مثلما يعلم كثيرٌ من العُزّاب، فإن البحث عن الحب قد يكون صعبًا حتى في أفضل الظروف. لكنّ البحث عن الحب عبر الإنترنت في ظلّ انتشار جائحة عالمية هو أمرٌ بالغ التعقيد، وينطوي على مخاطر صعبة وجديدة من نوعها. وبالرغم من استمرار استخدام تطبيقات المواعدة في أثناء فترات العزل والإغلاق الجزئي في الولايات المتحدة، يشير العُزّاب إلى أن لقاءات المواعَدة الشخصية قد توقفت تمامًا حتى الأشهر الأخيرة. ومع زيادة عدد الإصابات مجددًا، يتساءل الكثيرون عما إذا كان التفكير في الالتقاء بأشخاص جدد في أي سياق اجتماعي آمنًا -ناهيك بالالتقاء بشريكٍ جنسيٍّ محتمل.

تكيَّفَ بعض مستخدمي تطبيقات المواعدة مع الوضع الجديد، والآن يعلنون بفخرٍ على حساباتهم أنهم حاملون للأجسام المضادة لمرض كوفيد-19، في إشارة واضحة إلى أنهم قد أصيبوا بالفيروس سابقًا وأنهم الآن في وضع يتيح لهم الاختلاط بالآخرين دون قيود. لا تزال جائحة كوفيد-19 تعصف بالعالم أجمع، دون وجود لقاح أو علاج متاح الآن. فهل يمكن اعتبار النتيجة الإيجابية لاختبار الأجسام المضادة رُخصةً للمواعدة في ظل انتشار الجائحة؟

يقول بيتر تشين هونج، اختصاصي الأمراض المُعدية وأستاذ الطب بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو: "يتضح من البيانات أنه ما من شيءٍ واضح". فعلى الرغم من أن اختبارات الأجسام المضادة تساعد في تحديد ما إذا كان الشخص قد أُصيب بالفيروس من قبل أم لا، فإن هذه المعلومة قد لا تُجدي نفعًا في عالَم المواعَدة. ويضيف تشين هونج: "هناك مجموعة مختلفة من الاختبارات، لذا فالإشارة إلى أنك حامل للأجسام المضادة لا تقدّم دليلًا يُمَكِّن الآخرين من تحديد ما إذا كان الاختبار معتمَدًا من إدارة الغذاء والدواء FDA أو خاصًّا بمرض كوفيد-19. إضافةً إلى ذلك، فنحن لا نعلم مدّة بقاء الأجسام المضادة الناتجة عن حدوث عدوى طبيعية في الجسم. وقد شاهدنا بالفعل ظاهرة تجدُّد الإصابة بالمرض. فحتى وإن جاءت نتيجة اختبار الأجسام المضادة لدى أحد الأشخاص إيجابيةً قبل فترة معينة، لا يعني ذلك أن هذا الشخص محصّن ضد الإصابة حاليًّا. هذا الاختبار ليس تصريحًا للحرية الجنسية".

أشارت دراسة حالة نُشِرَت في "دورية لانسيت للأمراض المُعدية" في أكتوبر الماضي إلى واقعتي إصابة بفيروس "سارس-كوف-2" (وهو فيروس كورونا المستجد الذي يسبّب مرض كوفيد-19) لمريض واحد، وهو شاب يبلغ من العمر 25 عامًا من ولاية نيفادا، عانى أعراضًا أكثر حدَّةً في إصابته الثانية. خلُص مؤلفو الدراسة إلى أنه "ينبغي على جميع الأشخاص، سواءٌ شُخّصوا بمرض كوفيد-19 من قبل أم لا، أن يتخذوا تدابير وقائية مماثلة للوقاية من الإصابة بفيروس "سارس-كوف-2". وهناك على الأقل أربع حالات أخرى مؤكدة  لتجدُّد الإصابة بالمرض، في كلٍّ من هونج كونج وبلجيكا وهولندا والإكوادور. وقد وجد باحثون من كلية "إمبريال كوليدج لندن" مؤخرًا أن استجابة الأجسام المضادة لمرض كوفيد-19 تتضاءل بمرور الوقت، وخلصوا إلى أنه "ليس من الواضح بعدُ مقدار المناعة التي توفرها الأجسام المضادة، أو مدة استمرار المناعة". وبطبيعة الحال، لا تقتصر الأسئلة المتعلقة بالأجسام المضادة على المواعدة عبر الإنترنت فحسب، بل تنطبق على جميع الأوضاع الاجتماعية. ومعنى ذلك أن تجمعات الأعياد المقبلة والأعراس والحفلات، بل ومجرد قضاء الوقت مع الأصدقاء باتت محفوفةً بالشكّ.

