أفادت دراسة نشرتها مجلة (نيتشر Nature)، يوم الخميس، أن مرض ألزهايمر ربما نُقل مع هرمون النمو البشري إلى ثمانية مرضى بريطانيين منذ عقود مضت، وفي حال دعم نتائج تلك الدراسة بمزيد من الأبحاث، فإن ذلك يعني ضمنيًا أن مرض ألزهايمر يُحتمل أن ينتقل بالاحتكاك المباشر بأنسجة المخ لشخص مصاب.

هذا ليس معناه أن مرض ألزهايمر يُعدي، بحسب الباحثين الذين سرعان ما أشاروا إلى ذلك، فقد تلقَّى هؤلاء المرضى الثمانية جميعهم جرعات من هرمون النمو البشري المستخلص من الغدد النخامية لعدة جثامين، وهي طريقة نقل غير معتادة تمامًا.

وإذا كانت هناك أي خطورة لانتقال مرض ألزهايمر -ولا توجد أي حالات مؤكدة تدل على ذلك- فمن المرجح أن يحدث هذا عبر الأدوات الجراحية فحسب، وفق ما ذكره الباحث الرئيسي في الدراسة الجديدة، جون كولينج، في مؤتمر صحفي عُقِد يوم الأربعاء. وأضاف كولينج الذي يعمل اختصاصيًا في طب الأعصاب بجامعة كوليدج لندن أنه يأمل أن تتناول الأبحاث المستقبلية إمكانية انتقال مرض ألزهايمر عبر عمليات جراحية معينة، وما إذا كان هناك حاجة لأساليب جديدة لتعقيم الأدوات الخاصة بجراحات الأعصاب لضمان عدم حدوث ذلك.

كان المرضى الثمانية الذين شملتهم الدراسة قد تلقّوا هرمون النمو البشري خلال طفولتهم، بسبب ظروف مختلفة مرتبطة بالنمو.

واستُعيض عن هرمون النمو البشري الذي جرى استخلاصه من غدد نخامية بشرية، بهرمون مُخلَّق في عام 1985 بعد أن أدرك العلماء أن استخدام النسخة البشرية من الهرمون يمكن أن تؤدي -في حالات نادرة- إلى نقل مرض "كروتزفيلد جاكوب"، وهو الصورة البشرية لمرض انتكاسي للأعصاب يُعرف أيضًا باسم "مرض جنون البقر".

ويبدو أن الهرمونات الملوَّثة ذاتها التي نقلت مرض "كروتزفيلد جاكوب" للمرضى الثمانية، كانت وراء انتقال بروتين يسمى "أميلويد بيتا" (amyloid beta) وهي كتل تُمثل إحدى الخصائص المميزة لمرض ألزهايمر.

وقال كولينج إنه اكتشف بروتين "أميلويد بيتا" في أدمغة المرضى وأوعيتهم الدموية، وكان المرضى الثمانية في الثلاثينات والأربعينات من عمرهم، أي ليس منطقيًا، حسب قوله، اعتبار وجود ذلك القدر الهائل من هذا البروتين في هذا الوقت المبكر جدًا من مراحلهم العمرية أمرًا طبيعيًا، كما استبعد الأسباب المحتملة الأخرى لوجود بروتين "أميلويد"، فهو لم يظهر نتيجة مشكلات النمو الأساسية لدى المرضى، كما قال، نظرًا لاختلاف الأنسجة بين المرضى الثمانية، ولم يكن هناك أي صلات سابقة بين مشكلات النمو وبروتين "أميلويد"، كما لم يكن سببه هرمون النمو نفسه، على حد قوله، لأن الفئران التي حُقنت بهرمون النمو الاصطناعي لم تُظهر أي تراكم غير عادي لبروتين "أميلويد".

