تخيَّل مجموعةً من الناس في مناطق مختلفة من العالم يتفاعلون معًا بسلاسة، كما لو كانوا حاضرين بأجسادهم في مكانٍ واحد، حتى إنَّهم يمكنهم الشعور بلمسات بعضهم بعضًا. المقومات التي ستجعل مثل هذا «الحضور الجماعي عن بعد» أمرًا ممكنًا قد تغير الطرق التي نعمل ونلعب بها معًا، وتجعل أماكن وجودنا الفعلية غير ذات أهمية.

ومثلما أتاحت تطبيقات مكالمات الفيديو مثل «سكايب» Skype و«فيس تايم» FaceTime للمستهلكين على نطاقٍ واسع خدماتٍ كانت في الماضي مخصصةً لمجال الأعمال، ومثلما غيرت الألعاب الكبرى متعددة اللاعبين على الإنترنت كيفية تفاعُل الناس على الشبكة تغييرًا جذريًّا، يمكن لتقنيات «الحضور الجماعي عن بُعد» أن تغير الكيفية التي يتعاون بها الناس افتراضيًّا في مجال الأعمال وغيره من المجالات. فمقدمو الخدمات الطبية -على سبيل المثال- سيتمكنون من العمل عن بُعد مع المرضى كما لو كانوا معًا في الغرفة نفسها. وسيُمكن للأصدقاء والأسر الاستمتاع بتجارب مشتركة، مثل الوجود معًا في غرفةٍ مريحة أو التجول في مدينةٍ جديدة، رغم عدم وجودهم في المكان نفسه فعليًّا.

صار هذا الأمر قابلًا للتحقيق بفضل التقدم المُحرَز في عدة مجالات. فقد بدأت تقنيات الواقع المعزز (AR) والواقع الافتراضي (VR) تصبح جاهزةً بالفعل وميسورة التكلفة بما يكفي لاستخدامها على نطاقٍ واسع. وتطرح شركات الاتصالات حاليًّا شبكات الجيل الخامس ذات السرعة الكافية للتعامل دون تأخير مع كمياتٍ هائلة من البيانات، توفرها مصفوفات المجسات المتطورة. ويعمل المبتكرون على تطوير تقنياتٍ تُمكِّن الناس من التفاعل ماديًّا مع بيئاتٍ بعيدة، منها مجسات اللمس التي ستمكِّنهم من الشعور بما تلمسه تجسداتهم الروبوتية. هذا الاستغراق الحسي الكامل في التجارب، الذي يُتصور أن تحققه تقنيات «الحضور الجماعي عن بُعد»، يقتضي أن يقل التأخُّر في المزامنة بين أفعال الشخص وتجسُّده كثيرًا عن التأخر المقبول في مكالمات الفيديو -وستستنزف كثيرًا من موارد شبكات الجيل الخامس في بعض الأحيان- لكنَّ خوارزميات الذكاء الاصطناعي التنبُّئية قد تجعل المستخدمين لا يلاحظون تلك الفجوات الزمنية.

ورغم أنَّ تقنيات «الحضور الجماعي عن بُعد» ما زالت قيد التطوير إلى حدٍّ كبير، فإنَّ جميع مقوماتها أصبحت جاهزةً بالفعل لكي تبدأ في تغيير شكل حياتنا في غضون 3-5 سنوات. فعلى سبيل المثال، تستثمر شركة «مايكروسوفت»Microsoft  وشركاتٌ أخرى بالفعل في تقنياتٍ يُتوقع أن تقوم عليها صناعةٌ تبلغ قيمتها عدة مليارات من الدولارات بحلول عام 2025. وأطلقت مؤسسة «إكس برايز» XPRIZE مسابقة «إيه إن إيه أفاتار إكس برايز» ANA Avatar XPRIZE بقيمة 10 ملايين دولار أمريكي (برعاية شركة الخطوط الجوية «أول نيبون إير وايز» All Nippon Airways) لدعم انطلاق التقنيات التي "تنقل إحساس الإنسان، وتصرفاته، وحضوره آنيًّا إلى موقعٍ بعيدٍ، فتُنتج عالَمًا أكثر تواصلًا". وبالجمع بين مقومات تلك التقنيات، توقَّع أن ترى قريبًا تغييراتٍ جذريةً في الحياة اليومية وفي العمل، مثل تلك التي حققها استخدام الهواتف الذكية على نطاقٍ واسع.