هل يمكن لتطبيق إلكتروني أن يكون هو الذي يقدم لك الوصفة الطبية القادمة؟ هناك مجموعة كبيرة من التطبيقات قيد الاستخدام، أو تحت التطوير بالفعل في وقتنا الحالي، وبإمكان هذه التطبيقات الكشف عن الاضطرابات العقلية والجسمانية ورصدها من تلقاء نفسها، أو تنفيذ العلاج بشكل مباشر.

تُعرف هذه البرامج عمومًا بالطب الرقمي، وبإمكانها تحسين الرعاية الطبية التقليدية، وكذلك توفير الرعاية الصحية للمرضى عندما يتعذر الوصول إلى الرعاية الصحية، وهي حاجة قائمة بالفعل، لكن وباء "كوفيد-19" عزَّز من أهميتها بدرجة كبيرة.

تعتمد العديد من وسائل الكشف المُساعدة على أجهزة الهاتف المحمول لتسجيل بعض من هذه الملامح، مثل صوت المُستخدم وموقعه وتعبيرات وجهه ونشاطه الرياضي ونومه ونشاط الرسائل النصية، ومن ثم تجري الاستعانة بوسائل الذكاء الاصطناعي لتحديد احتمال ظهور حالةٍ صحيةٍ ما أو تفاقُمها. فعلى سبيل المثال، يحتوي بعض الساعات الذكية على جهاز استشعار يقوم تلقائيًّا بكشف الرجَفان الأذيني –وهو خلل يطرأ على إيقاع ضربات القلب– ويُنبه الناس إلى حدوثه. ويجري العمل حاليًّا على تطوير أدوات مشابهة للكشف عن اضطرابات التنفس والاكتئاب وداء باركنسون وداء ألزهايمر والتوحد وغيرها من الأمراض. لن تحل أدوات الكشف المُساعدة تلك –أو النمط الظاهري الرقمي– محل الأطباء في أي وقت القريب، لكنها ستكون شريكًا مفيدًا في إبراز المشكلات التي تحتاج إلى المتابعة. تأخذ أدوات الكشف المساعدة كذلك شكل حبوب قابلة للبلع تحمل مستشعرات، ويطلق عليها الأجهزة الإلكترونية الميكروبيولوجية. ويجري تطوير بعضها للكشف عن أشياء مثل الحمض النووي السرطاني، والغازات التي تطلقها ميكروبات الأمعاء، ونزيف المعدة، ودرجة حرارة الجسم ومستوى الأوكسجين. وتنقل هذه المستشعرات البيانات إلى التطبيقات الإلكترونية ليجري تسجيل هذه البيانات.

وبالمثل، أمكن للعلماء تصميم تطبيقات علاجية لمجموعة متنوعة من الاضطرابات. وكان أول علاج رقمي بوصفة طبية يحصل على موافقة وكالة الأغذية والأدوية، هو تقنية "بير ثيرابيوتيكس ري سيت" Pear Therapeutics's reSET، لاضطرابات استخدام العقاقير. فتطبيق "ريسيت"، الذي حصل على تصريح بالتداول في 2018 كملحق للرعاية الصحية، يوفر علاجًا سلوكيًّا معرفيًّا، ويمد الأطباء ببيانات آنية حول رغبات مرضاهم الشديدة في التعاطي وكذلك محفزاتها. وفي وقت سابق من هذا العام، حصل تطبيق "سومريست" Somryst المخصص لعلاج الأرق وتطبيق "إنديفور آر إكس"  EndeavorRX، وهو أول علاج يقدم في صورة ألعاب فيديو للأطفال الذين يعانون من اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، على تصريح من وكالة الأغذية والأدوية.