بعد ذلك، اختبر كولينج قوارير تحتوي على هرمون النمو البشري الذي تلقَّاه المرضى الثمانية، كان قد حُفظ لعقود في شكل مسحوق فوق أحد الرفوف في درجة حرارة الغرفة، وكانت هناك عدة طرق مختلفة لتنقية هرمون النمو، فالعينات التي اكتشف فيها كولينج بروتين "أميلويد" جرى إعدادها بنفس الطريقة التي أُعدِّت بها العينات الأخرى التي نقلت مرض "كروتزفيلد جاكوب" على ما يبدو، لذا يعتقد كولينج أن هذه الطريقة من المؤكد أنها قد سمحت ببقاء المزيد من الملوثات.

وبالإضافة إلى الإصابة بمرض "كروتزفيلد جاكوب"، ظهرت لدى المرضى جميعهم أعراض حالة تسمى الاعتلال الوعائي لبروتين "أميلويد بيتا" الدماغي، وهي حالة نجدها لدى 90%من مرضى ألزهايمر، ولم يتسنَّ للمرضى الثمانية العيش مدة أطول بما يكفي ليحدِّد العلماء ما إذا كانوا سيصابون بمرض ألزهايمر أم لا، على حد قول كولينج.

ويجري كولينج حاليًا التجارب بهدف معرفة ما إذا كان المرضى قد تلقوا بروتينًا آخر مرتبطًا بمرض ألزهايمر، يسمى "تاو" (tau)، من عيِّنات هرمون النمو البشري الملوثة، وإذا كان ذلك قد حدث، فإنه يقدم دليلًا إضافيًا على أن مرض ألزهايمر يمكن أن ينتقل بين البشر، على حد اعتقاده.

ويقول ستيفن سالواي، الباحث في أمراض ألزهايمر بجامعة براون، والذي لم يشارك في هذا العمل، إن الدراسة الجديدة وفكرة قابلية انتقال المرض تدعمهما أدلة متزايدة من النماذج الحيوانية إذ يمكن أن يبدأ المرض في الظهور عن طريق حقن النسيج الدماغي لمرضى ألزهايمر في أدمغة الحيوانات، وكتب سالواي في رسالة عبر البريد الإلكتروني قائلًا: "هذه النتائج المهمة توفِّر أدلة إضافية ونماذج جديدة لاختبارها، وتعزيز فهم الآليات التي يستند عليها مرض ألزهايمر سيقود إلى التدخل المبكر بالعلاج الفعَّال الذي من شأنه تغيير مسار المرض".

وأشار باحثون آخرون أن الفيروسات قد تكون السبب الأوّلي للإصابة بمرض ألزهايمر أو أن تلك البروتينات المتجمّعة التي تسمى "البريونات"، كتلك التي تظهر في حالة مرض "كروتزفيلد جاكوب"، قد تكون السبب الفعلي وراء الإصابة بالمرض.

يقول بول آيسن، الباحث في مجال مرض ألزهايمر بمعهد الأبحاث العلاجية لمرض ألزهايمر بجامعة جنوب كاليفورنيا، إنه يعتقد أنه لا داعي لشعور الناس بالقلق بشأن قابلية انتقال مرض ألزهايمر. ويضيف: "لستُ مقتنعًا بأن ذلك يجب أن يُشكِّل مصدر قلق، ولا أعتقد أن هذه الأدلة تشير إلى قابلية انتقال مرض ألزهايمر".

لكن آيسن يشير إلى أننا لا نزال نعرف القليل جدًا عن هذا المرض، وهذا معناه الحاجة إلى إجراء جميع أنواع الأبحاث المتعلقة به. ويوضِّح: "أدعم بشكل كامل التقصي بشأن جميع مسارات الدراسة التي تشمل الفيروسات والبريونات وقابلية الانتقال، فكل هذه الأمور بمنزلة مجالات تستحق البحث حتى نفهم هذا المرض جيدًا بما يكفي لاستحداث وسائل علاج ناجعة له".