كثيرًا ما تستأثر الكواكب والأقمار بالأضواء، ومع ذلك لا تزال الحاجة موجودة إلى معرفة الكثير بشأن مجموعتنا الشمسية من خلال الأجرام الصغيرة، مثل المذنبات والكويكبات التي توجد بأعداد ضخمة في الفضاء. هكذا يفكّر ديفيد جيويت -عالم الكواكب بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس- الذي وجد لغزًا كونيًا جديدًا عندما كان يرصد مجموعة من الكويكبات القريبة من نبتون.

الاعتقاد المتعارف عليه أن هذه الأجسام تُشتق من مجموعة أخرى من الكويكبات تعرف باسم "حزام كايبر"، الذي يُشكِّل حلقة خارج نبتون، لكن جيويت أظهر أن الكويكبات القريبة من الكوكب لها ألوان تختلف اختلافًا واضحًا عن أسلافها المفترضين في الحزام.

لكن الأغرب من ذلك أن الكويكبات النبتونية شديدة البُعد عن الشمس لدرجة تجعلنا نقول لا بدّ أن أسطحها ظلّت على حالتها الأصلية تقريبًا منذ نشأتها، وقلّما اعتراها تغيير بفعل الأشعة الدافئة المنبعثة من أقرب نجم منها، ومع ذلك فإنها تبدو مشابهة على نحو ملحوظ لمجموعة من الكويكبات التي تلفحها حرارة الشمس بالقرب من كوكب المشتري.

هذه المشاهدات المحيِّرة -الكويكبات التي لا تشبه أسلافها المفترضين في المناطق الداخلية الساكنة من الشمس ولكنها تشبه كثيرًا أقاربها المفترضين الذين تلفحهم الشمس- قد تُثير الشكوك بشأن أفضل نظريات العلماء عن أصل المجموعة الشمسية وتطورها.

تُعتبر الكويكبات -التي تتراوح في أحجامها بين الحصى والمدن الحضرية الكبرى- من آثار تشكيل نظامنا النجمي منذ أكثر من 4.5 مليار عام، وتمثّل المادة التي لم تنجرف إلى داخل الكواكب، وهي الآن مبعثرة في جميع أرجاء النظام الشمسي. تدور الملايين من الكويكبات حول الشمس بين المريخ والمشتري في حزام الكويكبات، ولكن توجد كويكبات أخرى تُعرف باسم كويكبات طروادة تشغل نفس مدارات كوكب المشتري ونبتون، وإن كان ذلك في صورة مجموعات توأمية، إما أمام الكواكب المضيفة وإما خلفها بمقدار 60 درجة. (لدى المريخ أيضًا بضعة كويكبات طروادة، ولكنها مجموعة "غير مهمة"، على حد قول جيويت.)

ولطالما احتدم الجدل بين علماء الفلك بخصوص أصل ما يسمّى بطروادة كل من المشتري ونبتون، فهل هذه المجموعات بقايا قرص الغاز والغبار الذي شكَّل الكواكب؛ رفقاء بدائيون كانوا يصاحبون كواكبهم المضيفة منذ البداية؟ أم أنهم تشكلوا في مكان ناءٍ، ربما في حزام كايبر البعيد، ليتجهوا لاحقًا نحو الشمس بحيث تصبح واقعة في مجال جاذبية المشتري ونبتون؟

يرى جيويت أن كويكبات طروادة تشكَّلت بالقرب من المشتري ونبتون حيث التأمت المجموعة الشمسية من قرص نشوئها، وهي حقبة كانت فيها الكويكبات أكثر وفرة وتتحرك بسرعات نسبية أقل مقارنة بكل كوكب، مما سهَّل وقوعها في الأسر. يقول جيويت: "إذا رميتني بكرة، فسيمكنني التقاطها، أما إذا أطلقت عليّ رصاصة، فبالتأكيد لن أُمسك بها".

