على مدار الأشهر القليلة الماضية، تلقيت دعوات للتَّحدُّث مع كُتّاب وموسيقيين ومنتجي أفلام مرموقين بخصوص كتابي الأخير "خارج الأرض" Extraterrestrial، قبل خوضي هذه المحادثات، كنتُ الطرف المتلقي (والمُعجَب) بأعمالهم الفنية، ولكن الآن هم الذين يعتريهم الفضول بشأن أبحاثي بصفتي أحد العلماء، وقد دفعتني هذه الحوارات المتبادلة إلى التَّعَرُّف على أوجه التَّشابُه بين الابتكار في الآداب والعلوم، إجمالًا، يبدو أنه لا يمكن صياغة مهارة ابتكار أكثر إنجازاتنا إبداعًا كوصفة جاهزة من كتاب الطبخ.


ففي العلوم والآداب على حدٍّ سواء، يبدو العمل الإبداعي بطريقة ساحرة وكأنه ينبوع يتدفق فجأةً بالإلهام من العقل الباطن، فمحتواه غير المُتَوَقَّع يحطِّم القوالب النمطية الموجودة ضمن التَّفكير التَّقليدي؛ فهو يقدم شيئًا مستحدثًا متميزًا عن الممارسات الاعتيادية، وفي كثير من الأحيان يُخرِج الناس من قوقعتهم؛ لأنه يسبق عصره، ونتيجةً لذلك، يتعرَّض الكثير من المُبدِعين للسخرية ويُحرَمون من العِرفان الذي يستحقونه في الوقت الذي يكونون في أمسِّ الحاجة إليه، فعندما استجوب الفيلسوف اليوناني سقراط الناس علنًا من خلال محاوراته، ولم يعترف بالآلهة التي تُعبَد في مدينة أثينا المستقلة الديمقراطية، بل اتُّهِم بإفساد الشباب وأُعدِم بإجباره على شرب السم، وفي وقتنا هذا، كان سقراط سيُحظر من على وسائل التواصل الاجتماعي الأثينية، وكما قال أوسكار وايلد: "الكاتب هو شخص علَّم العقل أن يسيء التصرف".

يوجد العديد من الأمثلة على مثل هذه الملابسات؛ فعلماء الجيولوجيا الذين يتبّنون التفسيرات السائدة رفضوا النظرية العلمية الثورية بشأن الانجراف القاري التي طرحها ألفريد فيجنر في عام 1912، واستمر هذا الرفض أربعة عقود، ولم تحظ النظرية بقبول إلا بعد التعرُّف على آلية الصفائح التكتونية، وفي عام 1933، استدل فريتس تسفيكي على وجود كميات كبيرة من الكتلة غير المرئية في عنقود كوما المجرّيّ، والتي أطلق عليها اسم "المادة المظلمة"، ولكن استغرق الأمر أربعة عقود حتى تلقى الفكرة رواجًا داخل مجتمع علم الفلك، وقد خلصت رسالة دكتوراة سيسيليا باين-جابوشكين في معهد رادكليف التابع لجامعة هارفارد في عام 1925 إلى أن سطح الشمس يتكون معظمه من الهيدروجين، لكن هذه الفكرة رفضها هنري نوريس راسل، المدير الشهير لمرصد جامعة برينستون، وبعد مرور أربع سنوات أدرك أنها كانت على حق، وفي كتاب "علم الفلك في القرن العشرين" Astronomy of the 20th Century الصادر عام 1962، وصف كلٌّ من أوتو ستروف وفيلتا زبيرجز عملَ باين-جابوشكين بأنه "بلا شك أبرز رسالة دكتوراة كُتِبَت في مجال علم الفلك".

مهتديًا ببوصلته الخاصة على جبهة إبداعية أخرى، اقترح أوتو ستروف أن نبحث عن كواكب المشتري الساخنة حول النجوم الأخرى في عام 1952، أي قبل أربعة عقود من اكتشاف 51 بيجاسوس بي (الفرس الأعظم 51 بي) في عام 1995 على يد ديدييه كيلوز وميشيل مايور -وهو الاكتشاف الذي أهّلهما للحصول على جائزة نوبل للفيزياء لعام 2019، وفي علم الأحياء، تجاهَل المجتمع العلمي قواعد الوراثة الجينية التي صاغها جريجور مندل في عام 1866، وأعاد اكتشافها هوجو دي فريس وكارل كورينز بعد ثلاثة عقود، وفي نهاية المطاف فسّرتها الكيمياء الجزيئية للحمض النووي بعد انقضاء ما يقرب من قرن على عمل مندل.

