في الثالث والعشرين من شهر يوليو، انطلق صاروخٌ عرضه خمسة أمتار وطوله 57 مترًا من جزيرة هاينان الواقعة جنوب الصين، حاملًا أولى بعثاتها المستقلة إلى المريخ. يسعى العلماء الصينيون جاهدين من خلال تلك البعثة لإرسال مسبارٍ إلى الكوكب الأحمر، الذي حيَّر أسلافهم بسطوعه دائم التغيُّر، وموقعه غير الثابت في السماء.

يُطلَق على هذه المركبة الفضائية اسم "تيانوين-1" Tianwen-1، أو "البحث عن الحقيقة السماوية"، وهي تحمل 13 أداةً علمية لاستكشاف الكوكب الأحمر، من مداره ومن على سطحه أيضًا. ستدرس البعثة كيف يتوزَّع الجليد المائي على الكوكب، فضلًا عن تطوره من الناحية الفيزيائية، والتغيُّر في صلاحيته للسكن بمرور الوقت. ويقول جون لوجسدون، خبير سياسات الفضاء بجامعة جورج واشنطن الأمريكية: إنَّ هذه البعثة التي تتألف من مركبةٍ مدارية، ومركبة إنزال، ومركبة جوَّالة، تمثل "المهمة الأكثر طموحًا التي يُمكن لأحدهم أن ينفذها في محاولته الأولى".

سجلٌّ مُثير للقلق

فرصة أن تصل تلك البعثة إلى المريخ دون مشكلات هي فرصةٌ لا تبعث على الطمأنينة؛ فمن بين عشرات المحاولات التي نفَّذها البشر حتى الآن للدوران حول المريخ أو الهبوط على سطحه، لم ينجح سوى النصف تقريبًا. وبعد عددٍ من الإخفاقات البارزة، تمكَّنت وكالة ناسا من أن تُرسِل إلى الكوكب خمس مركبات إنزال، وأربع مركباتٍ جوَّالة، وعددًا من المركبات المدارية، وقد جعلت تلك المركبات هذا العالم مثيرًا للاهتمام، بالنسبة للعلماء والجمهور على حدٍّ سواء. هذا بينما اقتصرت تجربة الصين في السفر عبر الفضاء خارج مدار الأرض على إرسال عدة بعثات روبوتية إلى القمر، بالإضافة إلى مركبةٍ مدارية حملتها بعثةٌ روسية فاشلة إلى القمر المريخي "فوبوس" Phobos عام 2011.

ويقول لوجسدون إنَّ هناك خطرين رئيسيين يواجهان بعثة "تيانوين-1"، التي يبلغ وزنها 5 أطنان. أولهما أنَّ صاروخ "لونج مارش 5" Long March-5، الذي يُعد أقوى صواريخ الصين لنقل الحمولات الثقيلة، لم يُطلَق سوى ثلاث مراتٍ فقط، من ضمنها عملية إطلاقٍ فشلت فشلًا ذريعًا عام 2017، عندما بدأ الصاروخ في التعطُّل بعد فترةٍ وجيزة من إقلاعه. وقد استغرق العلماء أكثر من عامين لإصلاح مشكلة محرك المرحلة الرئيسية في الصاروخ، وتنفيذ رحلةٍ ناجحة في أواخر عام 2019. ومع ذلك، فإنَّ سجله يثير قلق المراقبين.

أما الخطر الثاني فيتمثل في أنَّ مركبة الإنزال التابعة للبعثة عليها أن تجتاز الغلاف الجوي للمريخ الحافل بالتحديات؛ فهو كثيفٌ بما يكفي لتسخين المسبار أكثر من اللازم، لكنَّه في الوقت نفسه أَرَقُّ من أن يُبطئه إلى السرعة المطلوبة. وتعتمد التقنية المُستخدَمة في دخول المركبة الفضائية إلى الغلاف الجوي وهبوطها حتى سطح الكوكب على درع حراري، ومظلة هبوط، ومحرك دفع عكسي لإبطاء سرعتها في أثناء هبوطها، وهي تجهيزات شبيهة بتلك التي استخدمتها البعثات الأمريكية السابقة. لكن عندما تصل المركبة إلى ارتفاع 100 متر فقط فوق سطح الكوكب، فإنَّها ستتوقف لفترةٍ وجيزة، وتلتقط صورًا للمنطقة، وتحسب بسرعة أفضل بقعة للهبوط، ثم تتحرك أفقيًّا لتتمركز فوق تلك البقعة، وتهبط بعناية على الأرجل الأربع لمركبة الإنزال.

