بالنسبة لفريق المركبة المتجولة "بيرسيفيرانس" في مختبر الدفع النفاث (JPL) بوكالة ناسا الأمريكية، كانت الساعات قبيل فجر السادس من أغسطس تشبه عشية عيد الميلاد؛ فقبل ساعات، كان العلماء قد أصدروا الأوامر للمركبة المتجولة بالحفر في صخرة داخل فوهة جيزيرو على سطح المريخ؛ لاستخراج أول عينة في المهمة من جيولوجيا المريخ وتخزينها، وهي عينة من 43 عينة ستصل في يومٍ ما إلى الأرض وتخضع للفحص؛ بحثًا عن علامات تشير إلى الأشكال القديمة للحياة على الكوكب.

وفي الثانية صباحًا أو نحو ذلك، عندما بدأ الفريق في مراجعة البيانات الحديثة التي أرسلتها المركبة المتجولة من المريخ بموجات الراديو، بدا أن كل شيءٍ يسير على نحوٍ مثالي، فقد ظهر أنه أمكن الحصول على العينة ووضعها في أنبوب تخزين من بين 43 أنبوبًا بالمركبة، لكن مفاجأةً سيئةً جاءت من مسبار مصمم خصوصًا لقياس حجم العينة الأولى الثمينة؛ فالأنبوب -على ما يبدو- كان فارغًا، وأكدت صورة لاحقة الاحتمال الأسوأ: إنه يوم عيد الميلاد، لكن بابا نويل نسي إحضار الهدايا الجيولوجية، يقول كين فارلي، العالِم بمشروع "بيرسيفيرانس" في مختبر الدفع النفاث (JPL): "لقد كانت لحظةً مريعةً بالتأكيد"، وزاد الارتباك إلى أقصاه عندما أمر الفريق المركبة المتجولة بالتقاط صورٍ لمحيطها –وتصوير داخل حفرة التنقيب نفسها– وفشلوا مع ذلك في إيجاد العينة الصخرية المفقودة، فأين ذهبت تلك العينة؟ وإن كانت معدات جمع العينات في المركبة "بيرسيفيرانس" معطوبةً إلى هذه الدرجة، فما مصير الخطة المحكمة التي كلفت مليارات الدولارات للحصول على عينات صخرية من المريخ؟

بعد أسبوعٍ من التحقيقات المكثفة شابه التوتر والضغط، انتهى الفريق إلى أن المشكلة لم تكن في المركبة، التي لم ترتكب أي أخطاء، إنما كانت الصخرة نفسها هي التي خدعت العملاء، يقول فارلي: "بالأساس، كانت الصخرة مفتتة"؛ فعلى الرغم من أنها بدت من الخارج صلبةً متماسكةً مثاليةً للحفر، فقد كانت من الداخل عبارة عن فوضى حبيبية مفتتة، وحين حفرت المركبة فيها، انهارت العينة ببساطة، ويُمكن إيجاد القلب الصخري "المفقود" -جزئيًّا على الأقل- في صورة مسحوق ناعم في كومة البقايا المحيطة بحفرة التنقيب، لكن ما زال من غير الواضح أين ذهب الجزء الأكبر من العينة.

والخبر السار هو أن أغلب صخور جيزيرو لن تكون بالقدر نفسه من الخداع على الأرجح، وأنه لم يحدث عطب في المعدات كان من الممكن أن يتسبب في فشل المهمة الكبرى، وهي جلب قطع من المريخ إلى الأرض، يقول فارلي: "ثمة درجة معقولة من الثقة بأن هذه الصخرة كانت صخرةً فريدةً غريبة، وأنها جذبت انتباهنا بطريقةٍ ما أو بأخرى لهذا السبب تحديدًا"، وتنعقد آمال كبرى الآن على نجاح المحاولة التالية لجمع العينات، والتي يمكن تنفيذها في غضون شهر.

للوهلة الأولى، بدا وكأن الصخرة المستهدفة في الحفل الافتتاحي للمركبة "بيرسيفيرانس"، أو "بيرسي"، حلمًا مستحيلًا قد تحقق، فوجه الصخرة كان مستويًا على نحو رائع، وهذا السطح الخارجي يسهل تركيب أداة الحفر عليه، واستُعملت أداةٌ خشنةٌ في مسح التراب من على بقعة صغيرة على السطح، وواجهت الأداة في أثناء عملها مقاومةً كافيةً أشارت إلى أن الصخرة متماسكة نسبيًّا، وعندما قارن الفريق البيانات المستمدة من الأدوات التي تستطلع التركيب الجيوكيميائي للصخرة بالصور الملتقطة للبلورات اللامعة في البقعة المكشوطة، حددوا مبدئيًّا أنها صخرة بركانية متصلبة تُعرف بالجابرو، تتكون عندما تبرد الحمم ببطء في مواضع عميقة أسفل السطح.

لذا توقع الفريق أن جائزة الحفر ستكون عينةً متماسكة، والصخور البركانية تحتوي أيضًا على مركبات مشعة يمكن استخدامها في التأريخ الجيولوجي الدقيق، لذا فإن هذه الصخرة، وهي واحدة من أقدم الصخور في فوهة جيزيرو، يُمكن استخدامها في تضييق النطاق الزمني لتكون هذه المنطقة قبل مليارات السنين.

