في عام 2018، زُرتُ توأمين في مدينة بنجالور بالهند كانا قد خضعا مؤخرًا لعملية زراعة قوقعة الأُذُن، كانت الجِراحة قد أُجريت في الشهر السابق، وفُعِّلت قواقع الأُذُن المُستزْرَعة الخاصة بهم، أو بالأحرى شُغِّلت، بعد أسابيع قليلة من العملية الجراحية، عندما قابلتهما، كانا يعبثان بأجهزة المُعالَجة المُثبَّتة خلف آذانهما وأخذا في المسح على فروة رأسهما التي كانت لا تزال رقيقة، أرادا أن يُطلِعاني على ذلك الصندوق الكبير المصنوع من الورق المُقوَّى الذي جاءت فيه أجهزة المُعالَجة، وكان لا يزال في الصندوق أسلاك أخرى، وقطع مغناطيسية، وأغطية ميكروفون ستُستخدم فيما بعد.

وكحال هذين التوأمين، أستخدِم أنا أيضًا قواقع الأُذُن المُستزْرَعة، وإن كانت التي أستخدمها من النوع الثنائي، أي أن لديَّ جهازًا مُثبَّتًا في كل أُذُن، لكن أجهزة قوقعة الأُذُن المُستزْرَعة خاصتي وملحقاتها لم تأتني في صندوق من الورق المُقوَّى، بل كانت إحداهما في حقيبة بلاستيكية صلبة أنيقة، بينما جاءت الأخرى في حقيبة ظهْر رياضية مُقاوِمة للماء، خرجت أجهزة قوقعة الأُذُن خاصتي من مصانع المؤسسة نفسها التي صنَّعت الأجهزة التي يستخدمها التوأمان، إلا أن أجهزتي أحدث بجيلين على الأقل من تلك التي يستخدمانها، في حقيقة الأمر، لم يسبق أن توافرت أجهزة المُعالَجة التي يستخدمها التوأمان في الولايات المتحدة من قَبْل؛ فقد طُوِّرت هذه الأجهزة بَادِئ ذِي بَدْء بهدف تداولها بصفة حصرية بالبلدان النامية، وهكذا، فإن أجهزتي -على خلاف أجهزتهم- تتميز بخاصيتي إجراء المسح البيئي المتقدم ومنْع الضوضاء، وكلتاهما تُسهِّل عملية السماع في البيئات التي تنتشر فيها الضوضاء، وفوق ذلك، لديَّ أيضًا ميكروفون صغير يمكنني تقديمه للزملاء في أثناء المحاضرات أو للأصدقاء في أثناء تبادلنا الحديث في مكان مفتوح؛ حيث يَحُول هذا الميكروفون دون التشويش الذي قد يسببه تسرُّب الأصوات الخارجية غير المرغوب فيها إلى الأجهزة.

إن الهند بلد تسوده الضوضاء، في أثناء زياراتي للمدارس الابتدائية بالهند، لاحظت نوافذ مفتوحة تترامى إلى أذني عبرها أصوات حركة المرور التي عمَّت المكان، وأصوات دوران مراوح السقف، وأصوات احتكاك المقاعد المتهالكة على الأرضيات الأسمنتية، وبالتالي، فخلال وجودي في المدارس الهندية والمنظمات غير الحكومية والعيادات لأغراض بحثية ضمن نطاق عملي كمتخصص في علم الأنثروبولوجيا، غالبًا ما كنت أجد صعوبةً في الاستماع إلى أولئك الذين كنت أتحدث معهم أو أراقبهم، كان هدف التوأمين، على غرار معظم الأطفال الذين خضعوا لزراعة قوقعة الأُذُن، هو الالتحاق بمدرسة عادية نموذجية (وصاخبة بطبيعة الحال).

