ملحوظة من المحرر (12/3/2019): نُشر هذا المقال للمرة الأولى في يوم 12 مارس 2009، ولكنه يُنشر من جديد في الذكرى الثلاثين لميلاد الشبكة العنكبوتية العالمية.

________________________________________

في هذا الشهر قبل عشرين عامًا، ابتكر مستشار برمجيات يدُعى تيم بيرنرز-لي، بينما كان يعمل لدى المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (المعروفة باسم «سيرن» CERN)، خطةً لشبكة كمبيوتر مفتوحة؛ بهدف تتبُّع الأبحاث في معمل فيزياء الجسيمات الكائن في ضواحي مدينة جنيف بسويسرا. حينها كان مقدِّرًا لمقترح بيرنرز-لي -الذي أعطاه آنذاك عنوانًا متواضعًا هو "إدارة المعلومات: مقترح" وقدمه للحصول على منحة من منظمة «سيرن»- أن يصبح المخطط الأولي للشبكة العنكبوتية العالمية (الويب).

بيد أن الويب لم ينجح بين عشية وضحاها؛ ففي الواقع استغرق الأمر ما يقرب من عامين قبل أن يتمكن بيرنرز-لي -بمساعدة من روبير كايّو عالم الكمبيوتر في منظمة «سيرن» وآخرين- في يوم عيد الميلاد في عام 1990 من تحقيق أول اتصال ناجح بين متصفح ويب وخادم عبر الإنترنت. أعقب هذا النجاح سنوات عديدة من العمل الدؤوب من جانب بيرنرز-لي -الذي يبلغ عمره الآن 53 عامًا- لإقناع أساتذة الجامعات والطلاب والمبرمجين والمتحمسين للإنترنت بتصميم المزيد من متصفحات الويب والخوادم التي أحدثت فيما بعد طفرةً في عالم التواصل البشري.

في يوم الجمعة الموافق 13 مارس، سيجتمع بيرنرز-لي وكايّو وغيرهما من رواد الويب في مقر منظمة «سيرن» للاحتفال بالذكرى العشرين لميلاد المقترح الأصلي. للتعرُّف على القصة الحقيقية لميلاد الويب، وبطبيعة الحال قصة الرجل الذي كان له الفضل في هذه الفكرة، أجرى موقع مجلة «ساينتفك أمريكان» (SciAm.com) حديثًا مع محرر المجلة مارك فيسكتي، الذي شارك مع بيرنرز-لي، في عام 1999، في تأليف كتاب «نسج الشبكة: الشبكة العنكبوتية العالمية بين الماضي والحاضر والمستقبل بقلم مخترعها» Weaving the Web: The Past, Present and Future of the World Wide Web by its Inventor، وهو كتاب مبدع يحلل الإنجاز الذي حققه بيرنرز-لي ويحتفي به بعد عقد من ميلاد الويب.

(فيما يلي تفريغ مُحرَّر لنص المقابلة).

لماذا كانت منظمة «سيرن» المكان الذي ابتُكرَت فيه الويب؟

في ثمانينيات القرن العشرين، كان تيم بيرنرز-لي مستشارًا للبرمجيات لدى منظمة «سيرن»، وعندها كان قد بدأ تطوير تطبيق «تانجل» Tangle للمساعدة في تتبُّع الأعداد الكبيرة من العلماء والمشروعات، والعديد من الحواسيب غير المتوافقة فيما بينها داخل منظمة «سيرن». كان الآلاف من الباحثين يسافرون إلى مقر المنظمة ويُجرون تجاربهم باستخدام حواسيبهم الخاصة (التي كانوا يحضرونها معهم)، ومن ثم يعودون إلى بلدانهم لمعالجة البيانات. وقد كان استيعاب العديد من الحواسيب غير المتوافقة أمرًا شاقًّا للغاية في المنظمة، وكان على هذه الأجهزة أيضًا أن تعمل مع الحاسوب الرئيسي في المنظمة، الذي كان -في الواقع- يدير المُسرِّعات الضخمة للجسيمات. كان تيم مسؤولًا عن مساعدة جميع الأشخاص وجميع الأجهزة على العمل بتناغم، ورأى تيم أن الأمور ستكون أسهل كثيرًا إذا أصبح بإمكان الحواسيب تَبادُل المعلومات فيما بينها مباشرةً، وفي ذلك الوقت لم تكن ثمة وسيلة تتيح تواصل الحواسيب بعضها مع بعض.