كان الفريق قد وضع قيادة العملية في يد الحفار في مساء الخامس من أغسطس، ومنذ تلك اللحظة وحتى إغلاق أنبوب العينة وتخزينه، جرت العملية آليًّا، ولم يكن أمام العلماء سوى الانتظار، بل حصل بعضهم -ممن سيطروا على أعصابهم– على بضع ساعات من النوم، تقول جينيفر تروسبر، مديرة مشروع "بيرسيفيرانس" بالمختبر: "استيقظنا في الثانية من صباح اليوم التالي لنرى ما إذا كان استخراج قلب الصخرة قد نجح، وقد كان"، فقد أظهرت الصور حفرةً مثاليةً في الصخرة، وأشارت عملية القياس عن بُعد إلى أن أحد أنابيب العينة جرت معالجته داخل غرفة في باطن المركبة المتجولة، وبعد بضع ساعات، وصلت صور من أنبوب عينة مغلق، تقول تروسبر: "كنا نقول في أنفسنا: واو، هذا رائع"، حتى أرسل المسبار المزيد من البيانات التي أظهرت أن الأنبوب فارغ من الداخل وليس فيه أي صخور.

وكانت الصدمة العاطفية شديدة، يقول فارلي: "لقد ظننا حقًّا أننا حصلنا على العينة، لكن هذا لم يحدث".

والآن، صار واضحًا أن صخرة الجابرو لم تكن لتتناسب مطلقًا مع الحفار في قلب الصخرة، فالصخرة مغطاة ببقع الصدأ ومحاطة بالقطع المتكسرة التي تقشرت من سطحها، ويبدو أن تركيبها قد تغير وضعف بسبب غمرها بالمياه التي كانت تفيض عبر جيزيرو، حين كانت الفوهة تحتوي على بحيرات تصب فيها أنهار، والجدير بالملاحظة أن هذه المفاجأة لم يتوقعها أحد؛ فقد اختبر المهندسون جهاز جمع العينات أكثر من 100 مرة على كوكب الأرض في غرفة تحاكي الظروف البيئية من درجة الحرارة والضغط على سطح المريخ، وجرى اختبار حفار من طراز بيرسي لاستخراج العينات على مجموعة متنوعة من الصخور التي توقَّع علماء الجيولوجيا وجودها في فوهة جيزيرو، من الأنواع الطميية الرخوة إلى البازلت البركاني شديد الصلابة.

يقول فارلي: "لم نرَ قط في نُسُق الفشل أن تختفي عينة القلب بالكامل"، لكن في حالات نادرة "رأينا نسقًا تنسحق فيه العينة وتسقط في الحفرة مرةً أخرى"، لكن هذا حدث عندما كان الحفار يثقب الصخور الطميية ذات البنية الرخوة، لا الصخور البركانية.

ويظل من الممكن أن تهزم صخرة رخوة مراوغة أخرى حفار بيرسي في محاولة مستقبلية لجمع العينات، يقول مانيش باتل، عالِم الكواكب بالجامعة المفتوحة في إنجلترا: "ثمة العديد من الأسباب التي قد تؤدي إلى تفتُّت عينة القلب إلى مسحوق"، حتى لو بدت الصخرة صلبةً من الخارج؛ فأي صخرة يمكن أن تبدو سليمة بنيويًّا من الخارج، ثم يتبين لاحقًا عند الحفر فيها أنها مليئة بالمسام أو متصدعة.

كان عدم الحصول على عينة من صخرة الجابرو أمرًا محبطًا، لكن العلماء يتعلمون بالفعل دروسًا قيمةً من هذا الفشل المؤقت، يقول باتل: "نحن نعرف الآن المزيد عن الخواص الفيزيائية للصخور على المريخ، وهذه المعرفة ستكون جمة الفائدة لجهود الحفر الجماعية المستقبلية على المريخ في مهمة ’بيرسيفيرانس‘ وما بعدها".

وعلى الأقل، حصل فريق بيرسي على بعض العزاء، تقول ماريا باز زورزانو، الباحثة بمركز الأحياء الفلكية بإسبانيا، والمستشارة الأوروبية للعينات العائدة بفريق "بيرسيفيرانس": إن العلماء أظهروا في أثناء المهمة "اهتمامًا كبيرًا بالحصول على عينة من الغلاف الجوي للمريخ"، والآن، بفضل الأنبوب الذي يحتوي على نفحة صغيرة من هواء المريخ، تحققت رغبتهم.

وتقول تروسبر إن الفريق سيتعامل مع المحاولة التالية لجمع العينات بحذر أكبر؛ فعملية جمع العينة والتخزين يمكن التدخل فيها يدويًّا في بعض المراحل، على سبيل المثال، قبل الإغلاق والتخزين، يمكن أن يطلب الفريق من بيرسي النظر في أنبوب العينة للتأكد من احتوائه على العينة الجيولوجية الثمينة قبل المتابعة.

ويقول فارلي إنه يمكن أن يوجه الفريق بيرسي ليعود إلى تلك المنطقة ويلتقط المزيد من الصخور البركانية في المستقبل، لكن في الوقت الراهن، تتجه المركبة إلى موقع جديد في جيزيرو: حدود الوحدة الجيولوجية المراوغة حيث جرت المحاولة الأولى لجمع العينات، وهي منطقة تُعرف باسم "الصخور الممهدة" أو Cratered Floor Fractured Rough، ووحدة أخرى متراصة الطبقات في الفوهة وتُسمى سيتاه، وربما تكون طبقات هذه الوحدة الثانية من رواسب أو طبقات قشرية قديمة من الرماد البركاني، وعلى كل حال، فإن خصائصها الصخرية مختلفة عن الجابرو التي كانت غارقة في المياه، ويشعر أفراد الفريق بالتفاؤل بأنهم سيحصلون هذه المرة على العينة الأولى بالغة الأهمية.

تقول تروسبر: "فلتبدأ اللعبة أيها المريخ، فلتبدأ اللعبة، سنهزمك وسنحصل على العينة الصخرية التي نريد".