أصبحت موجات الجاذبية أحد أهم الموضوعات المتداولة في علم الفلك وأكثرها إثارةً للخلاف، وذلك منذ أول رصد مباشر لها قبل ما يقرب من خمس سنواتٍ. ومع وجود مرافق مثل «مرصد قياس تداخل موجات الجاذبية بالليزر» (ليجو)، استخدم الباحثون في الأغلب هذه التموجات في الزمكان لدراسة آلية العمل الداخلية للثقوب السوداء في أثناء اندماجها، بَيْدَ أن مرصد «ليجو» رصد أيضًا موجات جاذبية تولَّدت من أنواع أخرى من التصادمات الفلكية، مثل تصادمات بقايا نجمية فائقة الكثافة تُسمَّى النجوم النيوترونية. ولكن، يرصد مرصد «ليغو» أحيانًا موجات جاذبية تترك الفلكيين في حيرةٍ من أمرهم، كما هو الحال بالنسبة لحدث GW190425، الذي اكتُشِف في شهر أبريل الماضي، والذي عُزِيَ مؤخرًا إلى اندماج نجمين نيوترونيين.

المشكلة أنَّ بيانات مرصد «ليغو» تشير إلى أن هذا النجم الثنائي النيتروني كان فائق الوزن للغاية، إذ يعادل وزنه الثنائي معًا نحو 3.4 أمثال كتلة الشمس، وهو ما يُعَدُّ أثقل من أضخم النجوم الثنائية النيترونية التي جرى رصدها بمقدار نصف كتلة شمسية واحدة. ووفقًا لما صرَّح به تشاد هانا، عالِم الفيزياء الفلكية في جامعة ولاية بنسلفانيا المنوط برصد موجات الجاذبية، فإنه "أثقل النجوم الثنائية المعروفة بهامش كبير للغاية".

ونظرًا لهذا الوزن الفائق، يشكُّ بعض المُنظرين في أن GW190425 لم ينشأ عن تصادم نجوم نيوترونية على الإطلاق، وإنما نشأ عن شيء آخر أشد غرابةً بكثير، ألا وهو: اندماج اثنين من الثقوب السوداء البدائية (PBHs)، وهي أجسامٌ لم تُرَ قَطُّ من قبل، وتُعَدُّ مرشحًا قويًّا -وإن كان مجهولًا- لنموذج المادة المظلمة، وهو شيءٌ ما غير مرئي وغير محدَّد المعالم تتألف منه غالبية المادة في الكون. ولأنه من المفترض نظريًّا أن هذه الثقوب السوداء القديمة قد تكوَّنت بفِعل تذبذبات الكثافة في الحقَب الأولى من عمر الكون، فمن المُحتمَل أنها لا تزال موجودة حاليًّا، ومن ثمَّ يمكنها تفسير تفاوت الكتلة المُعيَّن في مشاهدات مرصد «ليجو» الأخيرة.

منذ ما يقرب من نصف قرن، افترض عالِم الكونيات ستيفن هوكينج أن الثقوب السوداء البدائية ربما تكون قد انبثقت بالكامل من مناطق الكون الوليد، التي كانت مكتظةً على نحو استثنائي بالمادة. ومنذ ذلك الحين، ذاع صيت الفكرة بين الفلكيين وعلماء الكونيات، ولاقت رواجًا على نطاق واسع، ثم خبت جذوتها بعد ذلك وتلاشت. أما اليوم، ففي ظل عدم وجود دليل مباشر على وجود الثقوب السوداء البدائية، ينظر كثيرٌ من العلماء إليها على أنها فرضية تصلح كملاذٍ أخير، لا تُؤخَذ بعين الاعتبار إلا عندما لا يوجد أي سيناريو آخر يتسق مع تلك المشاهدات بسلاسة. ومع ذلك، لا يمكن تجاهُل احتمالية أن تكون الثقوب السوداء البدائية حقيقية ومنتشرة عبر أرجاء الكون، لا سيَّما وأن عمليات البحث عن مرشحين آخرين لنموذج المادة المظلمة لم تُسفِر عن نتائج.

تُعدُّ الثقوب السوداء البدائية مرشحًا قويًّا للمادة المظلمة، وذلك لعدة أسباب، من أهمها أنها نظرًا لكونها ثقوبًا سوداء، فهي معتمة للغاية، ولكنها تمتلك قوة جاذبية ضخمة. وعلى الرغم من هذه الحقيقة، يقول هانا إن الثقوب السوداء البدائية لو كانت وفيرةً بما يكفي لأنْ تُعزى إليها كل المادة المظلمة للكون، لما جاءت المسوحات الفلكية التي رصدتها خاويةً من النتائج. وبناءً على ذلك، فإن الثقوب السوداء البدائية -حسبما يضيف- يمكن فقط أن تمثل جزءًا صغيرًا من المادة المظلمة، إن وُجدَت على أية حال.

لا يوجد إجماع آراء على ذلك. يقول خوان جارسيا-بيليدو، وهو أحد علماء الكونيات النظرية في جامعة مدريد المستقلة: إنَّ "الثقوب السوداء البدائية يمكن أن تمثل كلَّ المادة المظلمة". ويضيف قائلًا: إنَّ الخدعة تكمن في أن الأجسام القديمة قد يكون لها كتل مختلفة وليس حجمٌ واحدٌ محدد. فلو أن الثقوب السوداء البدائية تتراوح من حيث ضخامتها بين كونها تقل بمقدار ألف مرة عن الشمس وكونها تزيد بمقدار مليار مرة عنها، فلربما استطاعت أن تشكِّل كلَّ المادة المظلمة للكون. وحسبما يقول جارسيا-بيليدو، فإنَّ "جميع الضوابط المنشورة التي من المُزمع أن تستبعد أن تكون الثقوب السوداء البدائية هي المادة المظلمة تفترض أنها توجد في طيفٍ أحادي الطول الموجي، أو أحادي الكتلة، وأنها موزَّعة بانتظام في الفضاء". ولكي تبدأ نطاقات الأحجام المختلفة هذه في الظهور، سيكون على الثقوب السوداء البدائية أن تتجمع في مجموعاتٍ صغيرة، حيث يمكن أن تتصادم بين الحين والآخر وتندمج ويزداد حجمها.

