في جميع أرجاء كوكبنا الأرضي، تواجه الطيور الساحلية مأزقًا حقيقيًا، ففي السنوات الخمسين الماضية، تُشير التقديرات إلى تراجع أعداد مجموعاتها الموثقة توثيقًا جيدًا في أمريكا الشمالية بنسبة لا تقل عن 70% في المتوسط، وليست الطيور الساحلية في باقي أنحاء العالم أفضل حالًا، ما لم تكن أسوأ.

وتقف وراء ذلك أسباب كثيرة؛ فالشواطئ والسهول الطينية حيث تتغذى هذه الطيور ملوثة أو معرّضة للتلاشي، وكثير من الطيور الساحلية المهاجرة تناضل من أجل العثور على الطعام ومواقع للراحة في مناطق اعتادت عليها، علاوة على ذلك، بعض هذه الطيور مستهدف من جانب الصيادين.

وحتى يتأتّى لنوع ما البقاء على قيد الحياة في مواجهة تلك المخاطر، تحتاج أعداد ضخمة من الطيور الوليدة التي تتمتع بصحة جيدة إلى الانضمام إلى هذه المجموعة كل عام، وكثيرًا ما اعتقد علماء الأحياء أن هذا أحد الأسباب التي تدفع العديد من الطيور إلى الهجرة شمالًا بهدف التكاثر، فلا بدّ أن مناخ القطب الشمالي الصعب يحميها من خطر مفترسات الأعشاش بنفس قدر الحماية التي تحصل عليها في المناطق المدارية.

ومع ذلك، عندما شرع فريق من الباحثين الأوروبيين في عام 2015 في إجراء دراسة موسَّعة لاختبار هذه الفكرة على النحو الملائم، هالتهم المفاجأة. يقول تاماس سيكيلي، عالم الطيور بجامعة باث في إنجلترا: "عندما أجرى فويتيتش كيوبيلكا، طالب الدكتوراه الذي اقترح هذه الدراسة، تحليلًا لمجموعة محدودة من البيانات لأول مرة، دُهشنا عندما اكتشفنا أنه ربما يكون قد حدث العكس خلال السنوات الأخيرة، ففي العقدين الأخيرين، كانت طيور القطب الشمالي أسوأ حالًا على ما يبدو".

2012فراخ ذهبية لزقزاق ذهبي أمريكي (Pluvialis dominica) تضاهي البيئة المحيطة لتجنب جذب أنظار المفترسات. Credit: Vojtěch Kubelka

وأعقب ذلك بحثٌ مكثف عن مزيد من البيانات، وهو ما أدى إلى إجراء تحليل كبير تضمّن بيانات عن 38191 عشًا لدى 237 مجموعة من الطيور الساحلية في أنحاء العالم، رصدها علماء الطيور في أثناء مواسم التكاثر عن طريق البحث عن علامات دالة على الافتراس مثل قشر البيض المكسور.

تتسم نتائج الدراسة، التي نشرت في الأسبوع الأول من شهر نوفمبر في مجلة "ساينس" Science، بالوضوح التام، ففي سبعينيات وثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي، كانت أعشاش الطيور الساحلية المدارية تواجه في واقع الأمر أكبر موجة افتراس، لكن منذ ذلك الحين، بينما كانت الأعشاش حول العالم تفقد مزيدًا من البيض لحساب المفترسات، تضرّرت طيور القطب الشمالي على وجه الخصوص تضررًا كبيرًا.

وفي الوقت الذي شهدت فيه المناطق المدارية زيادة غير مؤثرة إحصائيًا، كانت أعداد البيض المفقود في القطب الشمالي مذهلة، فمنذ بضعة عقود خلت في القطب الشمالي، لم يكن يتعرّض للفقد سوى بيضة واحدة من كل ثلاث بيضات لحساب المفترسات، أما اليوم، فتُلتهم بيضتان من كل ثلاث بيضات.

يعتقد الباحثون أن تغير المناخ سبب رئيسي وراء ذلك. يقول سيكيلي: "يُظهر تحليلُنا أنه كلما ارتفع متوسط درجة الحرارة السنوية بمعدل أسرع، ارتفع معدل افتراس البيض".

ولا تزال التفسيرات الممكنة لذلك غير واضحة. يقول سيكيلي: "ربما يكمن السبب في زيادة عدد المفترسات حاليًا، أو في تراجع أعداد الفرائس الأخرى كالقوارض مثلًا". ويتفق مع هذا التفسير رولف إيمز، عالم البيئة بجامعة القطب الشمالي في النرويج الذي يشارك في أحد برامج مراقبة السلسلة الغذائية في القطب الشمالي النرويجي.

