الذئاب الرهيبة هي وحوش أيقونيّة، أمكن استخراج الآلاف من آكلات اللحوم المنقرضة هذه -والتي عاشت في الحقبة البلاستوسينية- من حفر قطران لا بريا في لوس أنجلوس، وقد سُلّطت الأضواء على هذه الكلاب الضخمة لبعض الوقت بفضل المسلسل التلفزيوني »صراع العروش« Game of Thrones، لكن دراسة جديدة عن علم وراثة الذئاب الرهيبة أذهلت علماء الحفريات؛ فقد وجدت أن هذه الحيوانات لم تكن ذئابًا على الإطلاق، بل كانت آخر سلالة الكلاب التي تطوّرت في أمريكا الشمالية.

ومنذ أن وُصِفَت أول مرة في خمسينيات القرن التاسع عشر، استحوذت الذئاب الرهيبة على مخيّلة الإنسان الحديث، وقد عُثِر على بقاياها في مواضع كثيرة من الأمريكتين، من ولاية أيداهو في شمال غرب الولايات المتحدة، إلى دولة بوليفيا في منتصف قارة أمريكا الجنوبية، وقد وثق الأسفلت المترشح الشهير من »لا بريا«، كيف قادت الفرائس الغارقة في القطران العديد من الحيوانات المفترسة التي عاشت في العصر الجليدي إلى موت لزج، وتكشف بقايا الذئاب الرهيبة المحفوظة بالقطران عن صيّاد مهيب يصل طوله إلى 1,82 متر، مع تكيفات في الجمجمة والفك للقضاء على الحيوانات الضخمة الهائلة التي تجاهد للهرب،

على الرغم من أن هذه الكلاب قد تطورت بشكل واضح للتعامل مع الصنَّاجات (الماستودون) والخيول والثور الأمريكي وغيرها من الحيوانات آكلة العشب الكبيرة التي كانت تجول في الأمريكتين حينها، فإن تشابه الهيكل العظمي بين الذئاب الرهيبة والذئاب الرمادية الأصغر الموجودة حاليًّا، كان يشير إلى وجود قرابة وثيقة، لطالما افتُرِض أن الذئاب الرهيبة استوطنت أمريكا الشمالية قبل أن تتبعها الذئاب الرمادية عبر معبر بيرينج البرّي من أوراسيا، ويبدو الآن أن بعض الحمض النووي المحفوظ جيدًا يغيّر القصة تغييرًا جذريًّا.

بدأت الدراسة الجديدة، التي نُشرت يوم الأربعاء 13 يناير 2021 في دورية Nature، كمحاولة لفهم الأساسيات البيولوجية للذئاب الرهيبة، تقول أنجيلا بيري، عالِم الآثار بجامعة دورهام والمؤلف المشارك للدراسة: "بالنسبة لي، بدأ الأمر بقرار الذهاب في رحلة بريّة حول الولايات المتحدة لجمع عيّنات من الذئاب الرهيبة ومعرفة ما يمكننا الحصول عليه، لأنه لم يتمكن أحدٌ من الحصول على الحمض النووي من عينات الذئاب الرهيبة في تلك المرحلة"، في الوقت نفسه، كان المؤلف المشارك كيرين ميتشل -عالِم الوراثة من جامعة أديلايد في أستراليا- يحاول أيضًا استخلاص ودراسة الحمض النووي العتيق من بقايا الذئاب الرهيبة، مثلما فعلت المختبرات الأخرى التي تعاونت في المشروع مع مرور الوقت.

كان أحد الأسئلة التي طرحها الباحثون هو: كيف كانت الذئاب الرهيبة متصلةً بالذئاب الأخرى؟ على مدى عقود، لاحظ علماء الحفريات مدى تشابه عظام الذئاب الرهيبة والذئاب الرمادية، إلى حد صعوبة التمييز بينهما أحيانًا، يقول ميتشل: "كان حدسي أن الذئاب الرهيبة ربما كانت سلالةً متخصصةً أو نوعًا فرعيًّا من الذئب الرمادي".

لكن الدليل الجديد يحكى قصةً مختلفة؛ فقد أشارت التحليلات الجينية الأولية إلى أن الذئاب الرهيبة لم تكن من الأقارب اللصيقة، تقول بيري: "أعتقد أنني أستطيع التحدّث باسم المجموعة كلها عندما أقول إن النتائج مثَّلت مفاجأةً بالتأكيد".

بعد فك شفرة تسلسل خمسة جينومات أُخذت من حفريات ذئاب رهيبة يتراوح عمرها بين 50 ألف عام و13 ألف عام، وجد الباحثون أن هذه الحيوانات كانت تنتمي إلى سلالة أكثر قِدمًا من الكلاب، ويبدو أن الذئاب الرهيبة، كما اتضح الآن، قد ترعرعت في الأمريكتين ولم تكن على قرابة وثيقة مع الذئاب الرمادية التي أتت من أوراسيا، وآخر مرة كان فيها سلف مشترك للذئاب الرمادية والذئاب الرهيبة كانت منذ حوالي 5.7 ملايين سنة، يقول الباحثون إن التشابه الشديد بين الاثنين هو حالة تطوّر متقارب، إذ تُطَوِّر الأنواع المختلفة تكيّفات متماثلة -أو حتى مظاهر- بفضل نمط الحياة المتشابه، في بعض الأحيان يكون هذا التقارب بسيطًا فقط، كتطور أجنحة الطيور والخفافيش على الرغم من اختلافها تشريحيًّا، في حالة الذئاب الرهيبة والرمادية، أدت حياتها في مطاردة الحيوانات آكلة العشب الكبيرة بغرض الحصول على بعض اللحوم الطازجة إلى تشكُّل سلالتين مختلفتين من الكلاب أنتجتا بشكل مستقل أشكالًا تشبه الذئب.

