مع تزايد أعداد كبار السنّ حول العالم، يتزايد نهمهم إلى المنتجات والنصائح الصحيّة التي تَعِد بحمايتهم من آثار يد الزمن عليهم. ومن بين المكملات الغذائية التي لا حصر لها –كالفيتامينات، والمعادن، وغيرها- علق البعض آمالهم على جزيء يُسمى ثنائي نيوكليوتيد الأدينين والنيكوتيناميد (NAD)، وهو عامل رئيس في إنتاج الطاقة في الخلايا. يشارك هذا الجزيء –الذي عادةً ما يُكْتَب اسمه في صورته المؤكسدة NAD+- في عددٍ من المسارات الأيضيّة، وكذلك في عمليّات مهمّة أخرى مثل إصلاح الحمض النووي. تنخفض مستويات الجزيء NAD+ بشكلٍ طبيعي مع تقدُّم البشر والحيوانات في العمر، وقد أشار بعض العلماء إلى أن هذا الانخفاض يسهم في فسيولوجيا الشيخوخة.

كشفت دراساتٌ أن رفع مستويات الجزيء NAD+ قد يُطيل العُمر في فطريات الخميرة والديدان والفئران. كما أن الدراسات على الحيوانات تشير إلى أن هذا الجزيء له إمكانيات واعدة في مجال تحسين جوانب صحية عديدة؛ إذ يبدو أن زيادة مستويات الجزيء في الفئران الهَرِمَة تُجَدِّد الميتوكوندريا –مصانع الطاقة في الخلية- التي يتعثر أداؤها مع تقدُّم العمر. كذلك كشفت دراسات أخرى على الفئران عن فوائد للمكملات التي تحتوي على NAD+، كتحسين وظائف القلب والأوعية الدمويّة، وتحسين تجدُّد العضلات، وتحسين أيض الجلوكوز.

استنادًا إلى هذه النتائج، تبيع عدة شركات حاليًّا مكمِّلات غذائية تحتوي على سلائف الجزيء NAD+، مثل ريبوسيد النيكوتيناميد (NR) أو أحادي نيوكليوتيد النيكوتيناميد (NMN). وقد اجتذبت المُكَمِّلات المحتوية على ريبوسيد النيكوتيناميد بالأخص الكثير من الانتباه، بسبب الصيت العلمي الذائع لاثنين من كبار مورّدي هذه المكملات، هما شركتا كرومادِكس (ChromaDex) وإيليسيوم هيلث (Elysium Health). ينتمي المستشارون البحثيون للشركتين إلى مؤسسات عريقة مثل جامعات ستانفورد وهارفارد وكولومبيا، كما يضم المجلس الاستشاري العلميّ لشركة إيليسيوم حاليًّا ثمانية علماء من حائزي جائزة نوبل.

غير أن التجارة في ريبوسيد النيكوتيناميد، وكذلك بعض العلماء المشاركين في هذا النشاط نالوا نصيبهم من الانتقاد أيضًا. فعلى عكس العقاقير، لا تفرض السلطات الأمريكية الكثير من القيود التنظيمية على المكملات الغذائيّة، مما يسمح ببيعها قبل أن تؤكد الأبحاث أنها آمنة وفعالة لاستخدام البشر. وقد كشفت التجارب السريرية الأخيرة التي مولتها شركتا كرومادكس وإيليسيوم أن البالغين الذين يتعاطون مكمِّلات غذائية تحتوي على ريبوسيد النيكوتيناميد لمدة ستة إلى ثمانية أسابيع يظهر لديهم ارتفاع في مستويات NAD+ في الدم دون آثار جانبية خطيرة. بيد أن الباحثين لا يزالون يعملون لإثبات أن ريبوسيد النيكوتيناميد قادر فعلًا على تحسين صحة الإنسان، وهي مسألة خلافية بالنسبة للنقاد ومشكلة تعترف بها الشركتان.