تقول دانا (ليس اسمها الحقيقي)، وهي من مستخدمي تطبيق المواعَدة "تيندر" وتبلغ من العمر 38 عامًا من بورتلاند بولاية أوريجون، إنها صادفت الكثير من المحتوى المتعلق بكوفيد على الصفحات الشخصية لشركاء محتملين. تقول: "رأيت بعض التنويهات التي تفيد بخلوِّ أصحابها من مرض كوفيد في النبذة الشخصية – وكما هو الحال مع الأمراض المنقولة عبر الاتصال الجنسي، كيف يمكن لأي شخص أن يثق ثقةً تامةً بهذا النفي؟"، مشيرةً بذلك إلى الممارسة المتَّبعة بشأن الإفصاح عن الأمراض المنقولة عبر الاتصال الجنسي في الصفحات الشخصية لمستخدمي تطبيقات المواعدة بدافع من الشفافية التامة. ورغم وجود بعض التشابه بين الأمراض المنقولة عبر الاتصال الجنسي ومرض كوفيد-19 (لأن كليهما يؤثر على صحة الطرف الآخر في العلاقة)، يؤكد الخبراء أننا أمام فئتين مختلفتين من الأمراض.

يقول تشين هونج: "في حالة الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية على سبيل المثال، يكون اختبار الأجسام المضادة موثوقًا إلى حدٍّ ما، وتكون دلالته معروفة. يستخدم الأشخاص اختبار الأجسام المضادة في التطبيقات لأسباب مماثلة، غير أن دلالة الاختبار تكون مختلفةً تمامًا. ففي حالة اختبار الأجسام المضادة لكوفيد-19، يستهدف الشخص إثبات أنه محصّن ضد الإصابة. لكن الأجسام المضادة لا تعمل على هذا النحو".

الأجسام المضادة هي بروتينات على شكل حرف Y ترتبط بالفيروسات وغيرها من الأجسام الغريبة في الجسم، وتحفّز الجهاز المناعي لتدمير الأجسام الدخيلة الضارَّة. يقول تشين هونج: "تعمل الأجسام المضادة عمل الجنود، وهي أشبه بمسدس صعق فيروسي يُبطل عمل الفيروس. يمكنك الحصول على الأجسام المضادة اصطناعيًّا عن طريق الحَقن. ويمكن أن ينتجها الجسم في حال أُصبتَ بالفيروس، لحمايتك عند التعرّض للفيروس مرةً أخرى". ومع هذا، تظل المشكلة في أن العلم لا يعرف عن الأجسام المضادة لكوفيد-19 ما يكفي من المعلومات للجزم بأن نتيجة اختبار الإيجابية تعني حصانةً من الفيروس.

لم يسبق للبشر قَط التعرّف على فيروس كورونا المستجد قبل هذه الجائحة، ولا يزال هناك الكثير من المعلومات التي لا نعرفها بشأن تبايُن تأثيره على صحّتنا. فبعض المصابين يُنتجون أجسامًا مضادة عالية الجودة تكشف بكفاءة ودقّة عن الفيروس وتقضي عليه، وبعضهم يُنتجون أجسامًا مضادة أقل كفاءةً تمنحهم حمايةً جزئية، في حين لا يُنتج البعض أي أجسام مضادة على الإطلاق. واختبارات الأجسام المضادة الحالية لا تأخذ هذا التبايُن في الحسبان، ما يجعل من المستحيل معرفة مستوى المناعة لدى الشخص (إن كانت لديه مناعة من الأساس) أو إلى متى ستدوم هذه المناعة.

