في عام 1968، عُقدت مناظرة بين المفكر المحافظ ويليام إف. باكلي، جونيور، والكاتب الليبرالي جور فيدال. كان المأمول من هذين الشخصين، بحكم انتمائهما إلى نخبة المفكرين في المعسكرين المتعارضين، أن يقدما للأمريكيين الذين كانوا يعيشون أوقاتًا عصيبةً نموذجًا لإدارة الخلافات السياسية بطريقة متحضرة. لكن الفكرة المأمولة لم تستمر طويلًا، فبدلًا من ذلك، انحطّ باكلي وفيدال بسرعة إلى تبادل السباب، ثم أقام كلٌّ منهما دعوى قضائية بحق الآخر بتهمة التشهير.

تصدَّرت قصة تلك المناظرة كتابًا مرموقًا نُشر عام 2013 بعنوان "المنحازون" Predisposed، طرح لعموم القراء حقل علم الأعصاب السياسي. أوضح مؤلفو الكتاب، وهم ثلاثة من علماء السياسة بجامعة نبراسكا-لنكولن وجامعة رايس، أنه إذا كانت الاختلافات بين الليبراليين والمحافظين تبدو عميقة، بل يبدو الصدع بينهما مستعصيًا على الرأب، فذلك سببه أن هذه الاختلافات متجذرة في خصائص الشخصية والميول التي تفرضها البيولوجيا.

تشير الدراسات في المجمل إلى أن المحافظين يرغبون في الأمن، والقدرة على التنبؤ بالأحداث، وامتلاك السلطة أكثر مما يرغب فيه الليبراليون، أما الليبراليون فيطمئنون أكثر للابتكار، والقدرة على إدراك الفوارق الدقيقة، والتعقيد. إذا تسنَّى لك أن تُخضِع باكلي وفيدال للفحص بجهاز التصوير بالرنين المغناطيسي، ثم عرضتَ عليهما صورًا متطابقة، فمن المحتمل أن ترصد اختلافات بين استجابتي دماغيهما للصور، خصوصًا في المناطق الدماغية المسؤولة عن معالجة المعلومات الاجتماعية والعاطفية. وتميل المادة السنجابية في المخ، أو أجسام الخلايا العصبية، إلى أن تكون أكبر حجمًا لدى الليبراليين، وهي تلك المادة التي تُكوّن القشرة الحزامية الأمامية، وهي منطقة تساعد على اكتشاف الأخطاء وحلّ الخلافات. أما اللوزة، التي تؤدي دورًا مهمًّا في تنظيم العواطف وتقييم المخاطر، فتكون أكبر حجمًا لدى المحافظين.

ورغم اتساق هذه الاكتشافات إلى حدٍّ لافتٍ للنظر، إلا أنها احتمالات وليست حقائق يقينية، مما يعني أن هناك الكثير من الفروق الفردية؛ فالمشهد السياسي يمتد من اليساريين الذين يمتلكون الأسلحة النارية وحتى اليمينيين الذين يقودون سيارات تويوتا من طراز بريوس، مرورًا بجميع الأطياف فيما بينهما. وهناك أيضًا إشكالية البيضة والدجاجة التي لم تُحلّ بعد: هل الأمخاخ مجبولة على معالجة الأمور بشكل مختلف من الأساس؟ أم أن الأمخاخ تزداد اختلافًا كلما تطورت سياستنا؟ بالإضافة إلى ذلك، لا يتضح تمامًا حتى الآن مقدار الفائدة التي يمكن أن تعود علينا من معرفة أن أمخاخ الجمهوريين تتفاعل مع أمر معين، في حين تستجيب أمخاخ الديمقراطيين لأمر آخر.

إذًا، بمَ يمكن أن تنبئنا دراسة النشاط العصبي بشأن السلوك السياسي؟ إن مجال علم الأعصاب السياسي، الذي لا يزال في طور النشوء، بدأ يتعمق إلى ما هو أبعد من وصف الاختلافات المخية الهيكلية والوظيفية الأساسية بين الأشخاص ذوي القناعات الأيديولوجية المتباينة -عن طريق قياس حجم اللوزة- ليصل إلى إجراء فحوصات أكثر تدقيقًا للطريقة التي تقف بها عمليات إدراكية معينة وراء تفكيرنا السياسي وصنعنا للقرار. إن المشايعة أو الانتماء الحزبي لا يؤثر على صوتنا الانتخابي فحسب، بل يؤثر أيضًا على ذاكرتنا، وطريقة تفكيرنا، وحتى طريقة استيعابنا للحقيقة. صحيحٌ أن معرفة ذلك ليست العصا السحرية التي ستوحّدنا، لكن الباحثين يأملون أن مواصلة فهمنا للكيفية التي يؤثِّر بها الانتماء الحزبي على أمخاخنا قد تتيح لنا على الأقل إمكانية مقاومة أسوأ تأثيرات ذلك الانتماء، وهو التشرذم الذي يمكن أن يمزِّق القيم المشتركة المطلوبة للإبقاء على حس الوحدة الوطنية.

