خلال رحلتها الفضائية التي حلَّقت فيها بالقرب من كوكب بلوتو في عام 2015، رصدت مَركبة «نيو هورايزونز» New Horizons الفضائية التابعة لوكالة ناسا الأمريكية منطقة تومبو ريدجو التي تشغل مساحةً شاسعة من سطح الكوكب وتتخذ شكل قلب، وتُعدُّ من أبرز الخصائص الجيولوجية التي صُوِّرت للكوكب. ويُعتقد أن هذه المنطقة هي أبرز مَعْلَم جمالي يمتاز به هذا الكوكب القزم. وقد استرعى شِقُّها الغربي الإهليجي -متمثلًا في مُسطح «سبوتنيك بلانيتيا» Sputnik Planitia، الذي يمتدُّ إلى نحو 1995 كيلومترًا- انتباه علماء الكواكب؛ إذ يبدو بهيئة حوضٍ نَحَته تصادمٌ قديمٌ عملاق، وقد صار مُمتلئًا اليوم بكُتلٍ ضخمة حديثة النشأة من جليد النيتروجين المُضطرب بشدة.

ولم ترصد مركبة «نيو هورايزونز» الجانب الآخر من كوكب بُلوتو بمستوى الجودة نفسه، ولكنها تمكَّنت من استطلاع بُقعة على ذلك الجزء من الكوكب الذي يُواجه تمامًا مسطَّح «سبوتنيك بلانيتيا»، وقد بَدت تلك البُقعة أشبه ببانوراما جيولوجية مُختلطة من أخاديد وتلالٍ وفوَّهات. ونظرًا لعدم وجود آلية تشكيل واضحة، تكهَّن العلماء بشأن أصل تلك البقعة.

وتذهب دراسة بحثية جديدة إلى الاعتقاد بأن التصادم الذي نحت مُسطح «سبوتنيك بلانيتيا» هو السبب وراء وعورة تلك التضاريس. فاستنادًا إلى عمليات المحاكاة التي تستنسخ التصادم الهائل الذي ضرب كوكب بلوتو، وُجد أن هذا التصادم أحدَثَ موجاتٍ زلزاليةً قويَّة بشتى أنحاء الكوكب، وقد وصلت تلك الموجات إلى هذه المنطقة الواقعة على الجانب الآخر منه، فأحدثت اضطرابًا في الأرض هناك، ما أدى إلى ظهور تلك الخصائص الجيولوجية الغريبة التي رصدتها المركبة «نيو هورايزونز». والشيء المهم أنه لم يكن ليتسنَّى انتقال تلك الموجات الزلزالية القوية، ومن ثَمَّ تشكُّل الأبعاد المحدَّدة لهذه التضاريس الفوضوية، لو أنه لم يكن لدى كوكب بلوتو محيطٌ من الماء السائل تحت سطحه تبلغ سماكته نحو 149.6 كيلومترًا، وهي فكرة ظلت تراود العلماء لفترة من الوقت.

وقد طُرحت هذه الدراسة افتراضيًّا، الشهر الجاري، خلال مؤتمر علوم القمر والكواكب في نسخته الحادية والخمسين، والذي انعقد عبر الفيديو دون اجتماع المشاركين فيه كعادتهم بمدينة ذا وودلاندز، في ولاية تكساس الأمريكية، بسبب جائحة فيروس كورونا المُستجِد. ولا تزال تلك النمذجة في مراحلها الأولية، ولم تخضع بعدُ لمراجعة الأقران. ورغم ذلك، يقول جيمس تاتل كين، عالِم الكواكب في مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا، والذي لم يشارك في الدراسة: إن استخدام تصادمات وخصائص جيولوجية ربما تكون ذات صلة في مكان آخر بهدف الاستدلال على البنية الداخلية لكوكب بلوتو "فكرةٌ جديدةٌ ومُثيرةٌ حقًّا".

محيطٌ دفينٌ

يقول بول بيرن، عالِم جيولوجيا الكواكب في جامعة ولاية نورث كارولاينا، والذي لم يشارك أيضًا في الدراسة: إنه إذا تبيّنت صحّة هذا النهج الذي يعتمد على المحاكاة الزلزالية للكوكب، فقد لا تقتصر الأسرار التي ستُكتَشف عن العوالم البعيدة على خبايا بلوتو. إذ قد يتسع نطاق هذا التصور ليشمل سائر أنواع العوالم والأقمار الجليدية، بدءًا من أقمار الكواكب العملاقة بالمجموعة الشمسية وصولًا إلى تلك الأجسام المتجمدة الهائلة بحزام كايبر. وتقول جاني راديبو، عالِمة الكواكب في جامعة بريجام يونج، والتي لم تُشارك هي الأخرى في الدراسة: إنه وقبل جميع الاعتبارات الأخرى، تعدُّ هذه الدراسة تذكيرًا بالقيمة المذهلة لذلك اللقاء الذي جمع بين مركبة «نيو هورايزونز» وكوكب بلوتو. وتُضيف قائلة: "من المدهش حقًّا كيف أننا نتفحص كل تفاصيل ذلك اللقاء لتحقيق أقصى استفادة ممكنة منه".

