نهر كولورادو شريان حياة. يتدفق من جبال روكي الوسطى في كولورادو وجبال وايومنج، عبر 5 ولايات أمريكية أخرى، و11 حديقة وطنية، وولايتين مكسيكيتين، على مدى رحلة يبلغ طولها 1,450 ميلًا، توفر المياه لـ40 مليون شخص، وتدعم حياةً بريةً لا حصر لها، وتروي أكثر من خمسة ملايين فدان من الأراضي الزراعية. لكن هذا النهر معرَّض للخطر.

الأمر لا يقتصر على استهلاك البشر لكميات غير مستدامة من المياه من هذا المصدر، ولكن انخفاض معدل سقوط الأمطار غير المعتاد، إضافة إلى الطقس الحار والجاف قد أدى إلى تضاؤل منسوب النهر على مدار سنوات، ما يُعد نمطًا ينذر بالخطر، يحتمل أن يزداد سوءًا بسبب الخسائر الفادحة التي يتسبب فيها تغير المناخ. تقول جينيفر بيت، مديرة برنامج نهر كولورادو بجمعية أودوبون الوطنية: ’’بقدر ما تمثل فيه المياه مصدرًا للحياة، فإن فكرة فقداننا لنهر كولورادو -أو حتى تناقُص منسوبه- لها تأثير هائل على هذه المنطقة‘‘. إلا أنه بالرغم من أهمية النهر، واجه العلماء صعوبةً في تحديد مقدار انخفاض تدفُّق النهر مع ارتفاع درجة حرارة العالم. بالنسبة لكريس ميلي، عالِم الأبحاث البارز بهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، فإن السؤال مقلق وجذاب في الوقت نفسه. إذ يقول: ’’شغلني لغزٌ ما كان يحدث بالفعل في حوض النهر. وقارب اهتمامي حد الهوس‘‘.

وتحوَّل هذا الهوس إلى انهماك في دراسة البيانات لمدة عام. تشير النتائج، التي نُشرت في دورية «ساينس» Science، إلى أنه بحلول منتصف القرن، قد يفقد النهر ما بين 14 إلى 31 في المئة من تدفُّقه الموثق تاريخيًّا خلال الفترة من 1913 إلى 2017.

صمم ميلي وزميلته كريستا دان -التي تعمل أيضًا بهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية- نموذجًا حاسوبيًّا شديد التفصيل، حلَّل كيفية تحرك المياه في أثناء دخولها حوض نهر كولورادو وخروجها منه، وهي أمور تحدث عبر سقوط الأمطار، وذوبان التراكم الثلجي، والتبخر، وغيرها من العمليات الرئيسية. ولكن نظرًا لوجود العديد من المعايير الفيزيائية ذات القيم التي يصعب قياسها (مثل الحد الأقصى لكمية المياه التي يمكن أن تحتفظ بها التربة عند أي موقع معين في حوض النهر)، فقد طبق الباحثون النموذج لعدد هائل من المرات يبلغ 500 ألف مرة -وقاموا بتعديل المتغيرات المجهولة في كل مرة- إلى أن وجدوا 171 نسخة يمكنها إعادة إنتاج السجلات التاريخية بدرجة مطابَقة جيدة للغاية. ثم وسّعا نموذجهما الجديد والمُحَسَّن ليشمل العقود المقبلة، وذلك بغرض تقدير مدى تغيُّر النهر في حال ارتفاع درجة حرارة حوض النهر بمقدار درجة مئوية واحدة (ما يعادل 1.8 درجة فهرنهايت). وكانت الإجابة مُرَوِّعة: سينخفض تدفُّق النهر بنسبة 9.3%. واستنادًا إلى مجموعة من سيناريوهات المناخ، تابع ميلي ودان التنبؤ بأنه بحلول منتصف القرن، من المحتمل أن ينخفض تدفُّق نهر كولورادو بنسبة تصل إلى 31%، مقارنةً بالقيم التاريخية.

تشير الدراسة إلى أن مستقبل نهر كولورادو يعتمد على التراكُم الثلجي، الذي يُعَد مصدرًا رئيسيًّا لمياهه؛ لأنه مع ذوبان الجليد تدريجيًّا في فصلي الربيع والصيف، تسيل المياه الناتجة كذلك إلى الأرض والنهر وروافده. ويقول ميلي: ’’اكتشفنا أن الغطاء الثلجي يعمل كدرعٍ واقٍ‘‘. إذ إن الانعكاسية العالية التي يتمتع بها السطح، أو ما تُعرف بـ«الوضأة»، تتسبب في انعكاس الإشعاع الشمسي الوارد، وتبقي الأرض تحته عند درجة حرارة باردة نسبيًّا. لكن تغيُّر المناخ يقلل نطاق امتداد هذا الدرع، ما يسمح للمزيد من الإشعاع الشمسي باختراق السطح، وبالتالي يُحْدِث عددًا من الآثار المترتبة على ذلك. فمن المحتمل أن تتبخر كمية كبيرة من الرطوبة داخل التربة والأشجار. كما سيتبخر الكثير من التراكم الثلجي والمياه الجوفية، ولن يتبقى سوى القليل من الماء ليجري في النهر.