يستطيع علماء الاجتماع الذين يلاحظون السلوكيات لدى الأوساط السياسية أن يتوصلوا إلى رؤى ثريّة بشأن مخاطر التحزّب الخطأ. غير أن علم الأعصاب السياسي يحاول تعميق هذه الملحوظات بتوفير الأدلة على أن تبنّي معتقد من المعتقدات أو اتخاذ انحياز من الانحيازات يتجلّى على هيئة مقياس لحجم المخ أو نشاطه، مما يبيّن أن المواقف أو القناعات أو سوء الفهم هي في الحقيقة أمور متأصلة بيولوجيًّا. تقول هانا نام، المختصة بعلم الأعصاب السياسي في جامعة ستوني بروك: "توفر بنية المخ ووظيفته مقاييس أكثر موضوعيةً عن الكثير من أنواع الاستجابات التي يتم قياسها عبر المسوح. وربما يمكن استمالة المشاركين في الدراسات كي يكونوا أكثر أمانةً عندما يظنون أن العلماء يمكنهم "الاطّلاع على ما يجري في عقولهم". وليس معنى ذلك أن علم الأعصاب السياسي يمكن أن يُستخدم بوصفه أداةً "لقراءة الأفكار"، لكنه يستطيع رصد التناقضات بين المواقف المعلنة والعمليات الإدراكية التي تقف وراءها.

من غير الوارد أيضًا أن تُستخدم عمليات تصوير المخ باعتبارها دلالاتٍ حيويةً على نتائج سياسية بعينها؛ لأن العلاقات بين المخ والسياسة ليست علاقات ارتباطية بين سبب ونتيجته. ومع ذلك، "يمكن أن تُستخدم الخصائص العصبية البيولوجية كأداة للتنبؤ بالنتائج السياسية، ولكن ليس بشكل حتميّ"، وفق ما تقول نام.

لدراسة كيف نعالج المعلومات السياسية في بحث نُشر عام 2017، ابتكرت إنجريد هاس، المختصة بعلم النفس السياسي في جامعة نبراسكا-لنكولن، وزملاؤها مرشّحين افتراضيين من كلا الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، ونسبت إلى كل مرشّح مجموعةً من التصريحات السياسية حول قضايا مختلفة، مثل الصلاة في المدارس، وبرنامج ميديكير للرعاية الصحية لكبار السن، والإنفاق على الدفاع. كانت معظم التصريحات من النوع المتوقع، فالجمهوريون، على سبيل المثال، يفضلون في العادة زيادة النفقات الدفاعية، والديمقراطيون بشكل عام يدعمون توسيع مظلة الرعاية الصحية. لكن بعض التصريحات التي استُخدمت في الدراسة كانت مفاجئة، مثل تعبير المرشّح المحافظ عن موقف مؤيد لحق الإجهاض، أو دفاع المرشّح الليبرالي عن فكرة غزو إيران.

قامت هاس بتصوير أمخاخ 58 شخصًا من أصحاب الاتجاهات السياسية المتنوعة. وفي كل تجربة، سُئل المشاركون في الدراسة عن رأيهم في اتخاذ المرشّح موقفًا معينًا تجاه قضية بعينها هل يكون ذلك محمودًا أم مذمومًا، بغض النظر عما إذا كان المشارك شخصيًّا يوافق على هذا الموقف أو لا يوافق. أتاح وضع المهمة في هذا الإطار للباحثين أن يرصدوا المعالجة العصبية للمعلومات كوسيلة لقياس ما سماه الباحثون التطابق أو عدم التطابق، بمعنى هل المعلومات متوقعة أم غير متوقعة. وضع الباحثون في اعتبارهم أيضًا تعاطف المشارك مع الحزب الذي ينتمي إليه، وما إذا كانت هناك علاقة بين الاختلافات الأيديولوجية وطريقة المشاركين في أداء المهمة.