وقد اختبرت الصين في نوفمبر 2019 بمقاطعة هيباي هذه المرحلة من إجراءات الهبوط، التي سبق أن استخدمتها بنجاح في عمليات الهبوط على القمر. ودُعِيَ مسؤولون أجانب لمشاهدة التجربة في الموقع. بيد أنَّ هذه التجربة كانت آخر حدثٍ عامٍّ رئيسي يُنظَّم لبعثة "تيانوين-1". فمنذ ذلك الحين، أبقت إدارة الفضاء الوطنية الصينية (CNSA) شؤون البعثة بعيدًا عن الأنظار، كما رفض علماء البعثة تقريبًا جميع الطلبات التي تصلهم لإجراء المقابلات أو تجاهلوها.

الفرص العلمية

إذا تمكنت مركبة "تيانوين-1" من الهبوط بنجاح، فإنَّ أبحاثها قد تسلط الضوء على جوانب جديدة من المريخ. فعلى سبيل المثال، زُوِّدَت كلتا المركبتين، المدارية والجوَّالة، برادارٍ مُختَرِق للأرض، لرسم الطبقات الجيولوجية الموجودة تحت السطح. وباستطاعة رادار المركبة المدارية أن "يرى" حتى عمقٍ يصل إلى بضعة آلاف من الأمتار، في حين يتسم رادار المركبة الجوَّالة بمدى رؤية أقل عمقًا، لكنَّه يتمتع بدقة تصوير شديدة الوضوح تصل إلى مستوى السنتيمتر. وعن تلك الرادارات يقول فوديك كوفمان، من معهد علوم الكواكب والفيزياء الفلكية في مدينة جرونوبل بفرنسا: إنَّ "هدف الصين الرئيسي من استخدامها هو استكشاف طبقة الجليد المائي" التي تقع تحت سطح الكوكب.

وإضافةً إلى ذلك، تثير قدرة "تيانوين-1" على دراسة المجال المغناطيسي للمريخ حماس جيم بيل، وهو الباحث الرئيسي المُشرف على الكاميرا الأساسية في مركبة "بيرسيفيرانس" Perseverance الجوَّالة التابعة لوكالة ناسا، والذي يعمل بجامعة ولاية أريزونا الأمريكية. يقول بيل إنَّ إحدى الفرضيات السائدة أنَّ الكوكب الأحمر كان له مجال مغناطيسي عالمي مثل مجال الأرض، إلا أنَّه فقد هذا الدرع تدريجيًّا عندما برد لُبُّه الحديدي المنصهر الأصغر حجمًا، مما جعل الكوكب عرضةً للرياح الشمسية والإشعاع، ورقَّق غلافه الجوي، وقضى على أي مياهٍ ربما كانت تجري على سطحه. ومنذ عام 2014، رصدت بعثة الغلاف الجوي والتطور المتقلب للمريخ (مايفن) MAVEN التابعة لوكالة ناسا أدلةً وافرة تدعم هذا السيناريو، إلا أنَّ العلماء يتوقون إلى الحصول على صورةٍ أكثر اكتمالًا عن الوضع. وعن ذلك يقول بيل: "ستكون بعثة "تيانوين-1" مفيدةً للغاية في توفير مزيدٍ من الأدلة من مدارٍ مختلف ومن السطح"، معربًا عن أمله في أن يشارك الفريق الصيني البيانات التي سيتوصل إليها مع المجتمع الدولي، من أجل كشف الصورة الكاملة لتطور المريخ من الناحية البيئية.

