في العالم الديستوبي لرواية «1984» لجورج أورويل، تهدف حكومة أوشيانيا إلى تحقيق السيطرة على الفكر من خلال تقييد اللغة. ويشرح أحد شخصيات الرواية -ويدعى سايم، وهو عالِم لغويات يعمل على أن يستبدل بالإنجليزية لغةً فائقةَ التبسيط تسمى «نيوسبيك» (Newspeak)، أو «اللغة الجديدة»- ذلك الأمر قائلًا: «ألا ترى أن كل الهدف من اللغة الجديدة هو تضييق أفق الفكر؟»، ورغم أن أفكار سايم الخاصة كانت قصيرة العمر، فإن قيمة حججه لم تكن ذلك؛ فالكلمات وبنية اللغة يمكن أن يكون لها تأثيرٌ على أفكار مَن يتحدثها وقراراته. ينطبق هذا الأمر على الإنجليزية، واليونانية، والإينوكتيتوتية، وعلى «اللغة الجديدة». كما أنه قد ينطبق أيضًا على الشفرة العصبية، وهي المفردات الكهربائية الأساسية التي تستخدمها الخلايا العصبية في الدماغ.

إن مهمة الشفرات العصبية -مثلها مثل اللغات المنطوقة- هي نشر كل أشكال المعلومات. بعض هذه المعلومات قد يكون مطلوبًا على نحو فوري للبقاء على قيد الحياة، أما بعضها الآخر فيكون له استخدامٌ غير متعجل. وللتوفيق بين هذه الاحتياجات المختلفة، يتم فرض نوع من التوازن بين ثراء المعلومات التي يجري نقلها، والسرعة أو المصداقية التي يتم بهما نقل المعلومة. ويعتمد نطاق ذلك التوازن على سياق تداول المعلومات. إذا أخذنا مثالًا من اللغة، فإن ذكر الفيلم الشهير «الفك المفترس» في حفل عشاء قد يؤدي إلى مناقشة متأنية، وإن تكن مزعجة، حول التأثير العاطفي للفيلم. في المقابل فإن مشاهدة زعنفة ظهرية تخترق سطح الماء على الشاطئ قد تؤدي إلى كلمة واحدة يصرخ بها العديد من مرتادي الشاطئ في اللحظة نفسها: «قرش!»، ففي أحد السياقين تم ضبط اللغة لتلائم متطلبات الوفرة وثراء التعبير، أما في السياق الآخر فقد ضُبِطَت لتؤدي دورًا يتسم بالسرعة والمصداقية.

يُعتقَد أن هذا النوع نفسه من التوازن في الدماغ ناجم -في المعتاد- عن تقسيم العمل؛ فهناك مناطق معينة –كالقشرة الحزامية على سبيل المثال– تؤدي دورًا في معالجة المعلومات الخاصة بالدوافع والعواطف الأعلى مرتبةً، في حين تعمل مناطق أخرى -كاللوزة الدماغية- على إبقائك آمنًا من الأخطار المحدقة. بعبارة أخرى، تساعدك إحدى المنطقتين في حفل العشاء، بينما تساعدك الأخرى وأنت على الشاطئ. وغالبًا ما كان يتم إرجاع هذه الوظائف المتخصصة إلى أسباب تشريحية، كالقول مثلًا بأن إحدى المنطقتين تحتوي على عدد من الخلايا العصبية أكبر أو أقل مما تحتوي المنطقة الأخرى، وأن الخلايا تترابط وتتشابك على نحو يشكل منها دوائر عصبية تختلف باختلاف المنطقة. وقد ساد الاعتقاد بأنه في كلتا الحالتين تستخدم الخلايا العصبية الموجودة شفرات عصبية لها التصميم الأساسي نفسه.

إن ما تستطيع الخلايا العصبية فعله هو أن تَنْشَط أو تظلَّ صامتة. ويُنتِج التَّتابُع الزمني لحالات النشاط وحالات الصمت شفرةً عصبية، أشبه بالنُّقَط والشُّرَط في شفرة مورس. وكما هي الحال في شفرة مورس فهناك حدود نظرية لمدى ثراء المعلومات وسرعة نقلها. إن نوعًا جديدًا من شفرة مورس يتألف من ألف حرف يمكن أن يوفر إمكانيةً لتبادُل معلومات أكثر ثراءً، لكن هذا قد يتحقق على حساب سرعة إرسال إشارة الاستغاثة البسيطة SOS ومصداقيته. تُفاضِل الشفرات العصبية في تصميمها بين الثراء والسرعة، وقد ساد الافترض بأن التوازن بين الثراء والسرعة لا يتغير من خلية عصبية إلى أخرى، ومن منطقة دماغية إلى أخرى.

غير أن إلقاء نظرة أكثر تعمقًا على ما تقوله بالضبط الخلايا العصبية في القشرة الحزامية للبشر، وما تقوله خلايا اللوزة، كشف عن أن كلتا المنطقتين تُوَظِّف شفرات عصبية شديدة الاختلاف. فقد تَبيَّن أن إحدى هاتين الشفرتين مصمَّمة كي تلائم متطلبات الثراء، أما الأخرى فهي مؤهلة نموذجيًّا للتعامل مع السرعة، وهي المفاضلة المتوقعة بين الخاصيتين، في ظل ما هو معروف عن الوظيفة التي يؤديها كلٌّ من هاتين المنطقتين في الدماغ. إضافة إلى ذلك، فقد كشفت المقارنة بين دماغ الإنسان والقرد عن أنه في كلتا المنطقتين اللتين جرت دراستهما كانت الشفرة التي استُخدِمت بواسطة الخلايا العصبية البشرية أكثر ثراءً. وقد تَبيَّن أن المناطق المختلفة في الدماغ نفسه، وفي أدمغة الحيوانات المختلفة، تستخدم في واقع الأمر شفرات عصبية مختلفة.

