في مواجهة محدودية الإمدادات المتاحة من اللقاحات، أقدمَت المملكة المتحدة في أواخر عام 2020 على تنفيذ تجربة جريئة في مجال الصحة العامة، تتلخَّص في إرجاء موعد إعطاء الجرعة الثانية من لقاحات "كوفيد-19"، في مسعًى إلى حماية أكبر عددٍ ممكن من الأفراد، ولو جزئيًّا، ومن ثم خفض احتمالات تردِّي حالتهم الصحية إلى الحد الذي يستدعي تلقِّي الرعاية الطبية في المستشفيات، فضلًا عن الوفاة.

وقد أشارت دراسة حديثة إلى أن تأجيل موعد الجرعة الثانية من اللقاح الذي طوَّرته شركتا "فايزر" Pfizer و"بيونتيك" BioNTech (وهو من لقاحات "الحمض النووي الريبي المرسال" mRNA) من شأنه تعزيز استجابات الأجسام المضادة بعد تلقِّي الجرعة الثانية لمدة تزيد على ثلاثة أضعاف المدى الزمني المعتاد لدى المسنِّين، الذين تتجاوز أعمارهم 80 عامًا.

يقول مؤلفو الدراسة إنها تُعد أول دراسة مباشرة لبحث كيفية تأثير هذا التأجيل على مستويات الأجسام المضادة لفيروس كورونا، ولذلك، يمكن للسلطات الصحية في البلدان الأخرى الاسترشاد بها فيما تتخذ من قرارات تتصل بتحديد مواعيد تلقِّي اللقاحات لديها، وفي مؤتمر صحفي حول هذه الدراسة، صرَّحت جاياتري أميرثالينجام، عالِمة الأوبئة بهيئة الصحة العامة في إنجلترا، ومقرها لندن، وهي عضوة في الفريق الذي وضع هذه الدراسة الدراسة (التي لم تُنشر بعد)، قائلة: "تأتي هذه الدراسة لتؤيِّد الأدلة المتزايدة على أن النهج المتَّبع في المملكة المتحدة، الذي يقوم على إرجاء الجرعة الثانية، بدأ يُؤتي ثماره".

هناك كثيرٌ من لقاحات "كوفيد-19" التي تُعطَى على جرعتين، تستحث الجرعة الأولى الاستجابة المناعية، ثم تأتي الثانية لتعزيزها، ولذلك يُطلَق عليها "الجرعة المُعزِّزة" booster، ووفق التجارب السريرية التي أُجريَتْ على اللقاحات الثلاثة المعتمَدة في المملكة المتحدة، ينبغي أن يكون الفاصل بين الجرعتين الأولى والثانية مدةً تتراوح بين ثلاثة أسابيع وأربعة.

وهناك لقاحات أخرى يؤدي طول الفاصل الزمني بين جرعتيها إلى تعزيز الاستجابة المناعية المتولِّدة في الجسم، وكذلك فقد يترتَّب على تأجيل الجرعة المعزِّزة توسيع نطاق المناعة الجزئية بحيث تشمل قطاعًا أكبر أكبر من السكان، قياسًا إلى ما يحدث عند اتباع جدول للتطعيم يكون فيه الفاصل بين الجرعتين أقصَر، وفي الثلاثين من ديسمبر الماضي، أعلنت المملكة المتحدة عزمها تأجيل موعد الجرعة الثانية من اللقاح فترةً تمتدُّ إلى 12 أسبوعًا بعد الجرعة الأولى.

وللوقوف على ما إذا كان تأخير موعد الجرعة الثانية قد حقق النتيجة المرجوَّة، عكفت أميرثالينجام وزملاؤها على دراسة 175 شخصًا ممَّن تلقَّوا لقاح "فايزر"، وتتجاوز أعمارهم 80 عامًا، منهم مَن تلقَّى الجرعة الثانية من اللقاح بعد ثلاثة أسابيع من موعد الجرعة الأولى، ومنهم مَن تلقَّاها بعد 11 أو 12 أسبوعًا، قاس الفريق مستويات الأجسام المضادة للبروتين الشوكي لفيروس "سارس-كوف-2" داخل أجسام الأشخاص المطعَّمين، بالإضافة إلى تقييم استجابة نوع من الخلايا المناعية (تُعرَف بالخلايا التائية) للقاح، علمًا بأنها يمكن أن تساعد على الحفاظ على مستويات الأجسام المضادة لفترات أطول.

خلُصَت الدراسة إلى أن ذروة مستويات الأجسام المضادة كانت أعلى بثلاث مرات ونصف في أجسام الأشخاص الذين طال الفاصل بين تلقِّيهم الجرعتين الأولى والثانية إلى 12 أسبوعًا، مقارنةً بأجسام مَن تلقَّوا الجرعة المعزِّزة بعد ثلاثة أسابيع فقط، أما استجابة الخلايا التائية، فكانت ذروتها أقلَّ لدى الأفراد الذين طالَت الفترة الفاصلة بين تلقِّيهم الجرعتين، غير أن ذلك لم يتسبَّب في تراجُع مستويات الأجسام المضادة بسرعةٍ أكبر على مدى الأسابيع التسعة التالية على تلقِّي الجرعة المعزِّزة.

يقول أليخاندرو كرافيوتو، رئيس فريق الخبراء الاستشاري الإستراتيجي المعني ببرامج التحصين، التابع لمنظمة الصحة العالمية: إن تلك النتائج مطمئنة، إلا أنها تخص لقاح شركة "فايزر"، الذي لا يتوافر في عديدٍ من البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، ويرى أنه يتعيَّن على الدول أن تنظر بعين الاعتبار إلى احتمال أن تتسبَّب السلالات المنتشرة لديها في زيادة خطر الإصابة بالعدوى بعد تلقِّي جرعة واحدة فقط من اللقاح.

أما ستيفن جريفين، عالِم الفيروسات في جامعة ليدز بالمملكة المتحدة، فيؤكد أن تمديد الفترة الفاصلة بين جرعتَي اللقاح كان هو الخيار الصحيح في المملكة المتحدة، إلا أن جانبًا من النجاح يعود إلى إجراءات الإغلاق التي فُرضَت في البلاد، يقول: "خلال الفترة الفاصلة بين الجرعتين، يكون الشخص معرضًا –نظريًّا– للإصابة بالعدوى، الحلُّ الذي أثبت نجاعته في المملكة المتحدة هو الإبقاء على هذه الإجراءات، جنبًا إلى جنب مع التطعيم".