يحتاج الجسم، لمحاربة أي عدوى تنفسية، إلى هجوم مزدوج، في البداية يُرسل خلايا مناعية إلى مكان العدوى لتدمير المُمْرض، ثمّ يتعين بعد ذلك على الجهاز الدفاعي أن يحفظ تلك المستجيبات الأولى من الانفلات عن زمام السيطرة. وإذا فشلت محاولة «حفظ الاستقرار» تلك، فقد تتصاعد الحمى والسعال الطفيفان إلى مرحلة المرض المُهدد الحياة، وهو ما حدث لعشرات الآلاف من مرضى فيروس كورونا الجديد «كوفيد-19» COVID-19 الذين تعرضوا للجائحة العالمية التي سببها فيروس «سارس كوف 2» SARS -CoV-2.

في أغلب الأحيان، تكون البلاعم –الخلايا المناعية الكبيرة التي تلتهم مسببات المرض– هي المُستجيبات الأولى، إلا أننا في حالة رئتي الفئران المصابة بإنفلونزا فيروسية، نجد مجموعة فرعية صغيرة من كريات الدم البيضاء هذه تفعل العكس تمامًا؛ إذ تكبح الالتهاب المفرط، وفق ما يذكر الباحثون اليوم في دورية «ساينس إميونولوجي» Science Immunology. تسكن بلاعم حفظ الاستقرار أيضًا في الرئة البشرية، مما يشير –وفق قول يوفانج شي، المتخصص في المناعة بالمستشفى الأولى التابعة لجامعة سوتشاو بالصين- إلى أنها "ربما تؤدي دورًا شديد الأهمية في مساعدة مرضى «كوفيد-19» على مقاومة الالتهاب، وربما البقاء على قيد الحياة". أرسلت المستشفى أطقم رعاية طبية وإمدادات لمدينة ووهان بالصين، ولكن تشي لم يكن مشتركًا في الدراسة الجديدة.

بدأ البحث قبل سبعة أعوام، عندما لاحظ كمال خانا -المتخصص في المناعة، والذي يعمل حاليًّا بمركز لانجون الطبي بجامعة نيويورك- شيئًا اعتبره مذهلًا، ففي ذاك الوقت كان المعمل الذي يعمل به عاكفًا على دراسة مجموعة مشابهة من البلاعم، لم تكن في الرئة بل في الطحال، العضو المسؤول عن تنقية الدم في الجهاز اللمفي. إذ إنه عند رؤية خلية مصبوغة لفأر تحت المجهر، ظهرت البلاعم وقد شكلت حلقات زرقاء حول مناطق في الطحال غنية بالخلايا المناعية، ويقول خانا: "بدا الأمر كما لو كان سديمًا فضائيًّا".

لم تكن تلك الخلايا مبهرةً على المستوى البصري فحسب، إذ عندما استطاع الباحثون إزالة البلاعم من الفئران مستخدمين إستراتيجية جينية ذكية، ماتت الفئران بعد يومين فقط من إصابتها بكميات صغيرة من بكتيريا الليستيريا Listeria التي عادةً ما تُشفى منها. ثمّة ملحوظة أخرى مدهشة؛ فبينما تزاحمت خلايا مناعية أخرى داخل مناطق محاربة العدوى في الطحال، مكثت تلك المجموعة من البلاعم في مكانها. يعلق خان: "رأينا أن هذا التجزُّؤ من الضروري أن يوجد كذلك داخل الأعضاء غير المناعية". لقد أَرْست نتائج البحوث الخاصة بالطحال، التي نُشرت عام 2017، قواعد أساسية لعملية إجراء التحليل الجديد داخل الرئة.

في داخل ذلك العضو المركب، تعيش الغالبية العظمى من البلاعم في أكياس هوائية صغيرة تسمى الحويصلات الهوائية، بيد أنه عند فحص الباحثين لنسيج الرئة عبر المجهر، شاهدوا مجموعة أصغر كثيرًا مختلفة بشكل صارخ؛ فعلى عكس بلاعم الحويصلات الهوائية (AMs)، التي عادةً ما تكون كبيرةً ومستديرة، ظهرت البلاعم الأكثر ندرةً مستطيلة وذات أذرع ممتدة، ولم تكن موجودةً داخل حويصلات هوائية. وتلك الخلايا، التي أمكن التعرّف عليها حديثًا، تحتشد عند المجرى الهوائي وتتفاعل مع الأعصاب، ومن ثَمَّ تسمى البلاعم المرتبطة بالأعصاب والمجرى الهوائي (NAMS). ويعقِّب خانا قائلًا: "تُضاء شعبة المجرى الهوائي برمتها تحت المجهر بهذه البلاعم".