يرى الطبيب جيمز زيندر، رئيس قسم الأمراض السريرية بكلية الطب في جامعة ستانفورد، أن الغموض المحيط باختبار الأجسام المضادة لكوفيد-19 يجعله وسيلةً غير موثوقة في اختيار أشخاص للمواعَدة. ويقول زيندر: "لا يُكوّن الجسم استجابةً مناعيةً في جميع حالات الإصابة بمرض كوفيد-19. وهناك بعض الاختبارات الإيجابية الكاذبة، كما أنه ليس واضحًا إلى متى تستمر الحماية التي توفرها الأجسام المضادة أو مدى فاعليتها". ويشير زيندر إلى أن أفضل اختبار لاستبعاد الإصابة بفيروس "سارس-كوف-2" في الوقت الحالي هو ما يُعرف بتفاعل البوليميراز المتسلسل باستخدام إنزيم النسخ العكسي (RT-PCR)، ولكن يظل احتمال النتائج السلبية الكاذبة واردًا حتى مع استخدام هذا الاختبار.

يقول تشارلي، وهو أحد مستخدمي تطبيق "جريندر" من مدينة برايتون بإنجلترا يبلغ من العمر 37 عامًا وطلب ذكر اسمه الأول فقط، إنه مَسَح التطبيق في بداية ظهور الجائحة، لكنه عاد لاستخدامه تدريجيًّا فيما بعد. ويضيف: "حاول بعض الأشخاص إقناعي بأنهم قد أصيبوا بمرض كوفيد-19 بالفعل ولديهم أجسام مضادة، واستخدموا ذلك باعتباره تصريحًا بإقامة علاقات جنسية في أثناء الجائحة".

تقول دانا إنها واجهت رفضًا صريحًا من البعض للتدابير الوقائية المتعلقة بكوفيد-19. "الرسالة التي أتلقاها أغلب الوقت من الرجال تقول: العالَم على صفيح ساخن الآن. لنكُفّ نحن عن القلق ونمارس الجنس في أقرب وقت ممكن". وتضيف: "لا أنكر الغريزة الجنسية لدى البشر، لكن ما لا يقبله عقلي هو أن نكون في خضم جائحة عالمية، وبعض الأشخاص يتصورون أن مجموعةً من الصور الشخصية وعبارة وحيدة غير مفيدة ستكفي لإغراء فتاة كي تعرِّض صحَّتها للخطر. ابذلوا بعض الجهد أيها الرجال واجعلونا نضحك أولًا".

يقول تشين هونج إنه يتفهّم رغبة البعض في الإشارة إلى اختبار الأجسام المضادة على صفحاتهم الشخصية في تطبيقات المواعدة، مشيرًا إلى أن استخدام الشخص لهذه العبارة يعني كأنه يقول: "إنني أُولي اهتمامًا بشأن كوفيد، وأودّ أن أبيّن أني اقتطعتُ وقتًا من يومي لإجراء الاختبار ولأعبر لك عن استعدادي لبذل جهد إضافي للتقرُّب منك". ويضيف تشين هونج أيضًا أنها قد تعني أيضًا: "أشعر بالوحدة وأودّ الانتقال بعلاقتنا إلى المرحلة التالية، وقد سئمتُ من الحديث عبر تطبيق "فيس تايم" ومن التباعد الاجتماعي".

تقول كاميل (ليس اسمها الحقيقي)، البالغة من العمر 30 عامًا من مقاطعة أورانج في كاليفورنيا، إنها رأت الكثير من التعليقات المتعلقة بكوفيد-19 على تطبيقي المواعدة «هينج» و«كوفي ميتس بيجل». وعندما حدث توافُق بينها وبين أحد العاملين في مستشفى، الذي عبَّر عن قلقه الشديد من الفيروس، شعرتْ أن الالتقاء بهذا الشخص وجهًا لوجه يمكن أن يكون خيارًا حقيقيًّا. تقول كاميل: "بدأنا بتبادل الرسائل عبر الإنترنت ثم تحدَّثنا بضع مرات عبر مكالمات الفيديو إلى أن شعرنا بالارتياح لفكرة اللقاء وتناول القهوة بأمان مع مراعاة التباعد الاجتماعي". لكن بعدها أصيب شريك كاميل المحتمل بمرض كوفيد-19، وكان متلهِّفًا لتحديد موعدٍ آخر، حتى قبل أن يتأكد من سلبية نتيجة الاختبار. تضيف كاميل: "كنت لا أزال أشعر بالقلق وطلبت منه أن ننتظر، لكنه لم يتفهّم ذلك، وقال إنه لم يكن مضطرًّا إلى إبلاغي بإصابته من الأساس، وهو ما جعلني أشعر بالذعر. فهناك على الأرجح أشخاص مصابون بمرض كوفيد يستخدمون تطبيقات المواعدة ولا يكترثون لأمر مَن يلتقون بهم".

