يتصور الأطفال في سن الخامسة أصدقاءً من صنع خيالهم، ويتخيل المراهقون مواصفات محبوبهم، ويخطط البالغون لتحقيق إنجازات في أعمالهم، أو لشراء منزل، أو للسفر حول العالم. فالتخيُّل سمة نمتلكها جميعًا، ونستخدمها في حياتنا اليومية. ولكن إذا حاولنا أن نفكر في مواقف بعيدة كل البعد عن واقعنا، زمانيًّا أو مكانيًّا، كأن نفكر مثلًا فيما ستكون عليه أحوال العالم سنة 2500، أو كيف ستكون تجربة الحياة على سطح القمر أو المريخ، فغالبًا ما يصعُب علينا تصوُّر هذه السيناريوهات.

حاول علماء الأعصاب وعلماء النفس، على مدار عقود، أن يفهموا ما يحدث بالضبط في المخ عندما نُطلق العنان لتخيلاتنا، وما الذي يحد من قدرة الكثيرين منَّا على تخيُّل سيناريوهات بعيدة. في دراسة جديدة نُشرت الشهر الماضي في "جورنال أوف بيرسوناليتي آند سوشيال سيكولوجي" Journal of Personality and Social Psychology، يقول الباحثون إن أصحاب المهن الإبداعية أفضل حالًا -على ما يبدو- من غيرهم في التغلب على الحواجز العقلية التي تعوق القدرة على تخيُّل سيناريوهات بعيدة، وأنَّ تَميُّزهم هذا يمكن تفسيره، جزئيًّا، بأنهم يستفيدون من شبكة عصبية مخية، هم وحدهم مَن يستطيعون استخدامها.

يستطيع الأشخاص المبدعون، باستخدام الجزء الظهري الأوسط مما يُطلق عليه العلماء "شبكة الوضع الافتراضي"، توسيع مدى تخيُّلهم ليبلغ آفاقًا مستقبلية وأماكن ورؤى وحقائق افتراضية، أكثر بُعدًا عن الواقع. وتتكون شبكة الوضع الافتراضي من مجموعة من مناطق المخ المتشابكة، تشمل القشرة أمام الجبهية الوسطى والقشرة الحزامية الخلفية والتلفيف الزاوي والحُصَين. تتبادل هذه المناطق المخية أطراف الحديث عندما نستغرق في أحلام اليقظة أو نستعيد الذكريات أو نفكر في نوايا الآخرين. وتشير المؤلفات السابقة التي تناولت هذا الموضوع إلى أن هذه المناطق ربما تؤدي دورًا كذلك في تَصوُّر المستقبل واستشرافه.

يعتقد العلماء أن بعض الدوائر العصبية في شبكة الوضع الافتراضي يمكن أن تساعدنا على أن نستلهم خبراتنا السابقة عندما نتخيل مواقفَ قريبةً منَّا زمانيًّا ومكانيًّا. فنحن قد نتذكر مثلًا مظهر وروائح مقهى سبق أن ترددنا عليه في الماضي، عندما نُفكر في مكان جديد في البلدة نرغب في ارتياده الأسبوع المقبل أو العام القادم. لكن أصحاب المهن الإبداعية يستدعون المزيد من الأنظمة الفرعية لشبكة الوضع الافتراضي عندما يتخيلون سيناريوهات أبعد لا يمكن إعادة بنائها عن طريق خلط الذكريات المختلفة التي تتوارد إلى الذهن وتوليفها. ولنأخذ أدباء الخيال مثالًا. تقول ميجان ماير، الباحثة الرئيسية في فريق الدراسة والأستاذ المساعد لعلم النفس والمخ في كلية دارتموث: "إنهم يتخيلون وجهة نظر شخص آخر في مكان وزمان يختلفان عن الواقع المباشر المَعيش من جانبهم".

لاستكشاف كيف يتسنى لأصحاب المهن الإبداعية أن يتخيلوا الوقائع الافتراضية أو البعيدة بهذا الوضوح الشديد، أجرت ماير وزملاؤها سلسلةً تتألف من ثلاث تجارب. في التجربة الأولى، طلب الباحثون من 300 شخص اختيروا عشوائيًّا ليشاركوا في الدراسة، أن يتخيلوا كيف سيكون حال كوكب الأرض بعد 500 عام، أو يتخيلوا عالَمًا لم تنفصل قاراته بعضها عن بعض، أو يتخيلوا كيف يعيش ديكتاتور ساخط. طُلب من المشاركين أيضًا أن يفكروا في أكبر عدد من الطرق الممكنة لاستخدام القلم أو لتحسين مكبر صوت. وصُنِّف الذين أحرزوا نقاطًا أعلى على أنهم أفضل حالًا من غيرهم في استخدام التخيل البعيد.

