عندما انفجر بركان دي فويجو في غواتيمالا في يونيو 2018، أرسل سحابة ساخنة من الغاز والرماد والصخور انحدرت بسرعة أسفل سفح الجبل. في الكثير من مقاطع الفيديو التي صورتها الهواتف الذكية لانفجاره، غالبًا ما يبدو اندفاع الحطام بعيدًا بشكل مطمئن -إلى أن يحدث العكس فجأة.

لطالما حيّرت السرعة التي تنتقل بها هذه التدفقات من الحمم والحجارة النارية البركانية علماءَ البراكين ومخططي الحماية من الكوارث على حد سواء، تاركةً المجتمعات في المناطق النشطة بركانيًّا معرَّضةً للخطر. لكن الآن هناك دراسة جديدة تقدم تفسيرًا: تخلق القوى الموجودة ضمن التدفقات وسادةً من الهواء، تُتيح لكميات هائلة من الصخور الساخنة أن تنزلق ككرة متدحرجة على منضدة هوكي الهواء. "يبدو الأمر وكأن الحمم المتدفقة تنزلق على سطح ذي درجة احتكاك منخفضة للغاية"، وفق قول قائد البحث جيرت لوب، عالِم البراكين في جامعة ماسي، نيوزيلندا.

اصنع بركانًا بنفسك

إن تدفقات الحمم النارية -التي يمكن أن تقذف غازات حارقة، وصخورًا ورمادًا بسرعة تتجاوز 50 ميلاً في الساعة- وكذلك تدفقات الحمم الطينية شديدة الصلة بها التي تسمى لاهار (lahars)، هما المسؤولتان عن نصف الوفيات التي تسببها البراكين. إذ تحدث بشكل مفاجئ، معطيةً إنذارًا مقتضبًا، ولا يتوقع الأشخاص الموجودون في طريق الخطر أن مادةً تتكون من جزيئات صخرية شديدة الاحتكاك، تتدفق بسلاسة وسرعة كما تتدفق المياه.

يوضح اندفاع بركان دي فويغو في يونيو الماضي خطر سوء فهم تدفق الحمم النارية. غمر التدفق الحار المتهاوي قرية سان ميغيل لوس لوتيس بالكامل، مما أدى إلى مقتل 200 شخص على الأقل. قبل اندلاع البركان، لم يكن يُعتقد أن البلدة معرضة لخطر إصابة مباشرة؛ لأنها كانت بعيدة نسبيًّا عن المسار الرئيسي المحتمل لتدفق الحمم البركانية، وفقًا لقول روديجر إسكوبار وولف، عالِم البراكين في جامعة ميشيغان التقنية، والذي لم يكن مشاركًا في أبحاث لوب. "لقد عملت في البركان لسنوات عديدة، وقد فاجأني ما حدث"، وفق قوله.

يستخدم إسكوبار وولف وسواه من باحثي المخاطر نماذج لمحاولة التنبؤ بمكان التدفقات ومدى توجهها، بغرض تحديد مناطق الخطر. لكنهم لا يستطيعون قياس القيم الفيزيائية ضمن التدفقات بشكل مباشر، نظرًا إلى أن الموجة الدافقة من الصخور البركانية والرماد تميل إلى تدمير الأدوات العلمية الموجودة في مسارها. والتجارب المخبرية صغيرة الحجم لا تحاكي التدفقات بشكل جيد. وهذا يعني أن النماذج الحالية بعيدة عن الكمال، مما يجعل التجمعات البشرية القريبة من البراكين غير مهيأة على الأرجح.

