في صباح ممطر من شهر أبريل، استيقظ كورتيس روجرز وبدأ في تصفُّح رسائل البريد الإلكتروني على هاتفه، إلا أنه توقَّف عند رسالة أرسلها إليه أحد مستخدمي موقعه المجاني على شبكة الإنترنت «جِد ماتش» GEDmatch المخصص للبحث عن الأسلاف. أصابته الرسالة بالذهول؛ فقد جاء فيها أن مسؤولي إنفاذ القانون استعانوا بموقعه للمساعدة في العثور على ’’سفاح الولاية الذهبية‘‘.

على الفور أخبر روجرز زوجته بشأن الرسالة، ثم شرع يدقق في سيل الرسائل الإلكترونية التي توالت بعدها مباشرة. يقول روجرز: ’’كنت قد شاهدت -قبل هذا بيوم- تقاريرَ إخبارية تتحدث عن أن هذا الرجل أُلقي القبض عليه بالاستعانة بالحمض النووي المرتبط بعلم الأنساب، وعندها قلت لنفسي: ’ترى، هل كان لنا دور في ذلك؟‘، إلا أنني نسيت الأمر بعدها حتى جاء الوقت الذي ظهرت فيه تلك الرسالة‘‘. عندما وصل الرجل -الذي يبلغ عمره تسعة وسبعين عامًا- إلى مكتبه في مدينة ليك وورث بولاية فلوريدا، كانت عربات قنوات الأخبار تخنق الشارع المحيط بالمكتب. وسمعت امرأة في مكتب قريب، غير ذي صلة، طرقًا على بابها من شخص كان يبحث عن روجرز ويقول: ’’ثمة أخبار بشأن قاتل متسلسل‘‘.

ردت المرأة قائلة، وقد ظنت على ما يبدو للحظة أن روجرز كان أحد المشتبه بهم المحتملين: ’’يا إلهي! لقد كنت في مكتبه‘‘.

يقول روجرز: ’’يالجارتي المسكينة!‘‘.

منذ ذلك اليوم، استخدم مسؤولو إنفاذ القانون -الذين يعملون مع خبراء مستقلين في علم الأنساب- هذا الموقع الإلكتروني المجاني في ست قضايا جنائية على الأقل، وذلك وفقًا للتتبُّعات التي أجراها روجرز. ومؤخرًا، ذكرت صحيفة «ذا نيويورك تايمز» The New York Times أنه تم إلقاء القبض على أشخاص مرتبطين بقضايا بقيت مجمدةً وقتًا طويلًا في ولايتي واشنطن وبنسيلفانيا، وذلك بعد أن لجأت السلطات من جديد لموقع «جِد ماتش» للحصول على المساعدة. يضم هذا المستودع الإلكتروني الخاص بسمات الحمض النووي بيانات وراثية مستمدة من نحو مليون مستخدم رفعوا –طوعًا- هذه المعلومات شديدة الخصوصية إلى الموقع أملًا في التعرُّف على أقارب محتملين يستخدمون الموقع نفسه. وقد أعادت قدرة مسؤولي إنفاذ القانون على رفع سمات وراثية إلى الموقع والبحث عن أية تطابقات -بتكلفة ضئيلة، وعادةً من دون إذن قضائي- إحياء الأمل في حل الكثير من القضايا المجمدة التي تستعصي على الحل. غير أن ذلك يعني أن مستخدمي الموقع قد يجدون أنفسهم الآن في وضع يقومون فيه -من دون قصد- بتسليم معلومات تتعلق بالتحقيقات الجنائية. بالنسبة لروجرز، كان هذا الأمر دافعًا له لمراجعة الذات بشأن الطريقة التي يُستخدَم بها موقعه. أما بالنسبة للباحثين في الموضوعات المتعلقة بالخصوصية والباحثين في علم الوراثة، فقد أثار الأمر مخاوفَ عما إذا كانت البيانات المتعلقة بالجينومات الخاصة بنا يمكن حقًّا الإبقاء عليها آمنةً أو مجهولة الهوية.

في عام 2010، أسس روجرز وشريكه جون أولسون موقع «جِد ماتش» بوصفه مستودعًا مجانيًّا يستطيع الناس رفع بيانات أولية إليه حول أسلافهم وحالاتهم الصحية، وهي بيانات يحصلون عليها من شركات تقدم خدمات الاختبارات الوراثية، مثل شركة «توينتي ثري آند مي» 23andMe. وعلى الرغم من أن الموقع سُمِّيَ على اسم صيغة ملف حاسوبي للأنساب تابع لكنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الخوالي، واسم الصيغة هو «جِد كوم» GEDCOM وهي صيغة تمثل اختصارًا للعبارة الإنجليزية التي تعني ’’إبلاغ بيانات الأنساب‘‘، إلا أن الموقع لا يتبع توجهًا دينيًّا بعينه، كما أن روجرز ليس مورمونيًّا. (يُعَدُّ تاريخ الأنساب أمرًا مهمًّا بالنسبة لكثير من المورمون؛ إذ يعتقدون أنه يتعيَّن عليهم تحديد أسلافهم لكي تجتمع العائلات معًا في الحياة الآخرة). يقول روجرز، وهو رجل أعمال دولي، إن المشروع في الأصل نشأ ببساطة عن رغبته الخاصة في العثور على الأشخاص الذين يحملون نفس اسم عائلته. وبعدها عَمِل هو وأولسون -الذي يتولى مسؤولية الجوانب التقنية للموقع- على تطوير المشروع بحيث يقدم خدمات خوارزمية ممتازة (مجانية أو في مقابل 10 دولارات شهريًّا) توفِّر بحثًا دقيقًا في البيانات الوراثية المرفوعة على الموقع لتحديد الأقارب. اكتسب الموقع شهرةً خاصةً بين الأفراد الذين سبق أن تَبَنَّتهُم عائلات أخرى ويبحثون عن أقارب لهم من عائلاتهم الأصلية.