في التجربة الثانية، كرَّر الباحثون هذه الاختبارات مع 100 مشارك ممن كانوا قد أظهروا نوعًا من الحرفية والبراعة في الإبداع، وكان من بينهم كُتَّاب وممثلون ومخرجون وفنانون تشكيليون فازوا بجوائز في مجالاتهم. وطرح الباحثون الأسئلة نفسها على مجموعة أخرى من أصحاب المهن المالية والقانونية والطبية الذين لا يقلون نجاحًا عن المجموعة الأولى. وكانت النتيجة هي تفوُّق أصحاب المهن الإبداعية على غيرهم في الإجابات التحريرية وفي التقارير الذاتية حول درجة الوضوح التي استطاعوا بها تخيُّل تلك المواقف في عقولهم.

أرادت ماير وفريقها معرفة ما إذا كان أصحاب المهن الإبداعية يملكون ببساطة "قدرات تخيل" أقوى، مثلما يملك لاعبو البيسبول أذرعًا أقوى لرمي الكرة بالمقارنة مع غير الرياضيين. لفحص ما يحدث عندما تنشط قدرات التخيل هذه، أجرى الفريق البحثي التجربة الثالثة التي طُلِب فيها من 27 مبدعًا، إضافة إلى 26 مشاركًا عاديًّا يمثلون مجموعة ضابطة، أن ينخرطوا في مهمات محاكاة وهم مستلقون على طاولة جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. وجد الفريق أن نشاط المخ لدى المبدعين كان يشبه نشاط المخ لدى المجموعة الضابطة عندما كان مطلوبًا من أفراد المجموعتين أن يتخيلوا موقفًا يحدث بعد 24 ساعة. ولكن ما أدهش الباحثين أنهم وجدوا أن أمخاخ المبدعين فقط هي التي ينشط فيها الجزء الظهري الوسطي من شبكة الوضع الافتراضي عند تخيُّل حوادث أكثر توغلًا في المستقبل.

لم ينشط الجزء الظهري الوسطي من شبكة الوضع الافتراضي على الإطلاق لدى أفراد المجموعة الضابطة. غير أن هذا الجزء من الشبكة لدى أصحاب المهن الإبداعية كان ينشط حتى عندما يكون أولئك المبدعون في حالة راحة. يقول روجر بيتي، الباحث في مجال علم النفس بجامعة ولاية بنسلفانيا، والذي لم يشارك في الدراسة: "هذه خطوة كبيرة للأمام على طريق فهمنا لآلية عمل المخ المبدع. تمدنا هذه الاكتشافات بفهم للكيفية التي يتسنى بها للمخ أن يتخيل مواقف مختلفة، وما الذي يجعل كبار المبدعين استثنائيين في تخيلهم للمواقف البعيدة".

لهذه النتائج أهميتها أيضًا في فهم الطريقة التي ننظر بها إلى الآخرين. فبالنظر إلى أن الجزء الظهري الوسطي من شبكة الوضع الافتراضي يؤدي دورًا في التفكير في الأمور التي تختلف كثيرًا عن خبراتنا، فإن الأشخاص القادرين على تنشيط هذه الشبكة ربما يكونون أكثر قدرةً على وضع أنفسهم مكان الآخرين، أو أكثر قدرةً على تصوُّر كيف يمكن للسياسات العامة أن تؤثر على الأجيال القادمة، وفق ما يقول دانيال شاكتر، اختصاصي علم النفس بجامعة هارفرد، والذي لم يشارك في الدراسة.

يتعلق السؤال الكبير القادم بما إذا كان تنشيط الجزء الظهري الوسطي من شبكة الوضع الافتراضي يمكن أن يتحسن بالتدريب، على حد قول شاكتر، فإذا كانت هذه القدرة قابلةً للتشكيل، فعندئذٍ ربما إذا تلقينا دروسًا في الرسم أو ما شابه عزَّز ذلك قدرتنا على التخيل، وساعدنا في أن نتواصل مع الآخرين على نحو أفضل.