لكن العديد من عمليات المحاكاة المستقلة لبضع مئات الملايين من السنين الأولى من تاريخ المجموعة الشمسية، رسمت صورة مختلفة اختلافًا بيِّنًا، إذ تشير عمليات المحاكاة هذه إلى أن الكواكب العملاقة وهي كوكب المشتري وزحل وأورانوس ونبتون، خضعت لتغييرات جذرية في مداراتها، كل منها يتحرك ملايين الكيلومترات في اتجاه الشمس أو باتجاه حزام كايبر.

ووفقًا لمعظم النظريات، فإن اضطراب الجاذبية الناتج عن هذه "الهجرة الكوكبية" لا بدّ أنه جرف جميع كويكبات المشتري ونبتون التي تشكَّلت بالقرب من عوالمها المضيفة، ومن ثمَّ، يعتقد الكثيرون من علماء الفلك أن كويكبات طروادة لا بدّ أن تكون قد هاجرت من حزام كايبر حيث قُذفت بقوة لتصل إلى مواقعها الحالية خلال فترة الاضطراب بين الكواكب.

وللوصول إلى حلٍ للغز أصول كويكبات طروادة، نفَّذ جيويت ما أسماه "أغبى اختبار"؛ حيث قارن ألوان كويكبات طروادة مع ألوان كويكبات حزام كايبر، فإذا كانت الألوان متطابقة، على حد قوله، فيمكن استنتاج أن كلتا المجموعتين نشأت على الأرجح من نفس المكان وهو حزام كايبر.

كانت ألوان عدد كبير من كويكبات المشتري الطروادية معروفة بالفعل، لذا استخدم جيويت أحد التلسكوبين التوأمين التابعين لمرصد "كيك" في هاواي، ويبلغ قطر هذا التلسكوب 10 أمتار بهدف دراسة كويكبات نيبتون الطروادية. مثل هذا التلسكوب الهائل ضروري لجمع الضوء من هذه الأجسام، التي هي أبعد بمقدار ستة أضعاف مقارنة بكويكبات المشتري الطروادية، وتقلّ درجة إضاءتها عن البدر بمقدار يقترب من 10 تريليونات مرّة، وقاس جيويت الألوان البصرية لستة كويكبات طروادية من نيبتون وجمع بياناته مع قياسات منشورة لسبعة آخرين.

وجد جيويت أن ألوان الكويكبات الطروادية لكلٍ من المشتري ونبتون كانت شبه متطابقة، ويشير هذا التشابه إلى أن الكويكبات الطروادية لكل كوكب قد جرى أسرها من مصدر مشترك أو تعرضت لنفس عمليات تعديل السطح، على حد قول جيويت. يقول تشاد تروجيلو، وهو عالم فلك في جامعة أريزونا الشمالية لم يكن مشاركًا في البحث: "هذا أمر محيّر حقًا، كيف يمكن أن يكون لدى المجموعتين الطرواديتين حول المشتري ونيبتون أسطح متماثلة؟".

ويضيف تروجيلو الذي أجرى قياسًا لألوان أربعة كويكبات طروادية حول نيبتون، والتي استُخدمت في دراسة جيويت: "إنهما متباعدتان في واقع الأمر ولديهما درجات حرارة مختلفة للغاية".

ومما أثار دهشة جيويت، أن البيانات أظهرت كذلك أن مجموعتي كويكبات طروادة أقل احمرارًا بكثير من الكويكبات الموجودة في حزام كايبر، وهو ما يعد تحديًا للنظرية القائلة بأن المجموعتين قد تكوَّنتا في الأساس من هذا المناخ البعيد. ويعتقد جيويت أن الكويكبات الطروادية لكلِّ كوكب ربما تكون قد جُلبت من حزام كايبر، ولكنها تعرَّضت لبعض تغيرات السطح في مرحلة ما من تاريخها، أكسبتها ألوانًا تكاد تكون متطابقة.

ومع ذلك، فإن هذا العمل لا يخلو من العيوب، نظرًا للاختلاف الشديد في المسافة بين الشمس وكل من المشتري ونبتون، كما يشير جيويت. فكوكب نبتون أبعد بكثير من كوكب المشتري، ومن ثمَّ فهو أشد برودة بكثير. ويقول إن متوسطات درجات الحرارة هناك منخفضة للغاية إذ تصل إلى 223 درجة مئوية تحت الصفر، وهي أقل من أن تُحفز أي عملية تجديد للسطح مستحثة حراريًا.