يقول ليونارد جوارينت، أحد مؤسسي شركة إيليسيوم ورئيس العلماء بها: "ليس كل ما يجدي مع الفئران يجدي مع البشر، ولهذا فمن الضروريّ إجراء تجارب على البشر تخضع لقيود صارمة". وتدرس الشركة فاعلية مكملاتها الغذائية المحتوية على ريبوسيد النيكوتيناميد في عدد من الحالات المرضيّة لدى البشر، مثل إصابات الكلى والكبد الدهنيّ. وفي وقتٍ مبكر من هذا العام نشرت شركة إيليسيوم تجربةً صغيرة تكشف أن منتجها قد يبطئ تقدّم مرض التنكس العصبي المسمى بالتصلُّب الجانبي الضموري. كما تخضع المكملات المحتوية على ريبوسيد النيكوتيناميد التي تنتجها شركة كرومادكس لعدة تجارب إكلينيكية، إذ ترعى الشركة مؤخرًا دراسةً عن آثارها على الوظائف الإدراكيّة، والحالة المزاجيّة، والنوم لدى الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 55 عامًا.

وعلى صعيد آخر، ولكن لأسباب مختلفة تمامًا، حظي جزيء NAD+ أيضًا باهتمام شديد بين الباحثين في مجال أمراض السرطان؛ إذ تشير دراسات حديثة إلى أن أنواعًا عديدة من الخلايا السرطانية تعتمد على الجزيء NAD+ لتحتفظ بمعدل نموها السريع، وأن تقليل الإمدادات منه قد يكون إستراتيجيّة فعالة للقضاء على أنواع معينة من السرطان. وترسم بيانات هذه الدراسات صورة أكثر تعقيدًا لجزيء NAD+، وتثير تساؤلات جديدة حول الطرق المختلفة التي قد يؤثر بها تعاطي المكملات المُعزّزة لجزيء NAD+ على الصحة. وتقول فيرشا بانيرجي، العالِمة والطبيبة البشرية بجامعة مانيتوبا: "قد يبطئ هذا الجزيء تقدُّم الشيخوخة، إلا أنه قد يعزز تقدُّم السرطان. نحن بحاجة فقط إلى اكتشاف المزيد عن بيولوجيا العمليتين، لاكتشاف طريقة لإبطاء الشيخوخة ومنع الإصابة بالسرطان".

وفي دراسة نُشرت في دورية "نيتشر سيل بايولوجي" Nature Cell Biology في فبراير الماضي، سجَّل العلماء اكتشاف دورٍ جديدٍ لأيض جزيء NAD+ في نقطة التقاطع بين تقدّم العمر الخلويّ والسرطان، وبالأخص في عمليّة تسمَّى الشيخوخة الخلوية. تحدث الشيخوخة حينما تتوقف الخلايا الهَرِمَة التالفة عن الانقسام، ويمكن أن تساعد هذه العمليّة على تثبيط حدوث السرطان، إلا أنها تدفع الخلايا إلى إنتاج جزيئات التهابيّة قد تعزز أيضًا نمو السرطان في ظروف معيَّنة. في الدراسة التي نُشرت في "نيتشر سيل بايولوجي"، اكتشف روجانج زانج -الباحث بمعهد ويستار- وزملاؤه، أنه في الخلايا التي تدخل مرحلة الشيخوخة، يشجِّع ارتفاع مستويات إنزيم ناقل فوسفوريبوزيل نيكوتيناميد (NAMPT) (وهو أحد أهم الإنزيمات المنتجة لجزيء NAD+ في الثدييات) على إطلاق جزيئات التهابية قد تعزز نموّ الأورام. ويؤكد تلك النتائج أن الفئران ذات الاستعداد الجيني للإصابة بسرطان البنكرياس قد ازداد لديها نمو الخلايا قبل السرطانية والسرطانية حينما تناولت أحادي نيوكليوتيد النيكوتيناميد، أحد سلائف جزيء NAD+. ويقول زانج إنه ثمة حاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث للتوصل إلى فهم كامل لدور NAD+ في السرطان، إلا أنه يضيف قائلًا: "يجب أن نتوخى الحذر، وأن نضع في الاعتبار الجانب السلبي المحتمل لمكملات NAD+ كوسيلة غذائية لمقاومة الشيخوخة".