في مقال افتتاحي نُشِر في صحيفة "نيويورك تايمز" في عام 2018، كتبت المخرجة إيرين برودسكي: "إن الجدل حول زراعة قوقعة الأُذُن من عدمها كان ولا يزال جدلًا يدور في العالَم الأول فقط"، إلا أن نطاق سوق زراعة قوقعة الأُذُن في توسُّع مستمر، خاصةً مع ظهور الدول النامية كأسواق جديدة سريعة النمو، بالإضافة إلى ذلك، فإن الهند ودولًا أخرى، مثل باكستان وماليزيا، لديها أيضًا برامج مُموَّلة من القطاعين العام والخاص لتزويد الأطفال بأجهزة قوقعة الأُذُن المُستزْرَعة؛ إذ تُوفِّر هذه البرامج عادةً العمليات الجراحية والمُكوِّن الداخلي والمُعالِج الخارجي للجهاز، ودليلًا يُوضِّح تفاصيل الجهاز، كما تُوفِّر التأهيل على مدى عدد معين من السنوات، ولكن هذه البرامج مُكلِّفة وتتطلب شراء أجهزة قوقعة الأُذُن المُستزْرَعة من الشركات متعددة الجنسيات المُصنِّعة لها.

وتقول عالِمة السمع الأمريكية المعروفة جين ماديل مُعلَّقةً على التطورات التي تشهدها مجالات تقنية السمع وأنشطة فحص السمع والتأهيل في الولايات المتحدة: "إن الصمم اليوم ليس كما عهدناه في الماضي"، وهو ما ينطبق أيضًا على باقي دول العالَم بالنظر إلى الانتشار الواسع الذي تحظى به زراعة قوقعة الأُذُن وبعض الأساليب العلاجية مثل العلاج اللفظي السمعي، وكما تشير ماديل وغيرها من أخصائيي السمع والمُعالِجين، فإن فحص السمع المبكر لحديثي الولادة، وزرع قوقعة الأُذُن وغيرها من تقنيات السمع المتطورة، والتدخل الطبي المبكر كلها أمورٌ تتيح للأطفال المصابين بالصمم زيادة إمكانياتهم إلى أقصى حد.

وثمة خطاب يحتفي احتفاءً بالغًا بتقنية زرع جهاز قوقعة الأُذُن؛ إذ يُعَد أول جهاز إلكتروني حيوي حقيقي من نوعه، فضلًا عن كونه دليلًا على ما يمكن للتكنولوجيا أن تقدمه من سُبُل لتحسين حياة الأطفال -بل والبشر عامةً- من المصابين بالصمم ومشكلات السمع، نجد أقرب مثال على هذا النوع من الخطاب عبر بحثٍ سريع على محرك "جوجل" عن مقاطع الفيديو التي تَعرِض مشاهد لتفعيل قوقعة الأُذُن المُستزْرَعة، نرى فيها الآباء يبكون في حالة من الفرحة العارمة على إثر تفعيل مُعالِجات أجهزة قوقعة الأُذُن الخاصة بأطفالهم، وفي الهند وغيرها من المناطق، تُروِّج وسائل الإعلام لقوقعة الأُذُن المُستزْرَعة بوصفها جهازًا قد يجعل الأطفال "طبيعيين"، إن لم يجعلهم كذلك بالفعل، كما تقول وسائل الإعلام إن الأطفال الذين زرعوا قوقعة الأُذُن "يستطيعون السماع الآن".

ولكن هذا الاحتفاء بتقنية زراعة قوقعة الأُذُن يُغفِل حقيقة أن أطفال البلدان النامية يتلقون أجهزةً تعتمد على تقنيات عفا عليها الزمن فلم تَعُد تُستخدَم في البلدان الأكثر ثراءً أو لم يسبق استخدامها هناك مطلقًا، ومع ذلك، فعندما أثيرُ هذا الأمر، فإنني لا أثيره رغبةً في استحضار مناقشات لا تزال رحاها تدور حول المُفاضَلة بين لغة الإشارة واللغة المنطوقة أو أخلاقيات زراعة قوقعة الأُذُن؛ ذلك أنني أعي مواقف مجتمعات الصُّم تجاه الصمم بوصفه صورةً من صور التنوع البشري وأحترم ذلك، وقد تناوَل كتابي الأول تجارب بعض الهنود الصُّم من المُتحدِّثين بلغة الإشارة الذي كانوا يدعون إلى تكريس مزيد من الموارد لتطوير لغة الإشارة، إلا أن الإحباط قد أصابهم من جرّاء اهتمام الحكومة البالغ بزراعة قوقعة الأُذُن.