في المقابل، تكون درجة حرارة محيط المشتري أكثر اعتدالًا نسبيًا، إذ يقترب متوسط درجة الحرارة من 148 درجة مئوية تحت الصفر، وهو مناخ دافئ بما يكفي لتحرير الغاز من الجليد على الكويكبات الطروادية.

يقول جيويت: "لديك انفجار كبير من الغاز يُحفز إطلاق المادة من السطح"، وربما يؤدِّي تجديد السطح هذا إلى تغيير في لون الكويكب. يوضح جيويت قائلًا: "المعضلة تكمن في أن كويكبات [نيبتون الطروادية] لا تشبه مصدرها، ولكن لا توجد عملية واضحة يمكن من خلالها تعديل أسطحها"، قدَّم جيويت هذه النتائج في أكتوبر خلال الاجتماع السنوي الذي عقده قسم علوم الكواكب بالجمعية الفلكية الأمريكية، وفي وقت سابق من هذا العام، نشر جيويت أيضًا النتائج التي توصَّل إليها في دورية "ذا أسترونوميكال جورنال" The Astronomical Journal.

إن تحديد عملية يمكن من خلالها تجديد سطح كويكبات نيبتون الطروادية من شأنه أن يُقدِّم حلًا محتملًا للغز. أحد الاحتمالات يتضمن تصادمات؛ فربما بتصادم بعض الكويكبات مع بعض، تتغيّر ألوانها، إذ تعمل تلك التصادمات على إعادة توزيع المادة عبر أسطحها، ولكن هذا الطرح عليه مآخذ، فمن المتوقع أن يكون معدل التصادمات ضئيلًا للغاية لدرجة أنه لا تنتج عنه أي آثار يمكن رصدها، يضيف جيويت قائلًا: "لم نكن لنتوقع رؤية تغيرات اللون".

يقول أليكس باركر، عالم فلك الكواكب بمعهد ساوث ويست للأبحاث، والذي لم يشارك في العمل: "هذه النتائج تثير الاهتمام بشدة"، ولكن لغز الكويكبات الطروادية لنيبتون أعمق من هذا بكثير، على حد وصف باركر الذي أجرى قياسًا لألوان ثلاثة كويكبات طروادية لنيبتون استُخدمت لاحقًا في بحث جيويت. وفي وقت سابق من هذا العام ، توصَّلت دراسة -قُدمت للنشر- إلى أن كويكبات نيبتون الطروادية ذات سطح شديد الاحمرار.

ألمحت تلك الدراسة قائلًا: "لا بدّ أن القصة أكثر تعقيدًا من تلك التي قدّمها جيويت، فربما لم تنحدر جميع كويكبات نيبتون الطروادية من نفس الأصل".

يتَّفق الباحثون على وجود حاجة إلى مشاهدات إضافية لأعداد كبيرة من كويكبات نيبتون الطروادية. إلقاء نظرة فاحصة عن قرب على كويكبات المشتري الطروادية سيكون إجراءً حكيمًا كذلك، ستنطلق "لوسي" -وهي بعثة ناسا بين الكواكب- في أكتوبر 2021 للقيام بهذه المهمة تحديدًا، كما يتوق جيويت وعلماء فلك آخرون إلى المشاهدات الأولى من تلسكوب المسح السينوبتيكي الكبير (LSST) الذي يبلغ قطره 8.4 متر في تشيلي، سيُجري مسحًا للسماء بأكملها ليلًا بمعدل مرتين أسبوعيًا مع بدايةً عشرينيات القرن الحالي.

يقول جيويت: "سنحصل على الكثير من كويكيبات طروادة وأجسام حزام كايبر، وسوف يكسب هذا التلسكوب جولة جديدة فيما يخص المجموعة الشمسية بأكملها".