تحمل هذه الاكتشافات -التي نُشرت في وقت مبكر من العام الحالي في دورية «سِل» (Cell)- مضامين واسعة، ويمكن أن تكون مذهلة. إن وظيفة أي دائرة عصبية –سواء أكانت تقف وراء تحديد موضع الصدى، أو الاغتذاء، أو أي سلوك آخر– تُفهَم في الغالب من خلال رسم تَشابُكاتها. وكما هي الحال في رسم الدوائر الإلكترونية هناك قطع كثيرة تعتبر تبادلية؛ فالمقاومة هي مقاومة، والمفتاح هو مفتاح، بغض النظر عن موقعهما في الدائرة. ومن ثم فإن الدائرة العصبية التي يمكن رسمها بمكونات من الخلايا العصبية للفأر، أو القرد، أو الإنسان، يُتوقع أن تؤدي العمليات الحسابية نفسها. غير أن هذه النتائج الجديدة تتحدى تلك الفكرة، إذ تَبيَّن أنه حتى الوحدات البنائية الأساسية في منطقتين مختلفتين في الدماغ الواحد يمكن أن تتصرف على نحو مختلف.

يبدو الأمر كما لو أن بعض مناطق الدماغ يستخدم مفردات إنجليزية، وبعضها الآخر يستخدم مفردات «اللغة الجديدة».

بالنظر إلى طبيعة التبايُن في هذه الدراسة بين المناطق الدماغية المختلفة، وبين الأنواع المختلفة من الحيوانات، فإن نتائجها سوف تحتاج إلى الكثير من التأييد والدعم الإضافيين قبل أن يصبح بالإمكان تبنِّيها بالكامل، وتعميمها. ولكن ما أوضحه الباحثون على الأقل هو ما يأتي: في كلٍّ من البشر والقردة الريصية، تَستخدِم الخلايا العصبية في القشرة الحزامية شفرةً عصبيةً أكثر ثراءً من تلك التي تستخدمها الخلايا العصبية للوزة. ولا يقتصر الأمر على كون هذه الشفرة أبسط في اللوزة، ولكن لوحظ أيضًا أن هناك خلايا عصبية عديدة في اللوزة تستخدم الشفرة نفسها بالتناغم بين بعضها وبعض. وكما في مثال ظهور القرش على الشاطئ، يُعتقَد أن ذلك يساعد على النقل المحكم والسريع للمعلومات الخاصة بالأخطار المحدقة. وأخيرًا فإن الشفرات العصبية المستخدمة في أدمغة البشر أكثر ثراءً منها في أدمغة قردة المكاك، بغض النظر عن المنطقة الدماغية التي جرت دراستها. وتشير هذه النتائج في المجمل إلى أن هناك مفاضلةً بين المناطق الدماغية المختلفة، وبين الأنواع المختلفة من الحيوان، من حيث الشفرة العصبية. ومن المحتمل أن تساعد هذه المفاضلة على تشكيل القدرات الإدراكية أو الحسابية للأدمغة المختلفة، وللمناطق الدماغية المختلفة.

تُبرز هذه الدراسة بشكل عام أهمية عددٍ من المسارات التي يمكن أن تسلكها الدراسات القادمة. ففي البداية، هناك الكثير من أمراض الدماغ واضطراباته التي يكون لها مظاهر فيزيائية واضحة يمكن أن تُكتشف بواسطة الأشعة السينية أو التصوير بالرنين المغناطيسي، في حين هناك أمراض أخرى كثيرة ليست لها أعراض مادية. من ثم يُحتمل أن تكون بعض التغيرات في الشفرة العصبية -حتى في ظل غياب أي مظهر آخر لإصابة أو مرض- مُسَبِّبًا مهمًّا، لكنه غير مُكتشَف، للأمراض النفسية. وربما تكون التداعيات الأهم لهذه الاكتشافات هي تلك التي تدفع إلى مواصلة البحوث على نطاق واسع. إن البيولوجيا حقل علمي يعتمد بكثافة على مدى انتقالية نتائجه، فالجملة الواحدة التي تقرؤها في أحد الكتب الدراسية للبيولوجيا يمكن أن تكون مستقاة من تجارب أُجريت على حيوانات مختلفة، وفي سياقات مختلفة. ومن ثم فإن فهم أي قطعة من قطع أحجية بيولوجية يمكن أن تكون تبادلية، وأيها لا يمكن، هو أمر لا غنى عنه لبناء النماذج الإرشادية المعرفية.

يلوح في الأفق أحد الاتجاهات المستقبلية الأخرى؛ إذ إن استخدام طرق المقارنة المعتمدة على الشفرة العصبية، كهذه الطرق التي أرساها أولئك الباحثون، يمكن أن يسمح بإجراء قياسات أقل تحيزًا للقدرات الإدراكية للحيوانات الأخرى، وهو العمل الذي يمكن في النهاية أن يعزِّز جهود المحافظة على الأنواع. لماذا نحتاج إلى هذه الطرق؟ لأننا لا نستطيع فهم الكائنات العاقلة التي لا تشبهنا. غير أن هذا لا يعني أن كائنات من هذا القبيل ليست موجودة. وباستعارة أحد الأوصاف التي استخدمها أورويل يمكن القول بأن بعض هذه الكائنات ربما يكون «جيدًا جدًّا جدًّا».