في مجموعة أخرى من الدراسات، استطاع فريق خانا البحثي إزالة بلاعم الحويصلات الهوائية، والبلاعم المرتبطة بالأعصاب والمجرى الهوائي في الفئران، ثمَّ أصابوا تلك الحيوانات -وفئرانًا طبيعية- بأحد فيروسات الإنفلونزا، ثم قارنوا مستوى الفيروس في المجموعات. كشفت التجارب عن توزيع للعمل؛ فبلاعم الحويصلات الهوائية تساعد في محاربة الفيروس، أما البلاعم المرتبطة بالأعصاب والمجرى الهوائي فتحافظ على استقرار الخلايا وتمنع إصابتها بالتلف.

يرى مالار بهاتاشار -اختصاصي بيولوجيا البلاعم في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو- أن ذلك النوع من التمايُز قد تثبت أهميته في عملية تطوير علاجات تستهدف السيطرة على الالتهاب، وهي مشكلة كبيرة تواجه العلماء في حالة «كوفيد-19». لم يشارك بهاتاشار في البحث، وهو يصفه بأنه "تطبيق ذكي لأدوات مستجدة لإزالة مجموعات فرعية محددة من البلاعم.

أما الفئران التي أزيلت منها البلاعم المرتبطة بالأعصاب والمجرى الهوائي، فقد أفرزت مستويات مرتفعة من الجزيئات الالتهابية المتعددة، التي تتضمن جزيئات تسمى IL6 –المسؤولة عمّا يطلق عليه «عواصف السيتكونيات» التي أمكن ملاحظتها في بعض مرضى الحالات الحادة من «كوفيد-19». ففي دراسة حديثة أجريت على 191 شخصًا تلقوا علاجًا للمرض في مدينة ووهان، تبيّن ارتفاع مستويات IL6 في دماء المرضى الذين توفوا من الفيروس، مقارنةً بمَن بقوا على قيد الحياة. وتُجرى حاليًّا تجارب سريرية لتقييم إمكانية استخدام العقاقير المحتوية على أجسام مضادة حاصرة للـIL6، مثل تلك التي تُستخدم لعلاج التهاب المفاصل الروماتيدي، في علاج مرضى «كوفيد-19».

لم تتطرق الدراسة الجديدة إلى كيفية ارتباط تداخُل البلاعم المرتبطة بالأعصاب والمجرى الهوائي مع الخلايا العصبية المرتبطة بوظيفة تلك الخلايا المناعية. ويأمل خانا أن يتطوّر فهمنا لذلك من خلال دراسات مستقبلية تُجرى على الفئران، فيها تتم إزالة البلاعم المرتبطة بالأعصاب والمجرى الهوائي ثم تقييم صحة الأعصاب المحيطة، أو من خلال دراسة مدى تأثر أعصاب المجرى الهوائي خلال الإصابة بأنواع مختلفة من العدوى. فالصلة بين النظامين العصبي والمناعي أمر مثير للاهتمام في ضوء البحوث الحديثة التي تشير إلى أن وجود تداخل كيميائي بين البلاعم المعوية والألياف العصبية يمكنه أن يتحكم في الحركة الدودية للأمعاء، وهي العملية التي من خلالها يتحرك الطعام في القناة الهضمية.

أما السؤال الأكثر إلحاحًا فهو عما إذا كانت البلاعم المرتبطة بالأعصاب والمجرى الهوائي تؤدي دورًا في حالة «كوفيد-19» أم لا. وفي سبيل الوصول إلى إجابة، يتعاون خانا في الوقت الحالي مع مركز لانجون الطبي بجامعة نيويورك للحصول على أنسجة رئوية طازجة من أشخاص توفوا بسبب المرض، ولكن هذا أمر شاق من الناحية اللوجستية، وينطوي على مخاطر محتملة. ووفقًا لخان فإن التحدي الأكبر في الوقت الحالي، في ضوء ارتفاع حالات الإصابة بالفيروس في مدينة نيويورك، يكمن في ما يعبر عنه بقوله: "المشكلة الأساسية أن معملنا مغلق".

Read more about the coronavirus outbreak here.