وقد توصَّل العلماء إلى دليل مهم على وجود محيط تحت سطح كوكب بلوتو، وذلك في عام 2016؛ فبعدما سلَّط ذاك اللقاء بين مركبة «نيو هورايزونز» وذلك الكوكب القزم الضوء على «سبوتنيك بلانيتيا»، أدرك العلماء أن هذا الحوض التصادمي يقع في مكان غريب؛ إذ يتمركز عند خط الاستواء في هذا الكوكب، وفي محاذاة مدارية ثابتة مع أكبر أقمار بلوتو -ويُدعى «شارون» Charon- الذي لا يبرح موقعه النسبي على الجانب الآخر من الكوكب. وتُشير النماذج إلى أنه حينما تكوَّن هذا الحوض التصادمي، كان خط استواء الكوكب في مكانٍ آخر، ولكن بعد حدوث التصادم، بدأت مياه المحيط في جوف الكوكب تتدفّق في الهُوّة بينما تجمّع الجليد أعلاها. ومن أجل استيعاب هذا الوجود المفاجئ لتلك الهوَّة الثقيلة المشبَّعة بالمياه والملأى بالجليد، مال كوكب بلوتو ليصير عند محاذاته الحالية، مما صَنَع خط الاستواء الجديد.

ولكن هذه الفكرة لا تزال مجرّد فرضية، وهناك حاجة إلى المزيد من الأدلّة لتأكيد وجود هذا المحيط. ويستخدم العلماء الروبوتات على الأرض والقمر والمريخ لاستكشاف الموجات الزلزالية التي تنتقل عبر الجِرم السماوي -والتي تنعكس وتنحرف وتلتف، بناءً على ماهية المادّة التي تمرُّ عبرها- ثم يستخدمون تلك الموجات في رسم صورة لطبقات الجِرم الجوفية. ولكن هذا النهج ليس مُمكِنًا على كوكب بلوتو السحيق، إذ يفتقر إلى المستكشفين الروبوتيين، كما لا توجد أية خطط لبعثات مُستقبلية إليه.

وكما يُصادف أحيانًا، كان المَدد مُختئبًا بكوكب عطارد على بُعد مليارات الكيلومترات. فحوضه المعروف باسم «كالوريس»Caloris ، تلك الفوَّهة الصدمية الممتدَّة لمسافة 1528.8 كيلومترًا، يقع على الجانب المقابل تمامًا من الكوكب، أو القطب المقابل لفوضى جيولوجية من صخور محطَّمة وتضاريس تعتريها اضطرابات هائلة. تقول جاني راديبو: "لا يوجد ما يضاهي ذلك في أيِّ موضعٍ آخر بجسم الكوكب"، ولطالما اعتقد الباحثون أن تلك التضاريس الوعِرة نشأت عن التكوُّن العنيف لحوض «كالوريس»، تمامًا مثلما أن التضاريس الوعرة على القطب المقابل لحوض «سبوتنيك بلانيتيا» ربما تكون قد نجمت هي الأخرى عن تصادمٍ هائل تعرض له كوكب بلوتو.

لذا تساءل العلماء، لماذا لا يُصمِّمون محاكاة زلزالية لكوكب بلوتو للتحقُّق من الأمر؟ ومن ثمّ، لجأوا إلى برنامج iSALE، الذي يُحاكي الاصطدامات الممتدَّة على مستويات كوكبية، ويجسّد فيزياء الهزَّات الناجمة عن الاصطدام. تقول أدين دينتون، وهي طالبة دراسات عليا تسعى للحصول على درجة الدكتوراة في مجال جيولوجيا الكواكب بجامعة بِيردو، وهي أيضًا الباحثة الرئيسية في الدراسة الجديدة: "لقد فجَّرَتُ بلوتو مراتٍ كثيرة لا يمكنني إحصاؤها".

المحاكاة الزلزالية

تشتمل أفضل محاكاة لأبعاد حوض «سبوتنيك بلانيتيا» وتضاريسه الوعرة على مقذوف بطول 402 من الكيلومترات ويتحرّك بسرعة تبلغ نحو 7242 كيلومترًا في الساعة، ثم يرتطم بكوكب بلوتو. وفي هذا النموذج، نجد أنه مع تكوُّن حوض «سبوتنيك بلانيتيا»، تنتقل موجة صدمية عملاقة عبر أجزاء الكوكب. وتتعقَّب موجة ضغطٍ -تُسبِّب تشوهًا في جسم الكوكب القزم- أثرَ الموجة الصدمية. وتعتمد حركتها على سرعة الصوت في المادّة التي تمرّ بها الموجات. وسُرعان ما تَعبر موجة الضغط اللُّبَّ الصخري للكوكب، وتتحرّك ببطء عبر قشرته الجليدية، ثم تزداد حركتها بطأً خلال مرورها عبر محيط المياه السائلة الذي تبلغ سماكته 149.6 كيلومترًا، والذي يتوسّط اللُّب والقشرة.

