه بخبر سيئ وقد اعتراها "غضب شديد". روى فورسبيرج متذكرًا ما حدث: "قالت: ’انظر، لقد ألغوا العملية إلى أجل غير مسمى‘".

كان يُفترض أن تُجرى العملية في مستشفى بروفيدنس سانت بيتر في أوليمبيا، وهذا المستشفى مرفق تديره مؤسسة «بروفيدنس هيلث آند سيرفيسز» Providence Health & Services. ولكن، في مختلف أنحاء ولاية واشنطن، لجأت المستشفيات إلى إلغاء العمليات الجراحية الاختيارية غير الطارئة، من أجل الحفاظ على الموارد المحدودة من معدات الوقاية الشخصية وتفادي تعريض المرضى وطواقم العمل بلا ضرورة لفيروس كورونا المُستجد.

 قالت رايبيرن: "شعرتُ كما لو أنني أعيش أحد تلك الأفلام السيئة حقًّا، وأنهم يُضحُّون بي".

وقال زوجها: "بدا الأمر كما لو أننا فقدنا أهل الخبرة الذين نعتمد عليهم".

صرَّح المستشفى بأنه سيراجع القرار في غضون بضعة أسابيع. لكن جرَّاحة رايبيرن قالت إن تلك فترة انتظار طويلة جدًّا، وأن عليهما الانتقال إلى الخطة البديلة والبدء في العلاج الكيميائي.

في الأساس، كان يُفترض أن تخضع رايبيرن للعلاج الكيميائي بعد استئصال الورم. ولم تكن إعادة ترتيب خطة العلاج الاختيار المثالي؛ لأنه لم يثبت أن العلاج الكيميائي يقلِّص كثيرًا أورامًا من نوع سرطان الثدي الذي أصابها.

مع ذلك، يمكن أن يساعد العلاج الكيميائي في وقف انتشار السرطان. ولكن عندما فهم الزوجان خطة العلاج الجديدة، واجها مزيدًا من العقبات.

قال فورسبيرج: "كانت بحاجة إلى تخطيط صدى القلب، لكن إجراءات تخطيط صدى القلب كلها ألغيت".

أمضيا أيامًا على الهاتف في محاولة لتدبُّر الأمر؛ حتى تتمكن من بدء العلاج الكيميائي. كما بدأت رايبيرن مُراسلة المشرِّعين المحليين لشرح المأزق الذي تواجهه.

المستشفيات تُعطي الأولوية لحالات الطوارئ

في منتصف مارس، حظَرَ جاي إنسلي -حاكم ولاية واشنطن- معظم العمليات الاختيارية، لكنه قرّر استثناءاتٍ لبعض الحالات المرضية العاجلة التي تُمثل خطرًا على حياة المريض.

قالت رايبيرن: "في واقع الأمر، قال إن هذا [الحظر] لا يشمل استئصال الأورام السرطانية".

وقالت إيلين كوتور، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بروفيدنس هيلث في منطقة واشنطن-مونتانا: إن مستشفيات المؤسسة تستخدم الخوارزميات وفريقًا من الأطباء لمعرفة أي العمليات الجراحية يمكن تأجيلها.

وأوضحت كوتور: "لا توجد قرارات مثالية على الإطلاق في أيٍّ من هذا. على الإطلاق".

لم تتحدث كوتور عن مرضى محددين، لكنها قالت إنها تفترض أن الحالات الأخرى أكثر إلحاحًا من حالة رايبيرن.

وأضافت: "هل كان هناك مرضى آخرون لديهم حتى أنواعٌ أكثر عدوانيةً من السرطان أُنجزت عملياتهم [الجراحية]؟"، وأضافت: "مهما بلغت حالتك المرضية، يمكن أن يكون هناك أشخاص آخرون بحاجة حتى إلى تدخلٍ أسرع بكثير مما تحتاجه أنت".

قالت كوتور إن المستشفيات تستهلك الكثير من إمدادات الأقنعة والمعاطف الواقية والقفازات، وتحتاج إلى اتخاذ خيارات صعبة بشأن العمليات الاختيارية.

وأضافت تقول: "أنا أيضًا لا أحبذ هذا، وهذه ليست الطريقة التي نريد أن يعمل بها نظام الرعاية الصحية لدينا".

وأوضحت أن مستشفيات مؤسسة بروفيدنس تستهلك معدات الوقاية الشخصية على نحوٍ أسرع بكثير من قدرتها على تجديد مخزونها منها.

