بعد التشخيص الصادم بإصابة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والسيدة الأولى ميلانيا بكوفيد-١٩، سيتلقى الزوجان رعاية مثالية، وسيحصلان على كل الدعم الذي يحتاجان إليه للتعافي تمامًا -كما نأمل- من هذا الفيروس المميت. 

وهذا ما ينبغي أن يكون. لكن عشرات الملايين من الأمريكيين الذين قد يتلقون تشخيصًا مماثلًا سيظلون ينزلقون إلى دوامات من عدم اليقين، ومن المؤسف أن عددًا كبيرًا منهم سيواجه الموت. لن يُتاح لدى الكثير من أولئك الذين يصابون بالفيروس امتلاك الوسائل أو الموارد اللازمة لاتباع أبسط الإرشادات الصادرة عن مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، والموجهة إلى المعرَّضين لخطر الإصابة به.

ينبغي أن تكون الأخبار التي تفيد بأن فيروس كورونا المستجد قد أصاب أحد أقوى الشخصيات على هذا الكوكب بمنزلة تذكير جاد ينبهنا بأن هذه الجائحة لا تعرف السياسة ولا تحترم الحدود. إنها تذكير أيضًا بأنه ينبغي على حكومة الولايات المتحدة، على المستوى الفيدرالي ومستوى الولايات والمستوى المحلي، تقديم الدعم طوال مدة هذه الجائحة؛ حتى يكون لدى كل مواطن أمريكي ما يحتاجه في حالة تعرُّضه هو أيضًا للإصابة بهذا الفيروس.

منذ بداية ظهور فيروس كورونا المستجد، كان لدينا إدراك جيد لكيفية السيطرة عليه: ارتداء الأقنعة، وممارسة التباعد الاجتماعي، وغسل الأيدي. إننا نتخذ هذه الإجراءات لحماية أنفسنا وعائلاتنا ومَن حولنا. وعندما يُحتمل إصابة شخص ما، فإنه يحتاج إلى الخضوع لاختبار الكشف عن الإصابة بالفيروس، وإلى فرق الصحة العامة المدربة على تتبُّع مخالطي المرضي، بالإضافة إلى القدرة على إجراء العزل والحجر الصحي. بالنسبة للمرضى، تُحدث خدمات الرعاية الصحية عالية الجودة فرقًا كبيرًا. لكن في ظل تسجيل حوالي 208 آلاف حالة وفاة، والعدد قابل للزيادة، يجب علينا فعل المزيد.

نحن ندرك أننا إذا تبنينا ممارسات الصحة العامة وتابعنا أفضل العلماء في العالم في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها والمعاهد الوطنية للصحة وإدارة الغذاء والدواء، فإن أمتنا ستزدهر في المستقبل. كما لاحظنا في عام 2009 في أثناء جائحة  فيروس إنفلونزا الخنازير (إتش1إن1)، ولاحظناه مرةً أخرى مع فيروس كورونا، فإن مجتمعات غير البيض والعاملين ذوي الدخل المنخفض هي الأكثر تضررًا خلال حالات طوارئ الصحة العامة، ليس بسبب القرارات التي يتخذها الأفراد ولكن بسبب الخيارات المستحيلة التي فرضتها أمتنا على الكثيرين. إن العنصرية المتفشية في المنظومة والحواجز المتأصلة تعرِّض الأفراد، ثم مجتمعاتهم، لخطر أكبر.

لقد عانى العمال الميدانيون -الذين أبقوا هذا البلد صامدًا خلال الأشهر السبعة الماضية- أكثر من غيرهم؛ بسبب طبيعة عملهم وإخفاقات مجتمعنا. يمثِّل غير البيض نسبةً عاليةً للغاية من العاملين في قطاع النقل ورعاية الأطفال والخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية في كلٍّ من المنازل والمستشفيات. أضف إلى ذلك أن أكثر من 40% من العمال الميدانيين هم من غير البيض، وقد عانى السود والمنحدرون من أصول لاتينية والأمريكيون الأصليون على نحوٍ غير متناسب من ناحية الإصابات والوفيات.