وفي خطوة بعيدة النظر، قامت "ليومينوبيا" Luminopia، وهي شركة ناشئة تختص بصحة الأطفال بتصميم تطبيق يعتمد على تقنية الواقع الافتراضي لعلاج الغمش (العين الكسولة)، كبديل عن رقعة العين* وربما يأتي اليوم الذي يتلقى فيه طلاب الكليات تنبيهًا من ساعة ذكية تقترح عليهم طلب المساعدة في علاج الاكتئاب البسيط، عندما ترصد هذه الساعة تغيرات في نمط الخطاب والتواصل الاجتماعي، ثم قد يتوجهون إلى برنامج "ويبوت" Woebot للدردشة بهدف الحصول على استشارة تعتمد على العلاج السلوكي المعرفي.

لا يمكننا وصف تطبيقات العافية الرقمية هذه كلها بالطب الرقمي. فبالنسبة لأغلب الحالات، ينبغي إثبات أن تلك التطبيقات المخصصة لتشخيص الاضطرابات أو علاجها تتصف بالأمان والفاعلية، وذلك من خلال التجارب السريرية، وأن تحصل كذلك على موافقة تنظيمية، وبعضها قد يحتاج إلى روشتة من الطبيب. (في إبريل منحت وكالة الأغذية والأدوية استثناءات مؤقتة لأجهزة الصحة العقلية قليلة المخاطر، وذلك بغرض المساعدة في أثناء جائحة فيروس كورونا).

سلطت جائحة كورونا الضوء على أهمية الطب الرقمي. ومع تفشِّي المرض أُتيحت عشرات التطبيقات للكشف عن الاكتئاب وتوفير الاستشارات. وبالإضافة إلى ذلك، قامت المستشفيات والوكالات الحكومية عبر العالم بنشر مجموعات متنوعة من برامج خدمات ميكروسوفت للرعاية الصحية. وبدلًا من انتظار الرد في مكالمات مراكز الاتصال، أو المخاطرة بالذهاب إلى غرفة الطوارئ، فإن الأشخاص القلقين مثلًا من السعال والحمى بإمكانهم التحدث إلى برنامج يستخدم معالجة اللغة الطبيعية للسؤال عن الأعراض، وبإمكانه بناءً على التحليلات أن يصف الأسباب المحتملة أو أن يبدأ جلسة طبية عن بُعد، فيها يعمل الطبيب المختص على تقييم الحالة. وبنهاية شهر إبريل كانت البرامج قد قدمت الخدمة بالفعل لأكثر من 200 مليون استفسار حول أعراض فيروس كورونا وعلاجه. وقد قللت هذه التدخلات بشكل كبير من الضغط على الأنظمة الصحية.

بات واضحًا أن المجتمع يجب أن يولي المزيد من الاهتمام بعملية الانتقال للطب الرقمي في المستقبل؛ وذلك لضمان خضوع الأدوات لاختبارات صارمة، وحماية الخصوصية، والاندماج بسلاسة في سير عمل الأطباء. وفي ظل اتخاذ وسائل الحماية تلك، يمكن أن يؤدي النمط الظاهري والعلاجات الرقمية إلى توفير تكاليف الرعاية الصحية، من خلال الإبلاغ عن التصرفات غير الصحية، ومساعدة الناس على إحداث تغييرات قبل ظهور المرض. وعلاوةً على ذلك فإن تطبيق الذكاء الاصطناعي على مجموعات البيانات الكبيرة التي ستتولد من تطبيقات النمط الظاهري والعلاجات الرقمية، سوف يساعد على المزيد من التخصيص لطريقة رعاية المرضى بما يتناسب مع كل حالة بعينها. كذلك فإن الأنماط التي ستظهر ستعطينا كذلك أفكارًا جديدةً عن أفضل طريقة لبناء عادات صحية أكثر والوقاية من الأمراض.

* ملحوظة من المحرر (11/11/2020): تمت مراجعة هذه الجملة بعد نشرها لتحديث اسم الشركة.

أبرز ١٠ تقنيات ناشئة لعام ٢٠٢٠