كيف يدرك الدماغ البشري أن «هذا» يتبع «ذاك»؟ شخصان يلتقيان، ويقعان في الحب، ويعيشان بعدها معًا في سعادة، أو أحيانًا لا يعيشان في سعادة، ربما كانت ثمة علاقة بين تسلسل الأحداث التي تقع داخل عقولنا -حدث يأتي تلو الآخر– وما يُطلق عليه الخلايا الزمنية المُكتشَفة مؤخرًا في منطقة الحُصَين بالدماغ البشري، يقدم هذا البحث أدلةً على الكيفية التي يعرف بها الدماغ البشري بداية الذكريات ونهايتها رغم الفجوات الزمنية الموجودة في المنتصف، وفي ظل استمرار مثل هذه الدراسات، قد يؤدي البحث إلى ابتكار إستراتيجيات لاستعادة الذكرى أو تعزيزها.

لقد ركز البحث على «الذاكرة العرضية»، أي القدرة على تذكُّر «فحوى» تجربة من الماضي و«مكانها» و«زمانها»، مثل تذكُّرك لما فعلته حين استيقظت من النوم اليوم، يُعَد هذا جزءًا من جهد مستمر لتحديد كيف يكوِّن الدماغ هذه الذكريات.

سعى فريق بقيادة ليلى ريدي -الباحثة في علم الأعصاب بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي- إلى فهم كيف تمثل الخلايا العصبية داخل منطقة الحُصَين بالدماغ البشري المعلومات الزمنية في أثناء سلسلة من خطوات التعلم بهدف إزالة الغموض الذي يكتنف آلية عمل الخلايا الزمنية في الدماغ، وفي دراسة نُشِرَت هذا الصيف في دورية «جورنال أوف نيوروساينس» Journal of Neuroscience، وجدت ريدي وزملاؤها أن الخلايا الزمنية في الدماغ البشري تطلق إشاراتها في لحظات متتالية في أثناء أداء كل مهمة لتنظيم اللحظات المتمايزة للتجربة.

قدمت الدراسة تأكيدًا إضافيًّا على أن الخلايا الزمنية توجد في منطقة الحُصَين، وهي مركز أساسي لمعالجة الذكريات، تعمل هذه الخلايا في أثناء تطور الأحداث، مقدمةً سجلًّا لتدفق الزمن في أثناء عيش خبرةٍ ما، تقول ريدي: "قد تؤدي هذه الخلايا العصبية دورًا مهمًّا في طريقة تمثيل الذكريات في الدماغ"، وتضيف قائلةً: "وسيصبح فهم آليات تشفير الوقت والذكرى مجالًا مهمًّا من مجالات البحث العلمي".

ويؤكد ماثيو سيلف -المشارك في هذه الدراسة، والباحث الكبير في قسم البصر والإدراك بالمعهد الهولندي لعلم الأعصاب- دور الخلايا الزمنية الموجودة في الحُصَين وأهميتها في تشفير التجارب في صورة ذكريات، يقول سيلف: "عندما نستدعي إحدى الذكريات، لا يكون بمقدورنا تذكُّر ما حدث لنا وحسب، بل يمكننا أيضًا أن نتذكر أين كنّا ومتى حدث لنا هذا"، ويُردف قائلًا: "نحن نظن أن الخلايا الزمنية قد تكون هي الأساس الذي يستند إليه تشفير توقيت وقوع حدثٍ ما".

وعلى الرغم من معرفة الباحثين بوجود الخلايا الزمنية داخل أدمغة القوارض منذ عقود، لم يمكن تحديدها في الدماغ البشري إلا في أواخر العام الماضي على يد باحثين في المركز الطبي الجنوبي الغربي بجامعة تكساس وزملائهم، ولفهم هذه الخلايا على نحوٍ أفضل، درست ريدي وزملاؤها نشاط الحصين لدى مرضى الصرع الذين زُرعت داخل أدمغتهم أقطاب كهربائية لتقييم العلاج المحتمل لحالتهم المرضية، وقد وافق هؤلاء المرضى على المشاركة في تجربتين مختلفتين بعد خضوعهم للعملية الجراحية.

يقول سيلف: "في أثناء العملية الجراحية، يجري إدخال الأقطاب الكهربائية عبر ثقوب صغيرة بالجمجمة يبلغ قطرها حوالي ملليمترين تقريبًا، وتُسد هذه الثقوب بإحكام حتى يتعافى المرضى من العملية، ويوضعون تحت الملاحظة لمدة تصل إلى أسبوعين والأقطاب في مكانها داخل وحدة مراقبة الصرع EMU"، ويردف قائلًا: "نعمل على تسجيل النشاط العصبي للحُصَين في أثناء أداء المرضى مهمات داخل الوحدة، مدة أسبوع تقريبًا بعد إجراء العملية".