قرر لوب وفريقه معرفة ما إذا كان توسيع نطاق تجاربهم قد يمنحهم فرصةً أفضل للاطلاع على ما يجري. لذا استخدموا نظامًا مشابهًا لركوب المنزلقات المائية وأطلقوا عليه اسم PELE -اختصارًا لعبارة تعني تجربة واسعة النطاق لتدفق الحمم البركانية. يبلغ طول المنزلق 12 مترًا وعرضه نصف متر. باستخدام قادوس معلّق فوق المنزلق، يمكن للفريق إسقاط ما يصل إلى 1300 كجم من المواد البركانية المسخّنة أسفل المنحدر، في حين تعمل الأدوات على قياس الضغط ودرجة الحرارة. 

أساسيات التدفق

استخدم الباحثون مواد نتجت عن اندلاع بركان تاوبو النيوزيلندي عام 232 م، الذي نشر مصادر غنية من حجر الخفاف والرماد على مسافة بضع ساعات بالسيارة من جامعة ماسي. سخّنوا الخليط إلى درجات حرارة تتراوح بين 15 و130 درجة مئوية. ومع تتبُّع التدفقات في المنزلق، لاحظوا أنه بغض النظر عن درجة الحرارة، انفصلت المادة بسرعة إلى طبقتين: إحداهما سحابة رماد منتشر بلغ ارتفاعها 4.5 أمتار، والأخرى طبقة أساسية كثيفة بلغ سُمكها 0.8 من المتر.

يكمن سرّ سرعة تدفُّق الحمم البركانية في تلك الطبقة الأساسية. يقول لوب إن الحركة السريعة للجزيئات البركانية تخلق قوة قطع شديدة في قاع الطبقة، مما يدفع بعض الجسيمات في اتجاه والجسيمات الأخرى في اتجاهٍ موازٍ ولكنه معاكس. ينتج عن القطع منطقة منخفضة الضغط تمتص الغازات بدلًا من السماح لها بالانطلاق خارج المواد المتدفقة. ويهيئ هذا لبقعة زلقة قليلة الاحتكاك من الغازات في القسم السفلي من سحابة تدفُّق الحمم البركانية -طبقة تسمح للمواد الدافقة بالتدفق حقًّا.

أدخل لوب وزملاؤه نتائجهم التجريبية إلى نموذج حاسوبي لتدفق الحمم البركانية، ووجدوا أن هذه الآلية لتقليل الاحتكاك تحدث أيضًا في مقاييس العالم الحقيقي عند درجات الحرارة البالغة 400 درجة مئوية. يقول لوب: "يبدو أن هذا يمنحنا ثقة عالية بإمكانية حدوثه في كل حالة تدفق بركاني على الأرض".

هذه النتائج، التي نُشرت يوم الإثنين في Nature Geoscience، هي الأولى من نوعها، استنادًا إلى قول آلان بورجيسر، الذي كتب تعليقًا نُشر إلى جانب الدراسة. إن القطع الذي يدفع عملية التزليق لم يظهر إلا بسبب الحجم الكبير نسبيًّا للتجربة، "وهذا ما يفسر سبب عدم ملاحظة الوسادة الهوائية حتى الآن"، وفق بورجيسر.

يتعاون لوب الآن مع باحثين في مجال النمذجة لإضافة هذه المعلومات الفيزيائية الجديدة إلى محاكيات تدفقات الحمم البركانية حول العالم؛ ليتمكنوا من مقارنة النتائج بالمسارات الفعلية التي سلكتها التدفقات في الاندفاعات التاريخية. التفاصيل المحلية لها أهميتها، كما يقول إسكوبار وولف. يختلف رماد بركان تاوبو عن الرماد الموجود في بركان دي فويجو، مثلًا، ودرجات حرارة تدفقات الحمم البركانية في العالم الحقيقي -والتي قد تؤثر أيضًا على سلوكها- وقد تتراوح بين 200 و700 درجة مئوية. ومع ذلك، فالمعلومات المتوافرة في البحث قد تثبت فائدتها الكبيرة لنمذجة المخاطر البركانية المستقبلية. "ربما لا تغطي هذه التجربة الصورة الشاملة" وفق قول إسكوبار وولف،  الذي يتابع: "لكنها تخبرنا بأمر أساسي".