كان من الممكن اعتبار إطلاق القمر الصناعي الصيني «ميسياس» (Micius) مجرد إضافة فردية إلى مجموعة الأقمار الصناعية التي تدور بالفعل حول الأرض، والبالغ عددها 2700 قمر صناعي أو يزيد، ولكن يمكن القول بأن «ميسياس» -المخصص لدراسات علم المعلومات الكَمِّية فقط- يمثل ذروة التقدم الذي أحرزته الصين في سباق ناشئ بين القوى العظمى على صعيد أحدث الابتكارات في علم الفيزياء. وقد ساعد هذا القمر الصناعي، الذي ابتكره جيان-واي بان -عالِم الفيزياء بجامعة الصين للعلوم والتكنولوجيا- وزملاؤه على تحقيق عدة نتائج رائدة قرَّبَت مجال التشفير الكَمِّي –الذي اقتصر فيما سبق على استخدامات محدودة- إلى نطاق الاستخدامات العامة. قدم فريق بان في ورقة بحثية جديدة نُشرت في 15 يونيو بدورية Nature طريقةً آمنة لإرسال الإشارات الكَمِّية باستخدام «ميسياس»، وهو ما يُعد إنجازًا يقرب العالم -أو الصين على الأقل- من إنشاء شبكة اتصالات عالمية لا يمكن اختراقها.

في عام 2017، تمكَّن الفريق، بالتعاون مع مجموعة باحثين من النمسا، من استخدام القمر الصناعي في إجراء أول مؤتمر هاتفي افتراضي مُشفر كميًّا على مستوى العالم بين بكين وفيينا. ورغم كونه إنجازًا مرحليًّا عظيمًا، لم تكن هذه الطريقة محصنة تحصينًا منيعًا ضد الاختراق، بل إن «ميسياس» نفسه كان بمنزلة نقطة الضعف؛ إذ كان القمر الصناعي «يعرف» سلاسل الفوتونات -أو مفاتيح التشفير- الخاصة بكل موقع، وكذلك المفتاح المشترك لفك هذا التشفير. لذا لو استطاع أحد الجواسيس التنصت بعناية على نشاطه، بطريقة أو أخرى، لكان من الممكن المخاطرة بسلامة المؤتمر الهاتفي.

ومن أجل التغلب على هذه المشكلة، أكدت التجربة الجديدة التي أجراها بان وزملاؤه أن «ميسياس» لن «يعرف» أي شيء. تمثلت الحيلة التي لجأ إليها الفريق في تجنُّب استخدام القمر الصناعي كمرحِّل للاتصالات. وبدلًا من ذلك، لم يعتمد عليه الفريق إلا لنقل زوج من مفاتيح التشفير السرية بصورة متزامنة بين محطتين أرضيتين في الصين، يفصل بينهما أكثر من 1120 كيلومترًا، لتمكينهما من إجراء اتصال مباشر. وعن هذا يقول بان: "لسنا بحاجة إلى أن نثق بالقمر الصناعي. أي جهة قادرة على تصنيع قمر صناعي، حتى وإن كانت جهة معادية". كل مفتاح سريّ عبارة عن واحدة من سلسلتين من أزواج الفوتونات المتشابكة. تنص قوانين فيزياء الكم على أن أية محاولة للتجسس على هذا الإرسال ستترك حتمًا بصمة دالة على شبه الخطأ، بحيث يمكن أن ترصدها جهات الاستقبال في أيٍّ من المحطتين بكل سهولة.

هذه هي المرة الأولى التي تم فيها إثبات جدوى التقنية -التي تُسمى التعمية الكمية القائمة على التشابك- باستخدام قمر صناعي. (قامت تجربة عام 2017 بتعمية المفاتيح الكَمِّية أيضًا، لكنها لم تستخدم ظاهرة التشابك بالدرجة نفسها). وعن هذا تقول شوهينيي غوش، عالِمة فيزياء بجامعة ويلفريد لورييه بأونتاريو، والتي لم تشارك في الدراسة الجديدة: "عندما أُطلق القمر الصناعي، كان هذا إنجازًا مرحليًّا عظيمًا. إلا أن [الباحثين] لم يكن لديهم مستوى معدلات اكتشاف الخطأ اللازمة لاستخدام هذا التشابك بالفعل في التعمية".

يُعد معدل اكتشاف الخطأ ضروريًّا؛ لأن التمييز بين البصمة الدالة على الخطأ الحقيقي والبصمة الدالة على شبه الخطأ الناتجة عن التنصت هو أمرٌ بالغ الأهمية لضمان تأمين الاتصالات. وبالإضافة إلى ذلك، ربما يعني المعدل المرتفع أن مفاتيح التشفير التي تستقبلها المحطتان الأرضيتان يختلف بعضها عن بعض، وهو سيناريو من شأنه أن يجعل عملية تأمين الاتصالات ضربًا من المستحيل. وبهدف تحسين مستوى دقة منظومة الاتصالات الخاصة بهم، ركز العلماء على رفع كفاءة جمع الضوء في التلسكوبات المستخدمة في كلتا المحطتين الأرضيتين لرصد عمليات الإرسال التي أجراها القمر الصناعي «ميسياس»، من خلال تحديث أنظمة تصفية المعلومات والمكونات البصرية؛ لتحقيق معدل الخطأ المنخفض الضروري واللازم للتعمية الكمية.