وتُعَد دراسة زانج جزءًا من عدد متزايد من الأبحاث التي لفتت الانتباه إلى أيض NAD+ في السرطان، لا سيما الذي يتضمن إنزيم ناقل الفوسفوريبوزيل نيكوتيناميد. فمقارنة بالأنسجة السليمة، سُجِّلَ ارتفاع مستويات إنزيم ناقل الفوسفوريبوزيل نيكوتيناميد في عدة أنواع من السرطانات التي تصيب البشر، منها سرطان القولون والمستقيم، وسرطان المبيض، وسرطان الثدي، وسرطان البروستاتا. وفي الدراسات التي أُجريت على الحيوانات والخلايا، اتضح أن الأدوية المثبِّطة لإنزيم ناقل الفوسفوريبوزيل نيكوتيناميد تقدم نتائج مبشرة في القضاء على الخلايا السرطانية، أو تحسين فاعلية علاجات السرطان الأخرى.

في عام 2016، اكتشف باحثون بكلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس أنه بين المصابين بالورم الأرومي الدبقيّ –وهو أحد أكثر أنواع سرطان المخ شراسة- ترتبط الأورام التي ترتفع فيها نسبة إنزيم ناقل الفوسفوريبوزيل نيكوتيناميد بفترات أقصر في البقاء على قيد الحياة. وعندما زُرِعَت خلايا بشريّة من الورم الأرومي الدبقي في الفئران، تكاثرت الخلايا وكونت أورامًا جديدة، لكن حينما ثبط الباحثون مستويات إنزيم ناقل الفوسفوريبوزيل نيكوتيناميد في هذه الخلايا قبل الزرع، لاحظوا لاحقًا تراجُع تكوُّن أورام المخ، وازدياد مدة البقاء على قيد الحياة لدى الفئران، مما يشير إلى أن خلايا الأورام الأرومية الدبقية تعتمد على إنزيم ناقل الفوسفوريبوزيل نيكوتيناميد وجزيء NAD+ للنمو.

ماذا تكشف هذه النتيجة عن المكمِّلات المُعَزِّزة لجزيء NAD+؟ يقول ألبرت كيم، المؤلف الرئيس للدراسة الصادرة عام 2016 في بيان صحفي أصدرته كلية الطب: "أثار تناول سلائف NAD+ ضجةً كبيرة، لما لها من أثر في مقاومة الشيخوخة، وهذا الأمر مبنيّ على أسس علمية قوية. لا أدري إذا كان تناول سلائف NAD+ يُسرّع من نمو الأورام الموجودة بالفعل، إلا أننا نستنتج من بحثنا أننا لا نفهم تمامًا بعدُ جميعَ عواقب زيادة مستويات NAD+".

إلا أن هذه التساؤلات لا تزعج صنّاع المُكَمِّلات المحتوية على ريبوسيد النيكوتيناميد. يقول تشارلز برينر، رئيس المستشارين العلميين في كرومادِكس: "لا يؤرقني هذا الأمر إطلاقًا"، مشيرًا إلى أن ارتفاع مستويات إنزيم ناقل الفوسفوريبوزيل نيكوتيناميد إلى مستويات فوق الطبيعية في أنواع عديدة من السرطان لا يثبت أن ارتفاع مستويات NAD+ يعزِّز بالفعل من نمو السرطان. كما يشير إلى أن الدراسات التي تقضي على الخلايا السرطانية بتثبيط الإنزيم المُنْتِج لجزيء NAD+ لا تتعامل مع المشكلة بالشكل المناسب، مضيفًا: "إن مسألة ارتباط انخفاض مستويات NAD+ بتثبيط نمو السرطان أمر، وارتباط ارتفاع مستويات NAD+ بتعزيز السرطان أمر مختلف تمامًا".