بعد شهور من الغموض، لا يزال كثيرٌ من الناس يحاولون إيجاد إجابات لبعض الأسئلة المرتبطة بمرض كوفيد-19، ومنها ما إذا كان بإمكان شخص لديه أجسام مضادة نشطة حاليًّا أن ينقل الفيروس إلى شخص آخر ليس لديه أجسام مضادة. يرى تشين هونج أننا لسنا بحاجة إلى الانشغال بهذا السيناريو، ويقول: "من المستبعد أن ينتقل فيروس سارس-كوف-2 من شخص لديه أجسام مضادة إلى شريك غير مصاب. هناك احتمال نظري أن يكون الشخص الحامل للأجسام المضادة أشبه بسطح كبير، كمقبض الباب، إذا لمسته ثم لمست أنفك أو فمك فستصاب بالعدوى. لكن هذا الاحتمال مستبعَد الحدوث، لأنها ليست أفضل طريقة لانتقال العدوى".

فما الذي يفعله العُزَّاب إذًا في هذه الظروف الاستثنائية؟ تقول ميليسا كوشينج مدير طبّ نقل الدم ونائب رئيس طب المختبرات بمستشفى نيويورك-بريسبيتيريان وكلية طبّ وايل كورنيل: "نصيحتي أن تتريّث في التعرُّف على الطرف الآخر قبل مقابلته وجهًا لوجه. تأكّدْ من أنك تعي المخاطر المتعلقة بكوفيد-19 التي يتعرض لها هذا الشخص يوميًّا (مثل عدم ارتداء كمامة، أو عدم تجنُّب التجمعات... إلخ)؛ لأن هذه المخاطر ستهدّدك أنت أيضًا. يجب أن تشعر بالارتياح إزاء كيفية تعامُل هذا الشخص مع جائحة كوفيد-19. فنتيجة اختبار واحد تقل أهميةً بكثير عن السلوكيات التي يمارسها الشخص يوميًّا".

وفي محاولة للتخفيف من حدَّة الضغوط الناتجة عن حالة الغموض السائدة، توفر التطبيقات الآن خياراتٍ رقميةً جديدة للمواعدة مثل "أدوات المواعدة الافتراضية" في تطبيق "بامبل". ومؤخرًا أطلق تطبيق "تيندر" خدمة "وجهًا لوجه" Face to Face، وهي خاصية جديدة لمكالمات الفيديو. أيضًا تعاوَن "تيندر" مع بيتر بيتس، رئيس "مركز الطب للمنفعة العامة"، لصياغة ما يسمِّيه التطبيق "النصائح الخمس للعودة إلى المواعدة على أرض الواقع". فإلى جانب الدعوة إلى ارتداء الكمامات ومراعاة التباعد الاجتماعي في أثناء اللقاءات الشخصية، يوصي بيتس مستخدمي التطبيق بإجراء الفحص إذا أمكن، ويضيف: "تذكّروا أنه حتى وإن كنتم حاملين للأجسام المضادة، عليكم دومًا اتباع عادات صحية سليمة والاهتمام بالنظافة الشخصية. فليس واضحًا بعد ما إذا كانت الأجسام المضادة تقيك الإصابة أو تقلل من احتمالات نقلك للمرض".

استمرت تيريسا (ليس اسمها الحقيقي)، المقيمة في سان فرانسيسكو والبالغة من العمر أربعين عامًا، في استخدام تطبيقات المواعدة خلال الجائحة، وتقول إنها أصبحت تعتاد حياة العزوبيّة بشكلها الجديد في عصر كوفيد-19. تقول تيريسا: "سأستمر في المواعدة. فأنا شخص مسؤول وأتصرف بشكل مسؤول عند المواعدة. ولأنك لن تعرف أبدًا ما إن كان الطرف الآخر صادقًا، فليس بوسعك إلا أن تأخذ احتياطاتك وأن تثق بحدسك".