من ناحية أخرى، فإنني أعتقد أننا إذا كنا حريصين بهذا القدر على زراعة قوقعة الأُذُن للأطفال، فينبغي الاستعانة بأحدث التقنيات وأكثرها تطورًا؛ حتى يتمكن هؤلاء الأطفال من تحقيق الاستفادة القصوى من قدراتهم التي لا ينفك مؤيدو فكرة زراعة قوقعة الأُذُن والمفكرون المهتمون بقضية التنمية وخبراء الاقتصاد عن الحديث عنها، إننا ندرك أن السماع يتطلب جهدًا كبيرًا، وأن استخدام قوقعة الأُذُن المُستزْرَعة في هذا الصدد، بصرف النظر عن مدى تطور التقنية، يتطلب التعامل عبر استخدام الإشارات المتدرجة، وهو ما ينتج عنه إجهادٌ معرفي.

كما ندرك أيضًا أن تقنية السمع ذات أهمية؛ إذ تؤكد منظمة الصحة العالمية في آخِر تقرير عالمي لها عن السمع الفوائد الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية التي توفرها تقنية زراعة قوقعة الأُذُن، وفي أثناء بحثي، دأب المسؤولون في الحكومة الهندية على إخباري بأن قوقعة الأُذُن المُستزْرَعة مَكنَّت الأطفال الصُّم من أن يصبحوا مواطنين مُنتجين، فلماذا إذًا تجرى زراعة قواقع أُذُن للأطفال بتقنية غير متطورة عفا عليها الزمن الآن؟ لماذا تصِلهم حاسة السمع بصورة أقل كفاءة؟

بيد أنه ثمة استثناءات لحالة توفير الأجهزة الأقل كفاءة؛ فقد أطلقت مؤسَّسة "اسمع العالم" Hear the World، بالشراكة مع "المؤسسة العالمية للأطفال المُصابين بفقدان السمع" Global Foundation for Children with Hearing Loss، برنامجًا يُزوِّد عشرة أطفال في فيتنام بأحدث أجهزة المُعالَجة، مع الالتزام بتحديث الأجهزة بعد عدد محدد من السنوات، وذلك بهدف دعم الأطفال بأحدث الأجهزة حتى بلوغهم سن الرشد، وبالتالي، إذا كانت الدول ومنظمات المجتمع المدني ترغب في تعزيز حاسة السمع واللغة المنطوقة، فإنها بحاجة إلى توفير أجهزة السمع للأطفال دون تمييز بينهم.

فما السبب الذي يجعلني -بحكم موقعي الجغرافي- أحصُل على تقنية أكثر تطورًا من التوأمين؟ في الولايات المتحدة، يتلقى جميع الأطفال -ومن ضمنهم الأطفال المُدرَجون في برنامج "ميديك إيد" Medicaid للرعاية الصحية وبرامج الدعم العامة الأخرى- أحدث التقنيات، وإلى أي مدى قد يؤثر هذا على الحياة الحسية وقدرات الأطفال وتعظيمها؟ كل هذه أسئلة يجب طرحها في ظل التزامن بين انتشار زراعة قوقعة الأُذُن وظهور أوجُه جديدة للتمييز والإجحاف بسبب زراعة قوقعة الأُذُن دون مراعاة المساواة في توفير التقنيات الحديثة.

هذا مقال رأي وتحليل، الآراء التي عبر عنها المؤلف أو المؤلفون ليست بالضرورة آراء دورية Scientific American.