يقول جرانت زازولا، عالِم الحفريات في يوكن الذي لم يكن مشاركًا في الدراسة الجديدة: "هذه النتائج نقضت تمامًا فكرة أن الذئاب الرهيبة كانت مجرد أبناء عمومة أكبر للذئاب الرمادية"، في واقع الأمر، أدى التشابه بين الاثنين إلى اعتبار الذئاب الرمادية ممثلةً لبيولوجيا وسلوك الذئب الرهيب، من ديناميكيات المجموعات إلى صوت عواء الحيوان، تعني هوية الذئب الرهيب الجديدة أن العديد من الافتراضات السابقة -وصولاً إلى شكله في الحياة- بحاجة إلى إعادة استقصاء، ويرى زازولا أن "دراسة الحمض النووي والبروتينات العتيقة التي أُخذت من العظام الأحفورية تُعيد بسرعة كتابة العصر الجليدي والتاريخ الأحدث للثدييات في أمريكا الشمالية".

من الناحية الفنية، تعني النتائج الجديدة أن الذئاب الرهيبة قد تكون بحاجة إلى اسم جنس جديد للإشارة إلى أنها لم تعد جزءًا من جنس الكلاب Canis، الذي تنتمي إليه الذئاب الرمادية، ويقترح بيري وميتشل وزملاؤهما اسم أنوسيون Aenocyon، التي تعني "الذئب المريع"، لكن الباحثين لا يتوقعون أن تؤدي النتائج التي توصلوا إليها إلى قلب التقاليد بشكل كامل، ومن المرجح أن تستمر تسمية Aenocyon dirus بالذئب الرهيب، تقول بيري: "كُلُّ ما هنالك أنها ستنضم فقط إلى نادي الأشياء كالذئاب ذات العُرف، والتي تسمى ذئابًا ولكنها ليست كذلك حقًّا".

كما ستضيف النتائج الجديدة طبقات إلى أفكار الخبراء حول سبب اختفاء الذئاب الرهيبة في نهاية المطاف مع انتهاء العصر الجليدي الأخير، أصبحت هذه الحيوانات المفترسة مختصةً بصيد الإبل والخيول والثور الأمريكي والحيوانات آكلة العشب الأخرى في أمريكا الشمالية على مدى ملايين السنين، ومع اختفاء مصادر الفرائس هذه، اختفت الذئاب الرهيبة أيضًا، "خلافًا للذئاب الرمادية، التي تُعتبر نموذجًا للتكيف"، تقول بيري، وتتابع: "تبدو الذئاب الرهيبة أقل مرونةً بكثير في التعامل مع الأوساط البيئية والفرائس المتغيرة".

كما أن الذئاب الرهيبة لم تترك إرثًا وراثيًّا يتجاوز الحمض النووي المتحلل في عظامها العتيقة، وعلى الرغم من أن أنواع الكلاب مثل الذئاب والقيوط غالبًا ما تخلق أنواعًا هجينة، إلا أن الذئاب الرهيبة لم تفعل ذلك على ما يبدو مع أيٍّ من أنواع الكلاب الأخرى التي لا تزال على قيد الحياة اليوم، لم يجد بيري وميتشل وزملاؤهما أي دليل من الحمض النووي على التهجين بين الذئاب الرهيبة والذئاب الرمادية أو البرية (القيوط)، يلاحظ ميتشل أن الذئاب الرهيبة كانت معزولة وراثيًّا عن الكلاب الأخرى، لذا "لم يتمكن التهجين من توفير مخرج لها"، فربما كانت الذئاب الرهيبة غير قادرة على إنتاج نسل قابل للحياة مع الذئاب التي وصلت مؤخرًا من أوراسيا.

قبل 13 ألف عام، كانت الذئاب الرهيبة تواجه الانقراض، ربما يكون التطور في الأوساط البيئية القاسية والمتغيرة في أوراسيا قد منح الذئاب الرمادية ميزة، وفق ملاحظة زازولا، "أما الذئاب الكبيرة الشريرة فقد سقطت وهي مسترخية في جنوب كاليفورنيا في نهاية العصر الجليدي"، ولكن ما قد يبدو وكأنه نهاية قصة الذئب الرهيب هو مجرد بدايتها في الحقيقة، فقد أظهرت الجينات المحفوظة أن الذئاب الرهيبة وأسلافها كانت من أفضل الكلاب في الأمريكتين لأكثر من خمسة ملايين سنة، والفصول الأولى من قصتها تنتظر إعادة كتابتها.