في التجربة الأولى، عُرِضَت على المشاركين مجموعة متسلسلة من خمس صور إلى سبع، لأشخاص أو مناظر مختلفة في ترتيب محدد مسبقًا يتكرر عدة مرات، تُعرض صورة معينة، لزهرة مثلًا، لمدة 1.5 ثانية، تتبعها فترة توقف مدتها نصف ثانية، ثم تُعرض صورة أخرى لكلب مثلًا، وفي عينة عشوائية تمثل 20 بالمئة من فترات التوقف بين عرض الصور خلال الجلسات، يوقف عرض الصور، ويجب على المشاركين حينها تحديد الصورة الصحيحة التالية من صورتين قبل متابعة عرض الصور، اكتشف الباحثون أنه على مدار 60 تكرارًا لمجموعة الصور بأكملها، أطلقت الخلايا العصبية الحساسة للزمن إشاراتها في لحظات معينة في فترات التوقف بين الاختبارات، بغض النظر عن الصورة المعروضة.

سارت التجربة الثانية على النسق نفسه، باستثناء أنه بعد تكرار عرض مجموعة الصور لعدد ثابت من المرات، تُعرض شاشة سوداء لمدة 10 ثوانٍ، وهي فجوة زمنية الغرض منها تشتيت الانتباه، وبالنسبة لنصف عدد المشاركين، كانت هذه الفجوات تحدث بعد خمسة تكرارات من عرض الصور (وهو ما أسفر عن ست فجوات زمنية في هذه التجربة)، أما بالنسبة لباقي المشاركين في التجربة، فقد حدثت هذه الفجوات الزمنية بعد كل تكرارين من عرض الصور (وهو ما أسفر عن 15 فجوةً زمنية)، تكرر عرض مجموعة الصور 30 مرةً فقط.

خضع المشاركون في التجربة الثانية لاختبار بخصوص ترتيب مجموعة الصور في أثناء تسجيل النشاط الكهربائي للخلايا الفردية في أدمغتهم، أطلقت بعض الخلايا العصبية إشاراتها في لحظة معينة، استجابةً لصورة معينة، وأطلقت خلايا أخرى إشاراتها في لحظة أخرى عند عرض صورة مختلفة، وظلت الخلايا الزمنية المناظرة لصورة معينة تطلق إشاراتها في أثناء الفجوات الزمنية التي مدتها 10 ثوانٍ والتي لا تُعرض فيها أي صورة، وبدا أن هذه الفجوات الزمنية ساعدت المشاركين على تذكُّر المزيد من الصور وترتيبها الصحيح، وخلال الفجوات الزمنية، نُشطت حوالي 27 بالمئة من الخلايا الزمنية.

وللإجابة عن سؤال حول ما إذا كانت المعلومات الزمنية حاضرةً في نشاط الخلايا العصبية في الحصين، حفز الباحثون مجموعةً فرعيةً من الخلايا العصبية الزمنية التي نشطت استجابةً لصورةٍ ما، جرت نمذجة نشاط إطلاق الإشارات لكل خلية عصبية في صورة دالة زمنية، وهوية الصورة، وما إذا كانت الفترة الزمنية تناظر صورة أم فترات التوقف الفاصلة بين عمليات التحفيز، وهي فترات نصف الثانية الفاصلة بين عرض صورة وأخرى.

استطاع الباحثون فك تشفير لحظات مختلفة من الزمن استنادًا إلى نشاط مجموعة الخلايا العصبية بالكامل، وهذا دليل على أن الدماغ البشري يحتوي على خلايا عصبية تراقب الزمن، ويعلق سيلف قائلًا: "نعتقد أن مجموعة الخلايا العصبية الموجودة في الحصين تمثل عدة نطاقات زمنية مختلفة ومتداخلة"، ويضيف قائلًا: "نشاط هذه الخلايا حاضرٌ طوال فترة التجربة، وهو يوفر طابعًا زمنيًّا لكل حدث"، ويوضح سيلف أن ما يزيد الأمر تعقيدًا هو حقيقة أن هذه الخلايا تمثل محتوى ذاكرتنا («ما حدث» وكذلك «متى حدث»)، يقول سيلف: "نحن لا نفهم تمامًا كيف يجري تشفير الذكرى، ولكن يبدو أن نمط الأنشطة عبر منطقة الحصين يقدم لنا بصورة متزامنة الطابع الزمني ومحتوى التجربة".

ويضيف سيلف أن هذه المعلومات ربما تكون مقترنةً بإشارات تدل على سياق التجربة، بيد أن ثمة حاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث لفهم هذه الآلية، يقول سيلف: "لا فائدة من تشفير ذكرى رؤيتك لصديقك في بداية حدثٍ ما دون تشفير السياق أيضًا؛ أن الحدث ينطوي على التجول في السوبرماركت على سبيل المثال"، ويضيف سيلف: "يهدف بحثنا المستقبلي إلى فهم كيف تقترن المعلومات الزمنية بمعلومات سياقية لتوفر بنيةً زمنيةً لذكرياتنا".