ونظرًا إلى أنه من المفترض أن الثقوب السوداء البدائية قد تكوَّنت بعد الانفجار العظيم بفترة وجيزة، فقد كان يسهل على كلٍّ منها مبدئيًّا أن يندمج مع الآخر. فقد كان الكون المبكر مكانًا أصغر بكثير مما هو عليه اليوم بعد التوسُّع الهائل الذي شهده على مدى ما يقرب من 14 مليار عام، وهو ما سهَّل على الأجسام العثور على ثقوب سوداء بدائية أخرى والاقتران بها. ولكن، بينما استمر الكون في توسُّعه، وانبثقت النجوم والمجرات الأولى، أصبحت تلك الاندماجات نادرة الحدوث على نحو متزايد. ومن ثمَّ، فإنه على الرغم من احتمالية أن يكون مرصد «ليجو» قد رصدَ اندماج ثقوب سوداء بدائية، فمن غير المُرجَّح ذلك، وفقًا لما صرَّحت به عالِمة الفلك كاترينا تشاتزيوانو، أحد أعضاء فريق مرصد «ليجو» في معهد فلاتيرون بمدينة نيويورك، والباحثة المشارِكة في مجموعة دراساتٍ من المنتظَر أن تُنشَر في دورية «أستروفيزيكال جورنال ليترز» Astrophysical Journal Letters، التي تعرِّف حدث GW190425 على أنه وقع نتيجة تصادم نجوم نيوترونية.

في أبريل الماضي، بحثت التلسكوبات في جميع أنحاء العالم عن إشارة كهرومغناطيسية متكافئة، عادةً ما يُنتظر صدور مثلها إثر تصادم انفجاري بين نجمين نيوترونيين، وذلك بعدما أثار انتباههم لهذا مرصد «ليجو» إثر رصده لـGW190425. لكن، ظلت السماء مظلمة، حسبما كانت الحال عندما يصطدم زوج من الثقوب السوداء البدائية معًا. تقول تشاتزيوانو: "لم نكن نتوقع انبعاث أي ضوءٍ من جَرَّاء اندماج اثنين من الثقوب السوداء البدائية". ولكن غياب الضوء، حسبما أضافت، لا يستبعد النجوم النيوترونية. فقد كان من الممكن للنجوم النيوترونية الضخمة أن تشهد اندماجًا هادئًا إلى حدٍّ ما؛ إذ تنهار مباشرةً متحوِّلة إلى ثقب أسود قبل أن يحدث أي توهُّج في السماء. ومن المُحتمَل أيضًا أن يكون موقع الحدث في السماء في مكانٍ ما لم تتمكن التلسكوبات الموضوعة على الأرض من فحصه، كأن يكون في منطقةٍ ما وراء الشمس. وتقول تشاتزيوانو: "ولو وُجِدَ أي ضوءٍ لكان ثمة أسبابٌ وجيهة تُسوِّغ إخفاقها في رصده".

لا توفر أحدث المشاهدات إلا إشارات مثيرة بأن الثقوب السوداء البدائية ربما تكون موجودة، حيث تجتمع معًا أحيانًا في الظلام الكوني. وربما تنبعث إشارة أوضح عن زوج من الثقوب السوداء، كلٌّ منهما يقل وزنه عن وزن الشمس. ويقول هانا: «إذا عثرت على ثقب أسود أقل من الكتلة الشمسية، فإن ذلك -على أقل تقدير- نتيجة آلية لم يتنبأ أحد -من ناحية الفيزياء الفلكية- بحدوثها خارج نطاق ثقب أسود بدائي. ويؤيد جارسيا-بيليدو هذا الرأي؛ إذ يقول: «إن الدليل الدامغ سيكون اكتشاف ثقب أسود كتلته أقل بمقدار كتلة شمسية واحدة، أو ثقب أسود تزيد كتلته بمقدار 50 (مرة عن الشمس)».

على الرغم من أن مشاهدات مرصد «ليجو» قد تكون أول اكتشافٍ للثقوب السوداء البدائية، فإن كلًّا من تشاتزيوانو وهانا يتفقان على أنه من المرجح أن تكون موجات الجاذبية قد تولَّدت عن نجوم نيوترونية فائقة الوزن. وتوجد بالفعل نظريات بشأن تكوُّن تلك النجوم النيوترونية الضخمة، وهي لا تستدعي الحديث عن أي سيناريوهات نظرية منذ بزوغ الكون. وتقول تشاتزيوانو: «إنَّ احتمال أن تكون (مصادر وقوع هذه الأحداث) هي الثقوب السوداء البدائية أقل بكثير بكل تأكيد من احتمال أن تكون النجوم النيوترونية التي هي أثقل مما نراه في المجرة.الأمر غير مستحيل، ولكن احتمالية حدوثه أقل فحسب».

على الرغم من أن هانا يصف تفسير GW190425 على أنه ثنائي من الثقوب السوداء البدائية بأنه تفسير «ضعيف»، يظل جارسيا-بيليدو أكثر تفاؤلًا، إذ يقول: "إنَّ كل أحداث مرصد «ليجو» يمكن أن تُعزى إلى الثقوب السوداء البدائية". الزمن وحده -والمزيد من البيانات- سيكشفان حقيقة الأمر.