على مدى السنوات الماضية، تزايدت وتيرة ذوبان الأنهار والمسيلات الجليدية في جبال الألب الأوروبية بسبب تزايُد تأثيرات ظاهرة الاحتباس الحراري، وتحولت قمم الجبال من لونها الأبيض المعتاد إلى الأخضر غير المسبوق، كما ظهرت تغيُّرات مماثلة في بيئة القطب الشمالي.

ووفق دراسة نشرتها دورية "ساينس" (Science)، أمس "الخميس"، 2 يونيو، فإن فريقًا بحثيًّا من جامعتي "لوزان" و"بازل" السويسريتين -بالإضافة إلى باحثين من هولندا وفنلندا- استخدم البيانات الملتقطة بواسطة الأقمار الصناعية لرصد التغيرات في حالة الغطاء النباتي في المنطقة، وأظهرت النتائج زيادةً تقدر بحوالي 80٪ من النباتات العشبية في جبال الألب.

حقق الباحثون في التغيُّر الحادث في الغطاء الثلجي والغطاء النباتي باستخدام بيانات الأقمار الصناعية عالية الدقة، في الفترة من عام 1984 وحتى عام 2021، وخلال هذه الفترة، زادت الكتلة الحيوية للنبات فوق "خط الشجر"، وهو أعلى ارتفاع يمكن أن تنمو فيه الأشجار، في أكثر من 77٪ من مساحة المنطقة المرصودة؛ إذ تمكنت النباتات من اكتساب مناطق جديدة للنمو، كما اتسم الغطاء النباتي بشكل عام بأنه أصبح أكثر كثافةً وطولًا.

يقول أنطوان جويزان، أستاذ البيئة المكانية في جامعة لوزان في سويسرا، والمؤلف المشارك في الدراسة: "إن فريق البحث استخدم سلسلة بيانات رصدتها الأقمار الصناعية على مدار أربعة عقود لإظهار أن الغطاء النباتي فوق خط الأشجار زاد في أكثر من 77٪ من جبال الألب"، مضيفًا: "تمكنَّا من ذلك بدقة عالية جدًّا"، "وفي حين أن الاستجابة السنوية للغطاء الثلجي كانت أقل، إلا أنها لا تزال مهددةً بانخفاض آخر تبلغ نسبته 10٪ تقريبًا في المنطقة التي فُحصت، ويمكن أن يتسارع الذوبان في المستقبل، ما يجعلنا حريصين على تسليط الضوء على هذا الأمر المثير للقلق".

ويُرجع المؤلفون زيادة الكتلة الحيوية للنباتات إلى التغيُّرات في هطول الأمطار وفترات الغطاء النباتي الأطول؛ نتيجة ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة عن المعتاد.

ويوضح "جويزان" في تصريحات لـ"للعلم" أن النتائج التي توصل إليها الفريق البحثي مهمة؛ لأنها الأولى من نوعها التي تدرس بشكل مشترك ظاهرتي تراجُع الجليد ونمو الغطاء النباتي كاستجابة مباشرة لتأثيرات تغيُّر المناخ، ولإظهار هذه الاتجاهات بوضوح وعلى نطاق واسع عبر جبال الألب الأوروبية بأكملها.

يقول "جويزان": في الدراسات السابقة، ركز الباحثون على تأثيرات تغيُّر المناخ على التنوع الأحيائي في جبال الألب والتغيرات في توزيع الأنواع النباتية، لكن دراسة التغيرات في إنتاجية الغطاء النباتي في المنطقة لم تكن محل اهتمام الباحثين، وهو ما يميز نتائج الدراسة الجديدة التي لم تُغفل أيضًا التحذير من أن التنوع البيولوجي الفريد لجبال الألب يقع تحت ضغط كبير.

ويضيف: لقد استخدمنا تحليلات الاتجاه الزمني في الفترة من 1984 وحتى عام 2021 بدقة مكانية بلغت 30 م × 30 م من كامل المنطقة التي فحصت، وهي جميع مناطق جبال الألب فوق خط الأشجار (أعلى من حوالي 1700 م)، واعتبرنا أن القيم ذات الدلالة الإحصائية البارزة هي التي يمكن أن نصفها بأنها "تغير"، واستبعد الباحثون المناطق التي يقل ارتفاعها عن 1700 متر، والأنهار الجليدية والغابات. 

يحذر الباحثون من أنه مع استمرار ظاهرة الاحتباس الحراري، ستتحول جبال الألب أكثر فأكثر من اللون الأبيض إلى الأخضر؛ إذ يؤدي تضاؤل الضوء المنعكس للشمس من المنطقة مع تزايُد الغطاء النباتي إلى مزيد من الاحترار، وبالتالي إلى مزيد من الانكماش في الغطاء الثلجي وذوبان الأنهار الجليدية، مما قد يسبب مزيدًا من الانهيارات الأرضية وتساقط الصخور والتدفقات الطينية.