وفي ضوء فورة النشاط الأخيرة من جانب مسؤولي إنفاذ القانون على موقعه، يسعى روجرز –الذي يتولى مسؤولية الجوانب التجارية الخاصة بالموقع- للوصول إلى كيفية الاستجابة لهذا الاستخدام الذي لم يكن شيئًا مُخططًا له. بدايةً حاول هو وأولسون رفع وعي المستخدمين تجاه مثل هذه الأنشطة التي تحدث. في بادىء الأمر كانت سياسة الموقع تَذكُر بشكل عابر أن البيانات قد تُستَخدم في أغراض متنوعة، ولكنها الآن تَذكُر بوضوح، أعلى صفحة تسجيل الدخول، أن جميع المعلومات قد تُستخدَم بواسطة سلطات إنفاذ القانون. وكذلك أرسل روجرز رسائل بالبريد الإلكتروني إلى جميع المستخدمين الذين لم يزوروا الموقع منذ مدة ليبلغهم بهذا الاحتمال على نحوٍ تفصيلي. يقول روجرز: ’’أزال بعض الأشخاص بياناتهم. لا بأس بهذا‘‘. إلا أن القليل من المستخدمين الآخرين راسلوه ليقولوا له بوضوح إنهم يرغبون أن تُستخدم سمات الحمض النووي الخاصة بهم في المساعدة على حل القضايا الجنائية. وكتبت امرأة تقول إن والدها كان قاتلًا متسلسلًا، وإنها كانت تأمل في أن تسهم بياناتها الوراثية في إراحة قلوب أقارب الضحايا. يقول روجرز: ’’هذه الرسالة أبكتني‘‘. وبأخذ كل شيء في الاعتبار على مدار الشهور القليلة الماضية (يقول روجرز): ’’توصلت إلى تقبُّل حقيقة أنه طالما أن المستخدمين يعلمون ذلك، وأنهم يفهمون ماهية ما يمكن أن تُستخدَم معلوماتهم فيه، فأنا أشعر بالراحة لهذا. ولا أظن أننا نملك أي خيار آخر‘‘.

ثمة صلات قرابة بعيدة تربط جميع البشر بعضهم ببعض، ولذا قد تكون هناك بعض التشابهات الوراثية على سبيل الصدفة. غير أنه مع وجود بيانات لأكثر من مليون شخص على موقع «جِد ماتش»، فإذا كان لأحد هؤلاء الأشخاص اثنان من أبناء العم من الدرجة الثانية على الموقع -واحد من كل فرع من فرعي العائلة- فإن ذلك يزيد من احتمالية العثور على صلة قرابة أقوى. ووفق جيم إيفانز، أستاذ الوراثيات في كلية الطب بجامعة نورث كارولينا، يُرجَّح أن يكون أحد أقارب الدرجة الأولى لشخصٍ ما –الأخ، أو أحد الوالدين، أو الابن- حاملًا لنصف طُرُز التنوعات الجينية نفسها (يُطلق عليها اصطلاحًا المتغيرات الجينية) على الجينوم. وسوف يكون هذا الشخص حاملًا لثُمن المتغيرات الجينية نفسها التي يحملها ابن عمه من الدرجة الأولى، وحاملًا لواحد على اثنين وثلاثين من المتغيرات نفسها التي يحملها ابن العم من الدرجة الثانية، وهكذا. هذا الأمر من شأنه أن يساعد علماء الأنساب على استنباط صلات القرابة بالتقدير الاستقرائي.