أثبت الليبراليون أنهم أكثر انتباهًا للمعلومات غير المتطابقة، وخاصةً تجاه المرشّحين الديمقراطيين. فعندما كان المشاركون الليبراليون يواجهون مثل هذا الموقف كانوا يستغرقون وقتًا أطول للتوصل إلى قرار حول ما إذا كان محمودًا أم مذمومًا. لُوحظ أيضًا احتمال أن تؤدي المعلومات غير المتطابقة إلى تنشيط عصبي في منطقتين من مناطق المخ، وهما الجزيرة والقشرة الحزامية الأمامية، اللتين "تشاركان في مساعدة الأشخاص على تشكيل مواقفهم والتفكير فيها مليًّا"، وفق ما تقول هاس. كيف تؤثر المواقف الخارجة عن المألوف على التصويت لاحقًا؟ تذهب هاس إلى أن كثرة الانغماس في مثل هذه المعلومات ربما تجعل الناخبين أكثر ميلًا إلى معاقبة المرشّحين بعدم التصويت لهم فيما بعد. لكن هاس تعترف بأن المشاركين في الدراسة ربما كانوا يمارسون في الواقع شكلًا معينًا من أشكال الانحياز، يُسمى "الاستدلال المحفَّز"؛ للتقليل من تأثير عدم التطابق.

كان الاستدلال المحفَّز، الذي يجتهد فيه الناس لتسويغ آرائهم أو قراراتهم حتى في مواجهة الأدلة المتعارضة، أحد الموضوعات المفضلة لباحثي علم الأعصاب السياسي؛ لأن الكثير من تطبيقاته تجري بالفعل حولنا. وبينما يؤدي التحزّب دوره، فإن الاستدلال المحفَّز يذهب إلى ما هو أعمق من ذلك؛ فنظرًا إلى أن أغلبنا يميل إلى اعتقاد أننا أصحاب قلوب طيبة، فإن الناس عمومًا يؤْثِرون اعتقاد أن المجتمع الذي يعيشون فيه مجتمع محبَّب إلى النفس، ويسوده العدل، ويحكمه القانون. "حتى لو كان المجتمع يفتقر إلى الكمال وفيه سلبيات يمكن أن تؤخذ عليه، فهناك تفضيل عام لتصوُّر أننا نعيش في مجتمع طيب"، هذا هو ما تذهب إليه نام، التي تضيف أنه عندما يكون هذا التفضيل قويًّا بشكل خاص، "فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى أشياء مثل التسويغ أو القبول لصور عدم المساواة وغياب العدالة لوقت طويل". ويطلق علماء النفس على العملية الإدراكية التي تتيح لنا أن نفعل ذلك اسم "تبرير النظام".

شرعت نام وزملاؤها في تحديد المناطق من المخ التي تحكم العمليات العاطفية التي تقف وراء "تبرير النظام"، فوجدوا أن حجم المادة السنجابية في اللوزة يرتبط بالميل إلى إدراك النظام الاجتماعي بوصفه مشروعًا ومرغوبًا فيه. وكان تفسيرهم لذلك أن "هذا التفضيل لتبرير النظام يرتبط بما تؤديه تلك الاستعدادات العصبية البيولوجية الأساسية من تنبيه للشخص إلى الأخطار المحتملة في البيئة المحيطة به"، وفق ما تقول نام.

بعد الدراسة الأصلية، تَتَبَّع فريق نام مجموعةً فرعيةً من الأفراد الذين شاركوا في الدراسة لمدة ثلاث سنوات، واكتشفوا أن بنية أمخاخهم تنبأت باحتمالات مشاركتهم في احتجاجات سياسية في أثناء تلك الفترة. تقول نام إنه "كلما كبر حجم اللوزة، قلت احتمالات مشاركة الشخص في الاحتجاجات السياسية. ويبدو هذا الربط معقولًا طالما نظرنا إلى الاحتجاج السياسي من منطلق أنه سلوك يُملي: «علينا تغيير النظام»".

من شأن فهم تأثير الانتماء الحزبي على الهوية، حتى على مستوى الخلايا العصبية، أن "يساعد على تفسير لماذا يضع الأشخاص الولاء الحزبي فوق المصلحة السياسية، أو حتى فوق الحق"، وفق ما يشير إليه جاي فان بافيل وأندريا بيريرا، عالِما النفس، في دراسة لهما نُشرت عام 2018 في دورية «تريندز إن كوجنيتيف ساينسز» Trends in Cognitive Sciences، عندما كانا يعملان في جامعة نيويورك. إجمالًا، نحن نكتسب هوياتنا من مصدرين، هما: خصائصنا الفردية، مثل كوننا آباءً، وكذلك من انتماءاتنا الجماعية، مثل كوننا من سكان نيويورك أو من الأمريكيين. تخدم هذه الانتماءات أهدافًا اجتماعيةً متعددة؛ فهي تغذي احتياجنا إلى الشعور بالانتماء، ورغبتنا في حسم الخلافات والتمتُّع بالقدرة على التنبؤ بالمستقبل، كما أنها تدعم قيمنا الأخلاقية أيضًا. وتحتوي أمخاخنا على تمثيلات عصبية لهذه الأمور مثلما تحتوي بالضبط على تمثيلات للأشكال الأخرى من الهوية الاجتماعية.

