أصبح ابتكار مواد تبريد أفضل مسألة مُلحَّة مع ارتفاع درجات الحرارة عالميًّا، وتتجه أنظار بعض العلماء إلى الطبيعة بحثًا عن أفكار تُمكِّنهم من تحقيق ذلك. فالكائنات الصغيرة الحجم ذات كتلة الجسم المنخفضة، مثل الحشرات، يتعين عليها التعامل مع حقيقة ارتفاع درجة حرارتها بمعدل أسرع بكثير من الثدييات كبيرة الحجم. فعندما تَحطُّ الفراشات على أفرع الأشجار كي تنعم بأشعة الشمس الدافئة، على سبيل المثال، ترتفع درجة حرارة أجنحتها الكبيرة نسبيًّا في غضون ثوانٍ أكثر من اللازم. لذلك فقد ابتكرت طرقًا أكثر تعقيدًا وبراعة لتبريد أجسامها. والآن، اكتشف الباحثون في جامعتي كولومبيا وهارفارد، آليات التبريد المدمجة داخل أجساد هذه الحشرات الملونة. فأجنحتها تسلك سلوكًا يشبه بدرجة ما سلوك المشعاع النانوي، ومن ثَمَّ فإنها قد تصبح مصدر إلهام لابتكار مواد جديدة خفيفة الوزن، تُساعد في عملية التبريد.

ويوضح نانفانج يو -أحد الباحثين المشاركين في الدراسة، وأستاذ الفيزياء التطبيقية المشارك بكلية فو المؤسسية للهندسة والعلوم التطبيقية في جامعة كولومبيا- أن الحرارة هي إشعاع كهرومغناطيسي ناتج عن اهتزاز الجزيئات. وكلما زاد عدد الجزيئات التي يمكن للمادة أن تكشفها على سطحها، زادت الحرارة التي يمكن أن تُبددها في عملية تسمى «التبريد الإشعاعي»، لذلك يمكن لبعض المواد -اعتمادًا على بنيتها- إطلاق الحرارة بسرعة أكبر من غيرها. فالأجسام ذات الطبقات المُتغضِّنة على هيئة أمواج أو طيات أو أنابيب أسطوانية، على سبيل المثال، تَبرُد بسرعة أكبر بكثير من الأجسام الصلبة؛ نظرًا لاحتوائها على مساحة سطح مكشوفة أكبر. وهذه الملحوظة هي السبب في أن المشعاع المنزلي عادةً ما يُصمَّم بطريقة تسمح بتمرير الحرارة عبر العديد من الطيَّات المعدنية التي تبعث الدفء بكفاءة في أرجاء الغرفة.

وقد تبيَّن أن أجزاءً من أجنحة الفراشات تعمل وفق مبدأ مماثل، فالأجنحة نفسها عبارة عن أنظمة معقدة تحتوي على هياكل حية وأخرى غير حية، مغطاة بأنواع مختلفة من الحراشف المصنوعة من الكايتين، وهو مادة صلبة موجودة أيضًا في بعض الهياكل الخارجية للمحار، وفي الفطريات. وتشتمل الأجزاء الحية من أجنحة الفراشة على رُقعات ومنصات عطرية تُطلق الفيرومونات، كما أن فيها أوردة تحتوي على اللمف الدموي، وهو سائل يجري في جهاز الدوران لدى المفصليات، ويُشبه الدم لدى الكائنات الأخرى. أما الهياكل غير الحية فتشتمل على أغشية الكايتين التي تمتد بين أوردة الأجنحة.

ووجد الباحثون أن الحراشف التي تغطي هذه الهياكل لها أشكال مختلفة، تُشع حرارةً بطرق مختلفة. وتتشكل حراشف المنصات العطرية في صورة  كمٍّ هائل من الأنابيب الصغيرة ذات الفتحات المتجهة إلى الخارج، ويبلغ قطر كلٍّ منها نحو ميكرون واحد (وهو ما يُعادل واحدًا في الألف من الملليمتر). وتعمل تلك الهياكل النانوية على تبديد الحرارة بكفاءة عالية، وبذلك تحمي الأعضاء التي تُطلق الفيرومونات من ارتفاع درجة حرارتها أكثر من اللازم. ونظرًا إلى أن هذه الهياكل المتموجة بدقة تكشف جزيئات سطحية أكثر مما تكشفه الهياكل المسطحة، يصبح "لديك من الناحية المجهرية، عددًا أكبر من المشاعيع"، على حد قول يو. فالحراشف التي تغطي أوردة الأجنحة تكون أكثر سماكةً، لكنها تحتوي على الكثير من الثقوب التي من خلالها تُطلِق الحرارة أيضًا بكفاءة. أما الحراشف الموجودة على أجزاء الأجنحة غير الحية، والتي لا تتلف بالدرجة نفسها من السهولة بسبب الحرارة، فإنها لا تمتلك مثل هذه القدرة العالية على "الإشعاع الحراري".