في حقيقة الأمر، تُعد دراسة زانج من أولى الدراسات التي تكشف مباشرةً أن إعطاء NAD+ التكميلي –من خلال السالف أحادي نيوكليوتيد النيكوتيناميد- يرتبط بزيادة نمو الخلايا السرطانية لدى الفئران. إلا أن جوارينت من شركة إيليسيوم أبدى تشكُّكه في البيانات، قائلًا إن دراسة زانج لم تكشف إلا عن أثر ضئيل في عدد صغير من حيوانات التجارب، وأنه يجب أن تتكرر هذه النتائج على يد مجموعات بحثية أخرى. ويقول جوارينت: "لا أعتقد أن هنالك أي دليل على الإطلاق يقول بأن زيادة مستويات NAD+ تعزز الإصابة بالسرطان".

وفي الوقت الحالي، لا تزال فكرة ارتباط زيادة مستويات NAD+ بتعزيز نمو السرطان مجرد فرضيّة، إلا أنها فرضيّة حظيت باهتمام كبير. فالخلايا السرطانية تُعرف باحتياجاتها الأيضية العالية، ومنها العمليات التي تستلزم جزيء NAD+. والعديد من أنواع الخلايا السرطانية تعزز الإنزيمات المنتجة لجزيء NAD+، وتموت إذا تم تثبيط تلك الإنزيمات باستخدام العقاقير. يقول شاشي جوجار، العالِم المتخصص في علم المناعة السرطاني بجامعة دالهاوسي: "نعلم أن السرطان يحب جزيء NAD+، إلا أنه من المبكر للغاية أن نقول إن نموه سيتسارع كثيرًا إذا أضفنا هذا الجزيء. وتعمل العديد من المختبرات الآن على اكتشاف حقيقة هذا الأمر".

قد لا تكون الإجابة واحدةً أو صريحة؛ إذ إن جزيء NAD+ أساسيّ وواسع الانتشار، يسهم في العديد من المسارات البيولوجية والعمليات الخلوية. وقد يؤدي استهلاكه إلى نتائج مختلطة، بعضها إيجابي والبعض الآخر سلبي، وقد يعتمد توازنها على بيئة الأنسجة. إذ إن سلائف NAD+ التي يتم تناولها عن طريق الفمّ قد تمتصها بعض الأنسجة أكثر من غيرها، كما أن أنواعًا مختلفة من الخلايا معروفة باستخدام برامج أيضيّة مختلفة، وهو ما قد يؤدي إلى حدوث استجابات لهذا الجزيء خاصة بكل نسيجٍ على حدة.

والسرطانات، على غرار الأنسجة التي تنشأ منها، متنوعة في مساراتها الخلويّة -وبعضها على الأقل يختلف مع فرضيّة أن جزيء NAD+ يمثل "وقودًا لنمو السرطان". فعلى سبيل المثال، سجلت دراسة أُجريت عام 2014 أنه في فأر تجارب مصاب بسرطان الكبد، كانت هناك خطوة أساسية تمثلت في تثبيط إنتاج NAD+، حتى يمكن لجين شاذ أن يتلف الحمض النووي فيتكون الورم. وفي هذه الحالة، ساعد إعطاء الفئران ريبوسيد النيكوتيناميد على حمايتها من هذه الآثار الضارة.

وهذه النتائج مجتمعةً لا تقدم بالضرورة إجاباتٍ جاهزةً للمستهلكين المهتمين بالمكملات المحتوية على ريبوسيد النيكوتيناميد أو أحادي نيوكليوتيد النيكوتيناميد، بقدر ما تسلط الضوء على تساؤلات مطروحة أمام العلماء للإجابة عنها خلال السنوات القادمة. ويقول ماثيو فاندر هايدن، العالِم والطبيب البشريّ بمعهد كوك لأبحاث السرطان المتكاملة التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: "أرى أنه، نظرًا إلى أن الكثيرين يتناولون هذه المكملات لفوائدها الصحيّة، فإنه من اللازم إجراء دراسة لمعرفة أثر هذه المكملات على احتمال الإصابة بالسرطان أو على بيولوجيا السرطان الموجود بالفعل".

وهناك كثيرون يشاركونه الرأي فيما يتعلق بالحاجة إلى المزيد من الأدلة؛ فيقول جوجار: "ثمة اهتمام هائل بمجال NAD+ حاليًّا، وأنا متأكد من أننا سنحصل على الأدلة الكافية للإجابة عن هذه التساؤلات، عاجلًا أو آجلًا".