ويمثّل المحيط حاجزًا في مسار انتقال موجة الضغط من اللُّبِّ الصخري إلى القطب المقابل لحوض «سبوتنيك بلانيتيا». ولكنّ هذا التأثير يعادل أثره جانبًا آخر من طبقات الكوكب؛ فالحاجز الذي يُمثِّله المحيط يعني أيضًا أن الطاقة الزلزالية التي تنتقل عبر القشرة الجليدية تُحتجز هناك، وهو الأمر الذي يُعزِّز وصول تلك الطاقة إلى القطب المقابل.

كما يُعزِّز التكوين الجيولوجي للُّبِّ انتقال الموجات الزلزالية. ففي المحاكاة الأكثر اتساقًا مع البيانات، كان اللُّبُّ مكوَّنًا من السربنتين، وهي صخور تنقل موجات الضغط على نحوٍ أبطأ مما تفعله صخور أخرى مرشَّحة بقوة لهذا الدور. والفارق في سرعة الصوت بين اللُّبِّ والمحيط كان ضئيلًا، وهي سمة فيزيائية غريبة تتيح لقدرٍ أكبر من الطاقة الزلزالية الانتقال إلى القطب المقابل عبر المحيط، مقارنةً بما قد يحدث في ظروف مغايرة.

والتأثير الكلّي هو أن الكمّ الهائل من هذه الطاقة يتجه نحو القطب المقابل لحوض «سبوتنيك بلانيتيا»، وعلى الرغم من أن هذا البرنامج الحاسوبي المُستخدم في المحاكاة لا يمكنه تحليل تكوُّن خصائص جيولوجية بعينها، فإن حسابات التشوُّه المحتمل تُرجِّح أن مثل هذه البؤرة الزلزالية قد أنتجت تلك الحالة من فوضى التضاريس.

هذه الفرضية قوية ومُتماسكة، ولكنَّها ليست حقيقة مؤكدة بعد. يقول بول بيرن إن مستوى وضوح الصور التي التقطتها بعثة «نيو هورايزونز» لهذا الجانب من كوكب بلوتو أضعف من مستوى وضوح تلك الصور التي التُقطت للجانب الآخر الذي يضم حوض «سبوتنيك بلانيتيا»، لذا فليس من السهل استخلاص نتائج مؤكدة مما تُظهره الصور. يقول جيمس تاتل كين: "هناك الكثير من الأشياء الغريبة على هذا الجانب النائي من كوكب بلوتو، وثمَّة الكثير من الطرق المختلفة التي يمكنك تصوُّرها بشأن تشكُّل بعض تلك الأنماط الغريبة التي نراها". وثمة احتمالية أخرى تُفيد بأن مواد جليدية متطايرة تُغبِّر سطح كوكب بلوتو، وهذه المواد تشمل على سبيل المثال: الميثان وثاني أكسيد الكربون والنيتروجين. وغالبًا ما تتقلَّب تلك المواد المتطايرة بين الحالتين الغازية والصلبة، وهذه الحالة من عدم الاستقرار من شأنها أن تُشوِّه ملامح الكوكب. وربما تكون هذه المواد المتطايرة هي السبب وراء غرابة تضاريس الكوكب بما يشمل حالة الفوضى التي تعتري القطب المقابل حوض «سبوتنيك بلانيتيا» (وتجدر الإشارة إلى أن ثمَّة دراسة أخرى لا صلة لها بالدراسة الحالية تُحمِّل هي الأخرى المواد المتطايرة المسؤولية عن ظهور تضاريس فوضوية على القطب المقابل لحوض «كالوريس» على سطح كوكب عطارد.

ولكن إذا افترضنا صحة هذا النموذج الجديد، فإنه سيُضفي مزيدًا من المصداقية على الفكرة القائلة بأن بلوتو وأقرباءه من الكواكب الجليدية لديهم محيطات جوفية ضخمة. تقول أدين دينتون: "ربما نحتاج إلى التفكير بطريقة مختلفة قليلًا بشأن حزام كايبر نفسه، وجميع تلك العوالم البعيدة الواقعة في نطاقه، وربما نحتاج إلى رصدها عن قربٍ أكثر. فجميع هذه العوالم التي ليست بأي حالٍ من الأحوال مجرد كرات جليدية متجمِّدة، ربما تُخفي في ثناياها تاريخًا جيولوجيًّا ثريًّا ومذهلًا".