يصف براد أودال -أحد كبار العلماء بجامعة ولاية كولورادو، والذي لم يشارك في الورقة البحثية الجديدة- نتائج الدراسة -وبالأخص انخفاض تدفق النهر بنسبة 9.3%- بأنها «رهيبة». شارك أودال في تأليف دراسة في عام 2017 أشارت إلى أن تدفق النهر سوف ينخفض بنسبة تتراوح بين 3 إلى 10% لكل 1.8 درجة فهرنهايت ترتفعها درجة الحرارة، وبالتالي فإن حقيقة أن الرقم الذي توصل إليه كلٌّ من ميلي ودان يقع عند الطرف الأعلى لهذا النطاق هي مسألة لَفتت انتباهه. ولكنه لا يشك في النتائج التي توصل إليها الباحثان، والتي تطرقت -على حد قوله- إلى تفاصيل أكثر كثيرًا من الجهود السابقة. ويقول: ’’بل أعتقد أنهما توصلا إليها بطريقة أكثر اتساقًا ودقة. وعلينا أن نأخذ هذه النتيجة على محمل الجد‘‘.

يعتقد أودال أن النتائج سيكون لها تداعيات كبيرة بالنسبة لمديري المياه ومستخدميها على حدٍّ سواء. إذ يقول: ’’كل قطرة في هذا النهر لها استخدامها. وأي انخفاض مثل ذلك سيتسبب في ضرر شديد‘‘. ولكن يحدوه الأمل في أن يجد مديرو الحفاظ على المياه أفضل طريق للمضي قدمًا في هذا الأمر. فيقول: ’’أود القول إنه إذا كان ما لدينا أقل بنسبة 20%، فهذا لا يزال يعني أن الجانب الإيجابي من هذا هو نسبة 80%. فلنكن أذكياء وفَطِنين، ونعثر على طريقة لاستخدام ما نملك من الماء‘‘. وفي الوقت نفسه، فإن بيت، التي لم تشارك أيضًا في الدراسة الجديدة، حفزها بالمثل قرار جرى التوصل إليه العام الماضي، عندما وافقت الولايات الأمريكية السبع التي يمر خلالها النهر على الحد طوعًا من استخدامها للمياه.

ومع ذلك، تخشى بيت أن نهر كولورادو سيستمر في تغيره، وأن ذلك سيحدث وبطرق لا يمكن التنبؤ بها. فعلى الرغم من أن العلماء قد قطعوا خطوات كبيرة في التنبؤ بآثار ارتفاع درجات الحرارة حول العالم، إلا أن تلك التوقعات لا يمكنها أن تتضمن التقلبات المتأصلة في عملية تدفُّق المياه في النهر. فعلى سبيل المثال، توضح السجلات التاريخية أن تدفق النهر قد ينخفض إلى أربعة ملايين فدان قدم تقريبًا في أحد الأعوام ثم يرتفع إلى حوالي 24 مليون فدان قدم في عام آخر، وكل ذلك يُعزى إلى التفاوت في التراكم الثلجي. (فدان القدم هو حجم المياه التي تغطي مساحة فدان واحد ويبلغ عمقها قدمًا واحدًا، أو ما يقرب من 326 ألف جالون من الماء). بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن لهذه الدراسات أن تأخذ في الحسبان التغيرات العديدة الأوسع نطاقًا التي سيُسْفِر عنها تناقص التراكم الثلجي في الجنوب الغربي. فلا يقتصر الأمر على أن الذوبان المبكر للجليد يُكوِّن أرضًا داكنة وأكثر امتصاصًا للماء، بل إنه يُعَجِّل أيضًا ببداية فصل الصيف، وموسم الحرائق. ستؤدي تلك العملية إلى المزيد من جفاف المنطقة وخفض تدفق المياه إلى نهر كولورادو.

تقول بيت: "يتعامل الناس مع المياه وكأنها ستدوم للأبد. إذ لا يميل الناس إلى التفكير فيها أو القلق حيالها. ولكن الآثار المحتملة هائلة‘‘.