لقد كُشفت إخفاقاتنا المجتمعية والهيكلية علنًا أمام أعين العالم خلال هذه الجائحة،. إن ما لا يقل عن 28 مليون أمريكي ليس لديهم تأمين صحي، وملايين آخرون ليس لديهم تأمين كامل. لا يحصل عدد كبير جدًّا من أولياء الأمور -الذين غالبًا ما يعملون في وظائف منخفضة الأجر- على إجازة مرضية مدفوعة الأجر. علاوةً على ذلك، حوالي 60% من القوة العاملة يتقاضون أجورهم بالساعة، وقد تَبيَّن أن الضغوط التي عانت منها هذه العمالة في أثناء موجات الإغلاق الاقتصادي كانت مدمرة.

إن مبلغ 2.2 تريليون دولار الذي تم ضخه في الاقتصاد من خلال قانون المعونة والإغاثة والأمن الاقتصادي لمكافحة فيروس كورونا (CARES) هو ذكرى سرعان ما تلاشت؛ فملايين الأمريكيين الذين كانوا يعملون في وظائف منخفضة الأجر لم تعد إليهم وظائفهم، والأموال التي أرسلتها لهم الحكومة منذ أشهر نفدت على الأرجح. أما الحماية الفيدرالية من الإخلاء وحبس الرهن العقاري فلا تغطي جميع المعرَّضين للخطر. وبالنسبة لأولئك الذين تتم تغطيتهم، لا يوجد دعم للمدفوعات المتأخرة. يجب أن نضاعف التزامنا على المدى القصير والطويل لتوفير الدعم للفئات الأشد ضعفًا في الولايات المتحدة طوال مدة هذه الجائحة. ولا بد أن يمتد دعم التغذية، وإعانات البطالة الموسعة، وتعليق عمليات الإخلاء، وتقديم معونة الإيجارات السكنية، ودعم البرامج التعليمية حتى انقضاء فترة طويلة من عام 2021. بالنسبة للاحتياجات قصيرة الأجل فهي مُلحَّة، أما تحديات النظام طويلة الأجل فيتوجب النظر فيها مع بداية العام الجديد.

إن تشخيص إصابة عائلة الرئيس الأمريكي بفيروس كورونا المستجد ما هو إلا آخر المؤشرات الدالة على أننا لم نقترب ألبتة من نهاية هذه الجائحة. فمن المنتظر أن يصاب أكثر من تسعة من كل 10 أشخاص في هذا البلد بفيروس كورونا. في ظل تسجيل أكثر من 200 ألف حالة وفاة بالفعل وتوقعات بارتفاعها إلى 371 ألف حالة بحلول نهاية العام، فإننا بحاجة إلى الاستمرار في تبنِّي الإرشادات التي وضعها خبراء الصحة العامة والتي نعلم أنها تجدي نفعًا، مرةً أخرى، يجب علينا ارتداء الأقنعة وممارسة التباعد الاجتماعي وإجراء اختبار الكشف عن الإصابة بالمرض وتتبُّع المخالطين للمرضي، فضلًا عن اتخاذ قرارات حكيمة لصالح الأفراد ومجتمعاتهم.

إن الآمال في الحصول على لقاح للفيروس تتزايد يومًا بعد يوم، وأنا أيضًا متفائل بأن اللقاح سيولد من رحم عشرات الجهود المبذولة حول العالم، رغم أن هذه النتيجة ليست مؤكدة. غير أن التوصل إلى لقاح لن يكون كافيًا لإنهاء مأساة هذه الجائحة؛ فليس لدينا فكرة عن مدى فاعلية أيٍّ من هذه اللقاحات، وإذا حدث وأقرت الولايات المتحدة أحدها قبل نهاية العام -وهو احتمالٌ غير مؤكد- فإن توزيعه على السكان سيستغرق أغلب عام 2021. أضف إلى ذلك أن الأطفال، الذين ثبت أنهم ناشرون للفيروس، لن يكونوا بين أولئك الذين سيتم تحصينهم في مرحلة مبكرة؛ وذلك لأن التجارب، بحكم تصميمها، لا تشملهم. تُعد هذه العوامل من الأسباب التي تجعل الطريق الذي نسلكه طويلًا. لكنه طريق ليس لدينا –كأمة- خيارٌ سوى أن نسلكه معًا.

يجب أن يكون تشخيص إصابة الرئيس والسيدة الأولى بكوفيد-١٩ بمنزلة جرس إنذار لنا جميعًا. سوف ينتصر كوفيد -١٩ إذا انقسمنا وأنكرنا مخاطره، ولن يمكننا التغلب عليه إلا إذا اتبعنا خريطة طريق الصحة العامة من أجل مستقبل أفضل.