ينطبق المصير نفسه على الفنانين المبدعين؛ فقد كان يُنظَر إلى فينسنت فان جوخ طوال حياته على أنه شخص مجنون وفاشل، لكن سمعته تغيَّرت إلى ذلك العبقري المُسَاء فهمه عندما أدرج التعبيريون عناصر من أسلوبه في رسومهم بعد عدة عقود من انتحاره في عام 1890، واليوم، تُعَد لوحات فان جوخ من اللوحات الأغلى على الإطلاق، ولم تُنشَر الرواية الأولى للكاتب صموئيل بيكيت، ولذا نحّاها جانبًا، وفي نهاية المطاف، نُشِرَت الرواية في عام 1992، بعد ثلاث سنوات من وفاة بيكيت، وبعد 23 عامًا من حصوله على جائزة نوبل للأدب عام 1969، وتحضرنا هنا مقولة وايلد: "الفكرة التي لا تنطوي على خطورة لا تستحق أن تُسمى فكرة مُطلَقًا".

لاقتناء السلع، أمام المرء طريقان: أحدهما هو جمع الأغراض الموجودة بالفعل، والآخر هو استحداث أشياء لم تكن موجودةً من قبل، ورغم أن معظم الأصناف الموجودة على أرفف المتاجر الكبرى تُنتَج بالجملة، فإن الكيانات التي ينشئها الفنانون أو العلماء حديثًا تكون فريدةً من نوعها في البداية.
كالنبيذ المعتق، يكتسب العمل الإبداعي جودته بمرور الزمن؛ فالعمل يصطبغ باستجابة الجمهور له وكذلك بعمليات المحاكاة له، فالملابسات الأولية لاستقبال العمل تذكرنا بطفل وليد مُثِير للإعْجَاب، إنه لأمر مدهش للعالِم أو للفنان أن يشاهد تفاعُل ما أبدعه مع العالم، تمامًا كما هو الحال مع الآباء والأمهات وهم يتطلعون إلى أطفالهم.

للآداب والعلوم محتوى مختلف، ومن ثم يعتمد هذان المجالان أدوات مختلفة لتشكيل رسالتهما، إنهما يُشكِّلان طرقًا بعضها متمّم لبعض من أجل رؤية الواقع، وليس بعضها بديلًا للآخر؛ فالابتكار العلمي يُتَرجَم إلى أجهزة تكنولوجية جديدة، مثل أنظمة التموضع العالمية للملاحة استنادًا إلى نظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين، أما الابتكار الأدبي، فيُتَرجَم إلى أصول ثقافية جديدة، مثل المدرسة التكعيبية التي وُلِدَت على يد بابلو بيكاسو- والتي أطلقت شرارة حركات ذات صلة في الموسيقى والأدب والهندسة المعمارية، إن مخرجات العملية الإبداعية مدهشة للوهلة الأولى في جميع مجالات الإبداع البشري.

ولكن ما يُعد إبداعًا للوهلة الأولى، يُمكِن اعتباره أمرًا حتميًّا في سياق الالتفات إلى أحداث الماضي؛ ففي العلوم الفيزيائية، بإمكان المرء أن يُجادِل في مسألة كون الواقع موجودًا قبل اكتشافه، ويُمكِن قول الشيء نفسه عن الفنون؛ إذ أجاب مايكل أنجلو عندما سُئل عن كيفية إنتاجه لمنحوتات جميلة من كتلة من الرخام: "إن المنحوتة مكتملة بالفعل داخل الكتلة الرخامية قبل أن أبدأ عملي، إنها موجودة بالفعل، ما عليّ سوى أن أزيل القشرة الخارجية".
تتقدم الفنون والعلوم من خلال التطوّرات المنفتحة على الأفكار الجديدة؛ فالبديل المتمثل في المكوث ضمن الحدود التقليدية يمنع استكشاف عوالم جديدة، وكما قال أوسكار وايلد: "الثبات على الشيء هو الملاذ الأخير لانعدام الخيال".

إن إدراك الدور الحاسم الذي يؤديه الخيال في النهوض بكلٍّ من الآداب والعلوم من شأنه أن يُفْضي إلى غرس ثقافة تعزّز الابتكار من خلال مكافأة الإبداع، ويُمكِن الالتفاف على التَّفكير الجمعي أو تفكير القطيع التَّقليدي من خلال تشكيل لجان الاختيار التي تعيّنها الجهات التَّمويلية من أفراد مبدعين بدلًا من أصحاب التَّفكير التَّقليدي، ستستفيد ثقافة الابتكار أيضًا من المساحات المتداخلة حيث يتفاعل العلماء والفنانون؛ ففي إطار الخروج بنظريته عن الجاذبية، استمدّ ألبرت أينشتاين إلهامه من الفيلسوف إرنست ماخ، كما ألهمت أفكار أينشتاين المستحدثة عن المكان والزمان لوحات بيكاسو.
يؤسس الإبداع في الآداب والعلوم الخلفية المهيئة للوجود البشري، إذ إن المحتوى الذي يثمر عنه هذا الإبداع يضفي المتعة على حياتنا ويكسبها معنىً؛ فالعمل الإبداعي البشري كاللعبة لا متناهية المكاسب، التي نستفيد منها جميعًا، ويُمكِننا كلنا المشاركة في العملية الإبداعية، طالما أننا نعمل بنصيحة وايلد: "كن نفسك … تكن فريدًا من نوعك".