يمثل شهر مارس 2009 الذكرى العشرين لاقتراح تيم بيرنرز-لي أول مرة للمشروع الذي أصبح فيما بعد الشبكة العنكبوتية العالمية.. ما الذي ألهم الرؤية الأوسع لهذا المشروع؟

قدم بيرنرز-لي المقترح إلى إدارة «سيرن» في مارس 1989 ليحصل على التمويل والموافقة الرسمية على تكريس بعض وقته للعمل على هذا المشروع، ولكن في خِضَمِّ التفكير في حل مشكلة عدم التوافق بين الأجهزة، أدرك بيرنرز-لي أنه من الأفضل تمكين العلماء من مشاركة بياناتهم بعد عودتهم إلى مختبراتهم، بل وعندها سيكون بإمكانهم أيضًا إجراء بعض تجاربهم في «سيرن» عبر شبكةٍ ما من المكان الذي يوجدون فيه، إذا ما تمكنت أجهزة الكمبيوتر البعيدة في «سيرن» من التواصل عبر الإنترنت. الإنترنت في حد ذاته ليس إلا مجموعة من الأسلاك مع بروتوكول لإرسال المعلومات عبر هذه الأسلاك، وكان مقررًا للويب أن تكون تطبيقًا يعمل على الإنترنت. وقد كان من قبيل المصادفة فحسب أن الويب، كما اتضح، صارت أفضل تطبيق للإنترنت على الإطلاق (كانت بعض تطبيقات الإنترنت الأخرى موجودة بالفعل، ومن بينها بروتوكول نقل الملفات FTP والبريد الإلكتروني).

ما هي الابتكارات الرئيسية التي شكلت الويب؟ ومَن الذي ابتكرها؟

الابتكارات الثلاثة الأساسية هي بروتوكول نقل النص التشعبي (HTTP)، والمعرِّفات الموحدة لمواقع المصادر (URLs) -التي كان تيم يطلق عليها في الأصل اسم "المؤشرات الموحدة للمصادر (URIs)- ولغة ترميز النص التشعبي (HTML). يتيح بروتوكول نقل النص التشعُّبي إمكانية النقر على أحد الروابط والانتقال إلى ذلك المستند أو صفحة الويب، أما المعرِّف الموحد لموقع المصدر فهو بمنزلة العنوان اللازم للعثور على ذلك المستند أو تلك الصفحة. وتمنحك لغة ترميز النص التشعبي القدرة على وضع الروابط في المستندات والصفحات كي يتم ربطها. أنشأ تيم هذه الأجزاء الثلاثة من الأكواد البرمجية في الفترة بين أكتوبر وديسمبر من عام 1990.

ما التشبيه الأمثل الذي يمكنه شرح طريقة عمل الويب؟

يشبِّه تيم الأمر باقتصاد السوق، ففيه يمكن لأي شخص المتاجرة مع أي شخص آخر دون الحاجة إلى الذهاب إلى سوق حقيقي للقيام بذلك. كل ما يحتاج إليه المتاجرون هو معرفة القواعد. الجزء الذي يجد الكثيرون صعوبةً في فهمه بشأن الويب هو أنها شبكةٌ لا مركز لها، أي حاسوب (أو عقدة بالمصطلحات الرياضية) يمكنه الاتصال بأي حاسوب آخر مباشرةً دون الحاجة إلى المرور بنقطة اتصال مركزية. كل ما تحتاج إليه الحواسيب هو معرفة قواعد الاتصال.

استطاع بيرنرز لي الدخول على أول صفحة ويب على أول خادم ويب باستخدام أول متصفح ويب في يوم عيد الميلاد من عام 1990.. لماذا استغرق الأمر المزيد من الوقت حتى عام 1993 ليسمع عامة الناس عن هذا الاختراع؟

بمجرد أن تأكد تيم وروبير كايّو من نجاح الويب، أرادا إذاعة الخبر. وبعد الحصول على دعم وموافقة «سيرن»، قضى تيم عام 1991 مسافرًا من بلد إلى آخر حول العالم للاجتماع بأشخاص كان لديهم اهتمام بالنصوص التشعبية والإنترنت والربط لابتكار متصفحات ويب من أجل تمكين الدخول إلى مستودع المعلومات المتنامي الذي كان موجودًا على حاسوب تيم في «سيرن» في ذلك الوقت. كان تيم يشجع المتحمسين على إنشاء خوادم خاصة بهم، وهنا كان لتطبيقات المراسلة من النوع Listserv دورٌ في نشر الأمر بين عدد كبير من الناس، وأدت برامج علوم الحاسوب في الجامعات الدور نفسه، فقد كانت هذه البرامج الدراسية تنظر إلى كتابة أكواد المتصفحات والخوادم باعتبارها طريقةً رائعةً لحث الطلاب على التجريب. (أحد أشهر هذه المشروعات كان تحت قيادة مارك أندريسين من جامعة إلينوي، وبعدها حوَّل أندريسين مشروعه إلى المتصفح «نتسكيب» Netscape). ورغم ذلك، بدأ القلق يساور تيم من أن الجامعات وشركات مثل شركة مايكروسوفت قد تنشئ شبكاتها الخاصة، وهذه الشبكات قد تصبح منافِسةً للويب أو تفرض رسومًا على المحتوى، الأمر الذي كان سيمثل خرقًا لمبدئه الأساسي المتمثل في أن أي شخص يجب أن يكون له الحق في التواصل بحُرية مع الآخرين. لمنع حدوث هذا، أقنع تيم إدارة «سيرن» بنشر جميع أكواد المصدر الخاصة به بموجب ترخيص عام؛ حتى يتسنى لأي مبرمج في أي مكان في العالم استخدامها مجانًا. كان تيم يرى أنه إذا كان للعالم بأسره أن يتعاون في بناء الويب، فلن تستطيع أي شركة الاستحواذ عليها بمفردها.