ستسعى البعثة أيضًا إلى الهبوط في الجزء الجنوبي من منطقة "يوتوبيا بلانيشا" Utopia Planitia، وهي منطقة منبسطة إلى حدٍّ كبير، تقع بين خطَّي 25 و30 درجة شمال خط الاستواء المريخي. وقد ظل الجيولوجيون مدةً طويلة يعتقدون أنَّ هذه المنطقة مغطاة بتدفقاتٍ طينية قديمة، توحي بأنَّه كانت هناك إمداداتٌ من المياه في الماضي. وعن ذلك يقول ألفريد ماكيوين، عالِم جيولوجيا الكواكب بجامعة أريزونا: "إنَّه مكان مثير للاهتمام لدراسة صلاحية السكن تحت سطح الكوكب في الماضي".

الأولى ضمن سلسلةٍ من البعثات

يشير ماكيوين إلى أنَّ فرصة المركبة الجوَّالة في العثور على مياهٍ تحت سطح المريخ قد تكون محدودةً بموقعها من حيث خطوط العرض. فنظرًا إلى أنَّها تستمد طاقتها من الألواح الشمسية، لا بد أن تبقى بالقرب من خط الاستواء، بينما يعتقد معظم الباحثين أنَّ الجليد المائي تحت سطح الكوكب حاليًّا يوجد بالأساس عند خطوط العرض العُليا الأكثر برودة.

وأوضح رونج شو -من معهد شانجهاي للفيزياء التقنية بالأكاديمية الصينية للعلوم- أنَّ اعتماد "تيانوين-1" على الشمس اضطر فريق البعثة إلى تصميم أجهزةٍ متينة. وأضاف قائلًا: "بما أنَّ مركبتنا الجوَّالة لا تستمد طاقتها من النظائر المشعة، فإنَّ جميع الأجهزة لا بد لها من أن تتحمل درجات حرارة منخفضة تصل إلى -90 درجة مئوية في أثناء التوقف عن العمل، وأن تعمل في ظل درجات حرارة يتراوح نطاقها بين -40 و-30 درجة مئوية".

وتتضمن حمولة المركبة الجوَّالة جهاز كاشف مكونات سطح المريخ (MarSCoDe)، الذي قاد شو عملية تصميمه. وعلى غرار جهاز "كيم كام" ChemCam الموجود على متن المركبة الجوَّالة "كيوريوسيتي" Curiosity التابعة لوكالة ناسا، يُمكن لهذا الكاشف إطلاق نبضات ليزر قصيرة لتبخير أسطح الصخور من على بُعد بضعة أمتار، ثم "يشم" الغاز المتأين الناتج عن هذه الانفجارات الصغيرة، ويحدِّد أنواع العناصر الكيميائية الموجودة في الصخور وكمياتها.

من المتوقع أن تصل بعثة "تيانوين-1" إلى المريخ في فبراير 2021. وستقضي المركبة حوالي شهرين في مدارٍ مؤقت، في انتظار التوقيت وظروف السطح المُثلى للهبوط. وستحافظ على الاتصالات بين الأرض والمسبار شبكةُ التلسكوبات الراديوية الصينية الآخذة في التوسُّع، والتي تتألف من محطاتٍ للرصد والاستقبال.

ويُجهِّز العلماء الصينيون بالفعل لإطلاق مزيدٍ من البعثات ضمن سلسلة "تيانوين"، تتضمن رحلاتٍ لإعادة عيناتٍ صخرية من المريخ وأحد الكويكبات إلى الأرض، ومهمةً تُحلِّق فيها مركبةٌ مرورًا بكوكب المشتري، وأخرى لاستكشاف حدود الغلاف الشمسي الواسع. لكن إذا وصلت بعثة "تيانوين-1" إلى المريخ كما هو مُخطَّط "فستُدخل الصين مجال استكشاف الفضاء من بابٍ واسع"، كما يرى لوجسدون.