يقول إيمز الذي لم يشارك في الدراسة الجديدة: "في فصول الشتاء الأكثر دفئًا، غالبًا ما يزداد معدل سقوط الأمطار، مما قد يؤدي إلى تكوُّن طبقة جليدية فوق الثلوج تحول دون عثور القوارض على الطعام، وعندما تختفي القوارض، قد تتجه المفترسات إلى التهام البيض".

ويشير إيمز إلى أنه من المعلوم أن بعض المفترسات، مثل الثعالب الحمراء والغربان المقنعة، تنتقل إلى الشمال، ويُبين أنه من الممكن أيضًا ربط هذا بتغيّر المناخ، لا سيّما مع زيادة نمو النباتات في ظل ارتفاع درجة الحرارة. يقول إيمز: "تأكل الثعالب والغربان التوت وتتغذّى كذلك على اللافقاريات آكلة النباتات، لذلك فإنها قد تستفيد من توافر مزيد من الكتلة الحيوية النباتية، ويمكنها أيضًا أن تقتات على القوارض وقطعان الرنة التي تهلك عندما تتجمد الثلوج".

 وبمجرد أن تستقر هذه المفترسات، يُستبَعد أن تنصرف عن أعشاش الطيور الساحلية التي تحتوي على بيض مغذٍ. ويعتقد إيمز أن الأنماط التي تكشف عنها الدراسة مقنعة، ويلفت إلى ضرورة إجراء مزيد من الأبحاث بخصوص الافتراس. يقول سيكيلي: "آمل أن تُلهِم هذه الدراسة آخرين لبدء البحث في هذا الأمر الآن؛ فعواقب النمط الذي كشفت عنه دراستنا يمكن أن تكون مدمرة".

ويرى أن هذا النمط قد يجعل الهجرة ذاتها أقل جاذبية بكثير. ويضيف: "أحد أسباب تكاثر الطيور في القطب الشمالي هو وجود كمّ وفير من الحشرات في فصل الصيف، لكنني أعتقد بوجود سبب آخر هو أن أعشاشها عادةً ما كانت أكثر أمانًا هناك، وإذا لم تعد الحال كذلك، فإن الهجرة قد تصبح بالنسبة إليها مجرد إهدار لطاقتها".

من جانبه، يقول بول ألن سميث، عالم البيئة المتخصص في الحفاظ على القطب الشمالي في إدارة "البيئة والتغير المناخي"، وهي إحدى الإدارات الحكومية في كندا، إن أعداد الطيور التي تهاجر مسافات طويلة في تناقص. ويضيف: "يشير هذا إلى أن فوائد الهجرة لمسافات طويلة لم تعد كما كانت".

وأفاد بحث سابق شارك سميث في كتابته، ونشرته مجلة "ساينس" بخصوص افتراس الأعشاش في القطب الشمالي الكندي، في الفترة بين عامي 2004 و2008 بوجود نمط معاكس، بمعنى أن افتراس الأعشاش الاصطناعية قد تراجع هناك مع انتقال الباحثين إلى الشمال، ومع ذلك، تصعب مقارنة بيانات سميث وزملائه الإقليمية عن الأعشاش الاصطناعية بالبيانات الواردة في الدراسة الجديدة، لأن سيكيلي وفريقه استخدموا البيانات المتاحة على مستوى العالم بشأن افتراس الأعشاش الحقيقية.

على أي حال، يوافق سميث على أن انخفاض معدلات بقاء الأعشاش وتراجعها على مستوى العالم، وفق ما كشفت عنه الدراسة، يمثلان سببًا يدعو إلى القلق.

يقول سيكيلي: "ما كان صادمًا لي حقًا هو أن بقاء الطيور الساحلية لم يعد عرضة للخطر في المناطق الآهلة بالسكان فحسب، وإنما في المناطق النائية للغاية أيضًا بسبب المناخ، بما يشمل بعض الأماكن الأقل كثافة من حيث عدد السكان على وجه الأرض".

ويعتقد سيكيلي أنه في بعض الأحيان، قد يكون من الضروري عزل مناطق التكاثر، أو حتى إعدام المفترسات البرية، وهو ما تقوم به فعليًا وكالة البيئة النرويجية مع الثعالب الحمراء في بعض المناطق. والأهم من ذلك، كما يؤكد سيكيلي، أنه يجب على البشر أن يضاعفوا جهودهم في سبيل منع التغير المناخي، وأن يتصدّوا للمخاطر الأخرى، مثل الصيد وفقدان مواقع الراحة، وهو أمر قد يكون أكثر قابلية للتنفيذ.

ويرى سيكيلي، أننا قد نحتاج إلى إعادة النظر بشأن تربية حيوانات أليفة من المفترسات في منازلنا إذا كنا نعيش بالقرب من منطقة تتكاثر فيها الطيور الساحلية. يقول سيكيلي: "أحب القطط، لكنها عندما تخرج في الليل، تعيث فسادًا".