ومن أجل تسليط الضوء على كيفية عمل هذه الأنظمة المعقدة، أجرى الفريق تخديرًا لعدة أنواع من الفراشات واستخدم فرشاة صغيرة لإزالة حراشف أجنحتها حتى يتمكن من فحص ما بتحتها من هياكل. كما حقن العلماء كميةً صغيرةً من الصبغة الزرقاء في صدور الحشرات. وساعدت الصبغة التي يحملها سائل اللمف الدموي في تصوير الخلايا والأنسجة الحية. كذلك فقد ساعدت الكاميرات الحرارية أيضًا يو وزملاءه في تحليل الأجنحة. وأظهرت الأجهزة توهجًا أكبر للهياكل الحية مقارنةً بما يُحيط بها، مما يُثبت أنها تُبدِّد الحرارة. وعلاوةً على ذلك، اكتشف الفريق أن الفراشات تمتلك "قلبًا لأجنحتها"، يضخ اللمف الدموي عبر المنصات العطرية، على حد قول نيومي إي بيرس، الباحثة المشاركة في الدراسة واختصاصية علم الأحياء، وهي أحد أمناء متحف علم الحيوان المُقارَن بجامعة هارفارد. وقد نُشرت نتائج الدراسة الشهر الماضي في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز»Nature Communications .

ويصف أسوات رامان -الذي يدرس تفاعلات الضوء والحرارة مع الهياكل النانوية في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس، والذي لم يشارك في الدراسة- عمل العلماء هذا بأنه "جدير بالاهتمام". ويقول: "يمكننا، من الناحية التصورية، أن ندمج الهياكل المجهرية المحددة التي يكشفون عنها هنا في عملياتنا الاصطناعية." ويضيف قائلًا: "من الأشياء التي يُمكن أن تكون جذابة، أن أجنحة الفراشات خفيفة للغاية، وأن البنى المجهرية داخلها صغيرة ورقيقة للغاية. لذا فإن إحدى الأفكار التي يمكن استقاؤها من هذه [الدراسة] أنها يمكن أن تصبح مصدر إلهام لابتكار طرق فعالة للتخلص من الحرارة في أنظمة خفيفة الوزن للغاية".

ويعكف الباحثون بالفعل حاليًّا على ابتكار مادة تبريد، استنادًا إلى النتائج التي توصلوا إليها فيما يتصل بالفراشات، جنبًا إلى جنب مع أبحاثهم المماثلة حول نمل جنوب الصحراء الكبرى. إنهم يأملون ابتكار بوليمر تبريد وغزله في أشكال تشبه الهياكل النانومترية لأجنحة الفراشات. وعلى الرغم من أن المادة الناتجة لا تزال بعيدةً كل البعد عن الاستفادة منها تجاريًّا، فإنه من الممكن استخدامها، في نهاية المطاف، لأغراض مثل طلاء المباني.

فبالإضافة إلى خفة وزنها، قد يكون لمواد التبريد المستوحاة من الفراشات ميزةٌ أخرى، تتمثل في استخدام مجموعة متنوعة من الألوان. فكثيرًا ما يكون العديد من أنواع الطلاء التقليدية المقاومة للحرارة -كتلك الموجودة على الأسقف الباردة- أبيض اللون؛ لأن اللون الأبيض لا يمتص الحرارة. لكن طلاء الكثير من الأشياء باللون الأبيض لن يكون ممتعًا من الناحية الجمالية، على حد قول تشاو تشانج جان، اختصاصي علم الضوئيات في جامعة بافَلو، جامعة ولاية نيويورك، والذي لم يُشارك في الدراسة. ويردف جان: "لا نزال بحاجة إلى عالم غني بالألوان"، مشيرًا إلى مدى الجمال الزاهي الذي تمتاز به الفراشات في الطبيعة. ويقول: "تُقدِّم لنا أجنحة الفراشات مثالًا على أن الهياكل الملونة يمكنها أيضًا تحقيق التبريد الإشعاعي في حالات محددة".