ما الذي جعل الويب تحقق هذا النجاح والانتشار في نهاية المطاف؟

لقد صمم تيم الويب بحيث تكون وسيلةً اجتماعيةً في المقام الأول، وليس وسيلةً تقنية. لقد صممها كمنظومة لتحقيق التواصل بين الناس من خلال حواسيبهم، وقد نجح البناء الأساسي للويب بسبب هذا. ولكن عموم الناس لم يظهروا في الصورة بشكل واضح حتى منتصف تسعينيات القرن العشرين، عندما قامت شركات مثل شركة «نتسكيب» وشركة «إيه أو إل» AOL [أمريكا أونلاين] بالترويج لمتصفحاتها كمنتجات تجارية. كانت هذه الشركات ترسل عبر البريد التقليدي أقراصًا مضغوطةً مجانيةً تحوي برامج تنصيب متصفحاتها؛ حتى يتسنى للمستخدمين الدخول إلى الويب، على أمل أن المستخدمين سيكتشفون -بمجرد دخولهم إلى الويب- الخدمات التي كانت هذه الشركات تعرضها مقابل رسوم، مثل حسابات البريد الإلكتروني.

لماذا ترك بيرنرز-لي منظمة «سيرن» بشكل مفاجئ ليبدأ ائتلاف الشبكة العنكبوتية العالمية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في عام 1994، في وقت بدأت فيه الويب في التوسع بسرعة كبيرة؟

في ذلك الوقت، كانت الويب تتحول إلى قوة هائلة، وكانت القوى التجارية تهدد بالفعل تلك المبادئ الأساسية، ولم تكن أنشطة منظمة «سيرن» تتضمن الإشراف على أنظمة الإنترنت أو تطبيقاته؛ فالمهمة التي أنشئت من أجلها المنظمة هي إجراء تجارب في فيزياء الطاقة العالية. ولم يكن بمقدور تيم الاعتناء بهذا الأمر والبقاء هناك في الوقت نفسه، ولذا انتقل إلى مختبر علوم الحاسوب التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي أصبح مقرًّا لاستضافة ائتلاف الشبكة العنكبوتية العالمية الجديد، واستقر تيم هناك من حينها.

ما أكثر ما فاجأ تيم فيما يتعلق بتطور الويب؟

أكثر ما فاجأ تيم هو أنه على مدار سنوات أصبح لدى الناس اهتمام أكبر بتصفح الإنترنت للوصول إلى المحتوى وقراءته مقارنةً باهتمامهم بصناعة المحتوى. لقد كان أول متصفح يستخدمه تيم -وهو متصفح «وورلد وايد ويب» WorldWideWeb- عبارة عن برنامج للتصفح وتحرير النصوص في الوقت نفسه. كان البرنامج يتيح لك كتابة صفحاتك الخاصة، ونشرها على الإنترنت، وتحرير الصفحات التي نشرها أشخاص آخرون. ولم تكن المتصفحات المتاحة بشكل تجاري تتيح إمكانية التحرير هذه، وقد أصاب هذا تيم بالإحباط لعدة سنوات؛ فبالنسبة له كانت فكرة الويب في الأساس ليست مشاهدة المعلومات فقط، بل كتابتها ونشرها أيضًا، ولم يحدث هذا بشكل حقيقي إلا بظهور المدونات وما تلاها من مواقع مثل موقع فيسبوك، والتي يستطيع فيها المستخدمين نشر المحتوى بسهولة.

ما الذي يخفيه المستقبل في جعبته للويب بالنظر إلى أن الانفتاح الذي جعله بيرنرز-لي أساسًا لها بات  عرضةً لإساءة الاستخدام المستمرة من جانب أشخاص مسيئين؟

من الصعب وضع ضوابط حاكمة للويب، فقد تم تصميمها بما يتسق مع جوهر الإنترنت، ولذا فهي تتميز بالانفتاح التام. بالنسبة لتيم لا يُعَدُّ التصدي لمسائل مثل الخصوصية وحماية الملكية الفكرية أمرًا يتطلب حلًّا تقنيًّا؛ ففي المقام الأول ثمة حاجة إلى حل اجتماعي. وإذا كانت الويب متاحةً للأشخاص الخيِّرين فهي متاحة للأشخاص السيِّئين أيضًا، وطريقتنا في التعامل مع الأمن والمشكلات الأخرى على الويب يجب أن تكون مثل طريقة تعاملنا مع هذه المشكلات في المجتمع. نحتاج إلى قوانين وأعراف اجتماعية يسترشد بها الناس في سلوكياتهم. وبمجرد وضع هذه القوانين والأعراف، يمكن تطوير الطرق التقنية اللازمة لتطبيقها.