لا يوجد معيار واحد

في جمعية السرطان الأمريكية، يتلقى الدكتور لين ليكتنفيلد -نائب رئيس الخدمات الطبية- اتصالاتٍ من مرضى في جميع أنحاء البلاد يشكون من تأجيل علاجهم الكيميائي أو إلغاء عملياتهم الجراحية.

قال ليكتنفيلد: "قيل لأحد المصابين بورم دماغي إنه من غير الممكن إجراء عملية جراحية له، وهذا معناه في الأساس حكمٌ بالإعدام -فيما يبدو- على ذلك المريض".

وقال: إن هذا وضعٌ جديدٌ لم نواجهه من قبل فيما يتعلق برعاية مرضى السرطان. فالمستشفيات تتخذ هذه "القرارات على عجل" استجابةً لكيفية تطور الوباء في مجتمع معين. وأوضح قائلًا: "لا يوجد معيار وطني واحد يمكن تطبيقه. أخشى أن يصبح هذا النهج أكثر شيوعًا بكثير في الأسابيع المقبلة".

وتُوصي جمعية السرطان الأمريكية بتأجيل الفحوصات الروتينية لمرضى السرطان في الوقت الحالي.

من جانبها، نشرت جمعية الجراحين الأمريكية إرشاداتٍ حول كيفية تحديد أولويات الرعاية الجراحية لمرضى السرطان. لكن ليكتنفيلد قال إن كل قرار يعتمد في النهاية على مدى تَوافُر الموارد في المستشفى وكثافة حالات الإصابة بفيروس كورونا المُستجد. ففي ولاية واشنطن المتضررة بشدة من الوباء، أصبحت المستشفيات تُخصِّص أماكن إجراء الجراحات والأَسرَّة لعلاج المصابين بالوباء دون سواه من العلاجات.

قال الدكتور ستيفن بيرجام، المدير الطبي للوقاية من العدوى لدى مؤسسة «سياتل كانسر كير ألاينس» Seattle Cancer Care Alliance: "نحن بحاجة إلى أن نتوقع مدةً تتراوح بين أسبوعين وثلاثة أسابيع نستقبل فيها مزيدًا من المصابين بالمرض... علينا أن نتأكد من تَوافُر عدد مناسب من الأَسرَّة".

وأضاف بيرجام أن مؤسسته تعمل على تعديل خطط العلاج، وتتجنب في بعض الأحيان العمليات التي من شأنها أن تجعل مرضى السرطان يمكثون في المستشفى لفترة ممتدة.

وأوضح قائلًا: "إن ذلك يتوقف فعليًّا على السرطان وطبيعته العدوانية... لقد بحثنا مسألة إعطاء العلاج الكيميائي في قسم العيادات الخارجية وتغيير الأنظمة العلاجية الخاصة التي يحصل عليها المرضى لجعلها أقل سُمِّية".

لكن بيرجام أشار إلى أنهم يتوقعون مواصلة إجراء العمليات الجراحية العاجلة لمرضى السرطان، حتى مع تفاقُم الوباء.

كانت كريستين رايبيرن في أوليمبيا تتهيأ نفسيًّا لتحمُّل شهور العلاج الكيميائي القادمة: البقاء داخل منزلها، وتفادي الاختلاط حتى ببناتها البالغات؛ لتجنُّب أي تعرُّض محتمل لفيروس كورونا.

ثم، قبل أسبوعين من الموعد المحدد، اتصلت الجرَّاحة مرةً أخرى لتُبلغها بأنها أقنعت المستشفى بإجراء العملية الجراحية على أي حال بتأخير مدته 10 أيام عن الموعد الذي كان مخططًا له في البداية.

تتساءل رايبيرن وزوجها عما كان سيحدث لو لم يتحدثا أو يضغطا لإعادة وضع عملية استئصال الكتلة الورمية على جدول العمليات الجراحية للمستشفى. قال فورسبيرج إنه كان من الوارد ألا يحصلا على الرعاية التي تحتاجها رايبيرن.

وأردف: "لو التزمنا الصمت، لصرنا إلى هذا هو الوضع في رأيي... لكن هذا لم يكن خيارًا بالنسبة لنا".

هذه المقالة جزء من إطار الشراكة بين «ناشيونال باببليك راديو» NPR و«كايزر هيلث نيوز» Kaiser Health News.