تبدو النتائج مشابهةً لنتائج دراسات سابقة أُجريت على الفئران وأوضحت أن الخلايا الزمنية مماثلة لـ«الخلايا المفاهيمية» التي تستجيب للتجسيدات المختلفة للمحفز نفسه، بمعنى أن هذه الخلايا تقوم بتشفير كلٍّ من المفهوم والزمن، يقول سيلف: "الخلايا الزمنية الموجودة في منطقة الحصين لدى الفئران هي أيضًا بمنزلة خلايا مكانية تستجيب عندما يكون الفأر في موقع محدد، ويبدو أن خلايا الحصين هي خلايا متعددة الأبعاد، ويمكنها تشفير جوانب مختلفة من تجاربنا من خلال أنماط إطلاق الإشارات بها".

وعلى حد قول ستيفان لوتجب -مدير قسم علم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو– فإن هذه الدراسة تجيب عن سؤال مهم بخصوص الخلايا الزمنية في الدماغ البشري، ويضيف لوتجب -الذي لم يشارك في الدراسة- قائلًا: "تقدم الدراسة الحالية إسهامين مهمين: أولًا، تقدم تأكيدًا جديدًا على أن الخلايا الزمنية ليست سائدةً في منطقة الحصين بأدمغة القوارض وحسب، بل يمكن رصدها بنِسب عالية في منطقة الحصين بالدماغ البشري أيضًا، وفي الواقع، تُعد نسبة الخلايا الزمنية التي تم رصدها في الدماغ البشري في الدراسة الحالية أعلى مقارنةً بالدراسة السابقة".

قد تفسر النتائج لماذا يستطيع بعض الأشخاص الذين يعانون من إصابة بمنطقة الحصين –التي يوجد اثنان منها على كلا جانبي الدماغ- تذكُّر الأحداث ولكن يواجهون صعوبةً في تذكُّرها بالترتيب الصحيح، وهي مشكلة يعاني منها مرضى ألزهايمر وغيرها من الحالات المرضية العصبية التنكسية، يقول يورجن شوجر، الأستاذ المساعد في علم وظائف الأعضاء بجامعة أوسلو، والذي لم يشارك في الدراسة الجديدة: "نأمل أن يقربنا الفهم الواضح للإسهامات الخلوية في وظائف الذاكرة من فهم السبب وراء فقد وظائف الذاكرة في بعض الأمراض وكيف يمكن معالجة هذه الأمراض".

ويطمح الباحثون في هذا المجال إلى مواصلة إجراء المزيد من الأبحاث، ويقول برادلي ليجا، الأستاذ المساعد في جراحة الأعصاب بالمركز الطبي الجنوبي الغربي بجامعة تكساس، والذي كان مشاركًا رئيسيًّا في الدراسة التي وثقت للمرة الأولى وجود الخلايا الزمنية في الدماغ البشري العام الماضي: "الخطوة التالية هي تطوير طرق غير جراحية أو جراحية لتنظيم نشاط الخلايا الزمنية ودوائر الخلايا الزمنية، وربما يوفر هذا إستراتيجيةً للتنظيم العصبي من أجل استعادة الذاكرة أو تعزيزها، ويمكن أيضًا مراقبة نشاط الخلايا الزمنية لتحديد ما يحدث عند إطلاق النبضات الكهربائية في أثناء مثل هذه العمليات".

ويعتقد بعض العلماء أن هذه الدراسة قد تساعد ذات يوم في تطوير «التقنية التعويضية للذاكرة»، وهي تقنية من شأنها أن تتيح للكمبيوتر أن يضيف ذكريات أو يمحوها بواسطة أقطاب كهربائية تُزرع في الدماغ، وهذه الخطوة من شأنها أن تثير قضايا أخلاقية بخصوص التلاعب بالذكريات، ولكنها على الأرجح بعيدة عن التحقق على أرض الواقع.

ويمكن استخدام تلك التقنية المحتملة في علاج اضطرابات ما بعد الصدمة أو ألزهايمر، يقول يورجن: "قد يكون من المغري تطوير مثل هذه الأجهزة بحيث يمكن مسح الذكريات أو إضافتها، ولكني لست أدري كيف يمكن تقنين هذه الأجهزة لمنع إساءة استخدامها (إضافة ذكريات زائفة أو مسح ذكريات مهمة)"، ويضيف قائلًا: "أظن أن الإستراتيجية الأكثر قبولًا هي تركيز جهودنا على العلاجات الوقائية لاضطرابات الذاكرة".

ويردف قائلًا: "آمل أن تستطيع الأبحاث التي تُجرى على البشر أن تكشف كيف تسهم الخلايا الزمنية في تشفير الذكريات الخاطفة المتفردة واستدعائها، حينئذٍ يمكن للجنس البشري أن يتفاءل بالوقت الذي سيُستخدم فيه هذا المجال البحثي الجديد لمساعدتنا على فهم كيف يعرف الدماغ البشري بداية الذكريات ونهايتها رغم وجود فجوات زمنية بين الأحداث".