وعلى الرغم من أن هذه هي المرة الأولى التي تُجرى فيها عملية تعمية كمية قائمة على التشابك بواسطة قمر صناعي، فإن ثمة تجارب أرضية ناجحة. في الاتصالات الكمية الأرضية، تمتص الألياف الضوئية -التي تربط بين المواقع- الفوتونات المُرسَلة، ويزداد معدل الامتصاص مع ازدياد المسافات. ثمة «عُقد موثوقة» على طول الألياف تفك شفرة المفاتيح وتعيد تشفيرها مرةً أخرى لكي تطيل مسافة نقل مفتاح التشفير. ولكن مثلما هو الحال بالنسبة لـ«ميسياس» في تجربة عام 2017، فإن هذه الوسائل الوسيطة لديها جميع المفاتيح الكَمِّية، وبالتالي فهي عُرضة للاختراق. وعلى الرغم من أن ثمة أجهزة تجريبية، تُسمى المكررات الكمية، تقدم مستوى أفضل من الحماية، فإن التقنية لم تتطور بعدُ بالدرجة الكافية لتصبح عملية. في المقابل، نظرًا إلى أن الإشارات الصادرة من الأقمار الصناعية تنتقل عبر الفضاء الفارغ أغلب الوقت، فإن فقد الفوتونات لا يشكل أهميةً كبيرة، مما يتيح تأمين عمليات الإرسال عبر مسافات شاسعة.

ولا يعني هذا الموقف أن المنظومة القائمة على القمر الصناعي أفضل في حد ذاتها من المنظومة الأرضية. يعلق بول فيات، عالِم الفيزياء بجامعة إلينوي في أوربانا- شامبين والذي لم يشارك في الدراسة أيضًا: "الأمر أشبه بعقد مقارنة بين طرفين مختلفين تمامًا، كأنْ تقارن التفاح بالبرتقال. يواجه القمر الصناعي عدة مشكلات. أولًا: لا توجد أقمار صناعية كثيرة [مخصصة للأبحاث الكَمِّية] تحلق في اللحظة الراهنة. ثانيًا: هذه الأقمار الصناعية لا تدور دومًا فوق التلسكوبات التي تريدها". والاعتماد على مرور القمر الصناعي مباشرةً فوق التلسكوبات يعني أن تأمين الاتصالات لا يحدث إلا في أوقات معينة من اليوم، وحتى في تلك الأوقات تتطلب التقنية في الوقت الحالي عوامل أخرى، مثل سماء صافية بدرجة معقولة، لضمان استقبال المحطة الأرضية لمفتاح التشفير.

يقول فيات: "أظن أنها ليست إستراتيجية جيدة أن تقول إنك تحاول تحديد أي تقنية من الاثنتين تريد شراءها"، ويضيف أنه، بدلًا من ذلك، ربما تكون أفضل طريقة لإحراز التقدم في هذا الصدد هي الاعتماد على نظام مختلط يستغل شبكات الألياف المحلية المتصلة بالأقمار الصناعية.

يقول بان إن المهمة الكبرى التالية لفريقه هي إطلاق قمر صناعي كمي وتشغيله في مدار أعلى، على ارتفاع 10 آلاف كيلومتر فوق سطح الأرض. يتوقع بان أن هذا المشروع قد ينطلق خلال مدة لا تتجاوز خمس سنوات. يستطيع القمر الصناعي، من على هذه الارتفاعات الكبيرة، تسهيل إجراء اتصالات على نحوٍ أكثر تكرارًا بين المحطات الأرضية التي تفصل بينها مسافات أكبر. (في المقابل، يدور «ميسياس» فوق الأرض على ارتفاع 500 كيلومتر فقط، مما يجعل قدرته على تغطية أي محطة أرضية تقتصر على مرتين فقط يوميًّا). يشير بان إلى أنه باستخدام قمر صناعي كمي عالي المدار، "يمكنك تعمية كمية على مدار اليوم بأكمله، وحينئذٍ يتاح لك وقت أكثر بكثير للاتصال". ويقدر بان أيضًا أن القمر الصناعي الجديد سيكون قادرًا على إجراء تعمية كمية قائمة على التشابك بين محطتين أرضيتين يفصل بينهما 10 آلاف كيلومتر، متجاوزًا بذلك المسافة الواردة في دراسة «ميسياس» الجديدة بمقدار عشرة أضعاف.

بينما تحرز الصين تقدمًا هائلًا في مسعاها نحو إجراء اتصالات كَمِّية لا يمكن اختراقها، فإن الدول الأخرى تتسابق للحاق بها؛ ففي عام 2018، شرعت ناسا في إنشاء المختبر الوطني لعلوم الفضاء الكميّ الذي من شأنه استخدام أشعة الليزر في محطة الفضاء الدولية لتأمين الاتصالات بين المحطات الأرضية. وفي أوروبا، وصل تحالف الإنترنت الكَمِّي -التابع للمشروع الكَمِّي الرئيسي الذي تُقدر تكلفته بمليار يورو- إلى مرحلة تكثيف التشغيل. وفي سياق منفصل، يحرز فريق مشترك بين المملكة المتحدة وسنغافورة تقدمًا سريعًا نحو إطلاق قمر صناعي للاتصالات الكَمِّية في العام المقبل. علاوةً على ذلك، تسعى اليابان والهند أيضًا إلى تحقيق مثل هذا الإنجاز.

إذًا، هل تفوز الصين في سباق إنشاء شبكة إنترنت كمي آمنة؟ يقول بان إنه من المبكر جدًّا أن نعرف إجابة هذا السؤال، ويختم حديثه معلِّقًا: "سنكون بحاجة إلى التوصل إلى نتائج ذات أهمية أكبر قبل أن يصبح الإنترنت الكمي أمرًا واقعيًّا".