يؤدي تغليب الهوية الحزبية، ضمن جملة أشياء أخرى، إلى تشويش الذاكرة. في دراسة نُشرت عام 2013، كان الليبراليون أكثر ميلًا إلى نسيان استمرار جورج بوش الابن في الاستمتاع بعطلته في أعقاب إعصار كاترينا، في حين كان المحافظون أكثر ميلًا إلى تذكُّر مشاهدة باراك أوباما وهو يصافح رئيس إيران، رغم أنها مصافحة لم تحدث. تشكّل الهوية الحزبية أيضًا أفهامنا ومُدرَكاتنا. في دراسة نُشرت عام 2012، عُرِض على عدد من المشاركين مقطع فيديو لاحتجاج سياسي، وتبيّن أن كلًّا من الليبراليين والمحافظين يميلون بشكلٍ أو بآخر إلى استدعاء الشرطة اعتمادًا على تفسيراتهم لأهداف الاحتجاج؛ فعندما كان هدف الاحتجاج ليبراليًّا (أي معارضًا لحرمان المجاهرين بالمثلية من الخدمة العسكرية)، كان المشاركون المحافظون أكثر ميلًا إلى استدعاء الشرطة. وكان العكس صحيحًا عندما اعتقد الليبراليون المشاركون في الدراسة أن الاحتجاج يقيمه محافظون (معارضون لافتتاح عيادة من عيادات الإجهاض). فكلما ازدادت قوة انتمائنا الحزبي، ارتفعت احتمالات تعزيز تأييدنا للحزب. ويتفاقم هذا الميل بسبب الانتشار المتفشِّي للمعلومات السياسية المغلوطة، وفي أغلب الأحيان يتم تغليب نصرة الهوية على التماس الدقة.

إذا فهمنا ما يجري على المستوى الإدراكي، فقد يصبح بإمكاننا التدخّل لمحاولة تخفيف بعض الآثار السلبية للتحزّب. ويبدو أن توتر العلاقة بين التماس الدقة ونصرة الهوية يتضمن تنشيطًا لمنطقة دماغية تُسمى القشرة الجبهية الحجاجية، وهي منطقة مسؤولة عن حساب قيمة الأهداف والمعتقدات، وتربطها علاقة وثيقة بالذاكرة والوظائف التنفيذية والانتباه. يقول فان بافيل إنه إذا كانت الهوية تساعد على تحديد قيمة المعتقدات المختلفة، فهي قادرة أيضًا على تشويه المعتقدات. فإدراكنا لحقيقة أن الانتماءات السياسية تُشبع فينا احتياجًا تطوريًّا إلى الانتماء يشير إلى أن من واجبنا خلق وسائل بديلة للانتماء، كأن نرفض تسييس قضية فيروس كورونا المستجد عن طريق الدعوة إلى التماسك والاتحاد معًا كمواطنين أمريكيين، على سبيل المثال. كذلك، فإن تشجيع الرغبة في توخِّي الدقة بالحوافز يمكن أن يزيد من الأهمية التي نوليها لذلك الهدف؛ فقد ثبتت فاعلية التحفيز المالي لردود الأفعال السليمة، أو تحميل الأشخاص المسؤولية عن ردود أفعالهم عندما تكون غير منضبطة.

كان من المستحيل تقريبًا تقليل تأثيرات التحزُّب قبل الانتخابات الأمريكية في الثالث من نوفمبر عام 2020؛ لأن حجم المعلومات السياسية كان آخذًا في الازدياد، مما أسهَمَ في تذكير الأمريكيين بهوياتهم السياسية بشكل يوميّ. ولكن إليكم بعض الأخبار السعيدة؛ فقد اكتشفت دراسة كبيرة أُجريت بجامعة هارفارد ونُشرت عام 2020 أن المشاركين في الدراسة كانوا يبالغون دائمًا في تقدير مستوى سلبية الجماعات الأخرى تجاه جماعاتهم، أي أن الآخرين ربما لا يكرهوننا بالقدر نفسه الذي نظنه. وزيادةً على الأخبار السعيدة، بيّنت الدراسة أن المعلومات غير الدقيقة أدت إلى رفع مستوى الانحياز السلبي، في حين أدى تصحيح المعلومات المغلوطة إلى تقليص الانحياز السلبي بقدر ملموس.

يقول فان بافيل: "قد يكون شق البيولوجيا وعلوم الأعصاب من السياسة مفيدًا في بيان ماهية العوامل المؤثرة في الوصول إلى الناس. وربما لا تكون السبيل إلى التفاعل مع الأشخاص المختلفين معنا سياسيًّا هي محاولة إقناعهم بصلب قضيتنا، إذ قد لا يتسنى لنا تحقيق ذلك أبدًا، لكن الأجدى أن نحاول فهم منطلقاتهم، ثم تفنيد ما لديهم من أفكار وأنماط مقولبة".