يُمكن لأي شخص على علم بهذه المسائل المعقدة ويعمل مع مسؤولي إنفاذ القانون أن يرفع بيانات أولية على موقع «جِد ماتش»، بعد أن يحصل عليها عبر إجراء تحليل لعينة وراثية من مسرح الجريمة. وفي الغالب سيتأكد المستخدم الذي يرفع تلك البيانات من أنها ستبدو كأي مُدخَلات أخرى حصل عليها مستخدم آخر من شركة تجارية متخصصة في مجال الوراثيات كشركة «توينتي ثري آند مي». وإذا عَثَر موقع «جِد ماتش» على بيانات متطابقة لقريب بعيد الصلة، فيُحتمل أن يستخدم المحققون هذه المعلومات باعتبارها نقطة انطلاق نحو تضييق دائرة البحث لتحديد هوية أحد المشتبه بهم، وربما يعثرون على أقارب محتملين آخرين باستخدام معلومات موجودة في السجلات الحكومية بعيدًا عن هذا الموقع الإلكتروني. وبعدها، إذا وصل مسؤولو إنفاذ القانون للاعتقاد بأنهم قد حددوا هوية المشتبه به -مثلًا عن طريق وضع جميع مصادرهم في سياقها للتوصل إلى أن تطابقًا قريبًا نسبيًّا على موقع «جِد ماتش» له خمسة من أبناء العم وأي واحد منهم قد يكون الشخص الذي يبحثون عنه، ولكن أربعة منهم يعيشون بعيدًا عن موقع الجريمة –فحينها سيصبح بإمكانهم قانونًا إجراء فحص دقيق للقمامة التي يتخلص منها هذا المشتبه به، دون الحصول على إذن قضائي، وذلك سعيًا وراء زجاجة مياه مُلقاة أو أي شيء آخر يحمل عينةً من الحمض النووي، للتأكد من أنهم قد توصلوا إلى الشخص الصحيح.

ومع ذلك، لا يُعَدُّ هذا النهج القول الفصل فيما يتعلق بالتحديد القطعي لهوية أحد المجرمين. يقول إيفانز، الذي يقوم أيضًا بإسداء النصح للقضاة بشأن محددات الاستعانة بعلم الوراثيات في التوصُّل إلى أدلة: ’’إن الحمض النووي لا يكذب، ولكن إذا استخدم الناس قدراته بلا إتقان، فإنه قد يؤدي إلى نتائج غير عادلة‘‘. ويشير إيفانز إلى أن الممارسات الرديئة ضمن تسلسل تحريز الأدلة بالنسبة لإحدى العينات التي يقوم مسؤولو إنفاذ القانون بجمعها قد تتسبب في مشكلات. وكذلك يسري هذا الأمر على حقيقة أن عقب السيجارة الذي يُعثر عليه في مسرح الجريمة يمكن -على سبيل المثال- أن يكون قد ألقاه هناك شخص بريء قبل وقوع الجريمة أو بعده. يقول إيفانز إن توجيه الاتهام القاطع إلى أحد المشتبه بهم ينطوي على ما هو أكثر من مجرد تحديد الحمض النووي لشخصٍ ما من مسرح الجريمة. يشعر إيفانز بالتردد حيال استخدام موقع «جِد ماتش» في التحقيق بشأن الجرائم، ويقول: ’’أعتقد أن مفهوم الخصوصية يغدو بصورة متزايدة أمرًا منسيًّا، بيد أنني أعتقد أيضًا أن بعض الأشياء الجيدة جدًّا قد تخرج عن قواعد البيانات الكبيرة تلك، كالقبض على هؤلاء المجرمين المريعين، على سبيل المثال‘‘. ويشير إيفانز إلى أن كل ما يمكن فعله في هذه المرحلة هو تحسين وعي الجمهور بشأن قدرة علم الوراثيات، وبشأن الأشياء التي يمكن أن تُستَخدَم فيها بيانات الناس.

إن هذا الأفق الجديد في أعمال التحقيق الجنائي قد يغير أيضًا من طبيعة المشهد العام لعلم الوراثيات المتعلق بالأنساب، وكذلك لا يزال هناك متسع في الأمر للمزيد من التطور؛ فحتى الآن ما من منافسين حقيقيين لموقع «جِد ماتش»، كما أن روجرز لم يبذل سوى القليل من الجهد للترويج للخدمة التي يقدمها الموقع. يقول روجرز إن الموقع يحقق أرباحًا ضئيلة جدًّا لأن المصدر الوحيد لعائداته هو الاشتراكات الشهرية التي يتم تحصيلها نظير أكثر الخدمات تطورًا؛ فالموقع لا يبيع بيانات أي أحد، ولا يوفر مساحات للإعلانات. ويشير روجرز إلى أن القليل فقط من الناس لديهم خبرة حقيقية بأبحاث علم الأنساب التي تستخدم الحمض النووي. أحد هؤلاء هو سيسي مور، المتخصص في علم الأنساب المرتبط بالوراثيات، وهو يعمل حاليًّا في شركة استشارات الأدلة الجنائية «بارابون» Parabon، وقد شارك مور في ثلاثٍ من أحدث القضايا الجنائية التي فيها جرت الاستعانة ببيانات موقع «جِد ماتش». ويتوقع روجرز أنه مع انطلاق هذا المجال سيكون من المرجَّح أن تشرع الجهات القائمة بإنفاذ القانون في توفير خبراء يعملون معها. ويتابع روجرز قائلًا: ’’ليس لديَّ أدنى شك في أن مكتب التحقيقات الفيدرالي سيشرع قريبًا في تدريب موظفيه على استخدام بياناتنا. لا أظن أن هذا سيحدث بعد وقت طويل‘‘.