بعد مُضيِّ عقودٍ من البحث، لم يتمكَّن العلماء من رصد ولو جُسيمٍ واحد من جسيمات المادة المظلمة. إنَّ الأدلة على وجود تلك المادة من الرسوخ بحيث لا يكاد يرقى إليها شك، غير أن أحدًا لا يعرف -حتى وقتنا الحاضر- ممَّ تتكوَّن. وقد علَّق علماء الفيزياء آمالهم منذ عشرات السنين على أن تكون المادة المظلمة ثقيلة –أي تتكوَّن مما يُسمى بالجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل (WIMP)- بما يُمكِّنهم من رصدها رصدًا معمليًّا مباشرًا.

ومع ذلك، ففي غياب أية إشارةٍ حاسمة إلى وجود تلك الجسيمات الضخمة، بعد سنواتٍ من البحث المتأنِّي، لجأ الفيزيائيون إلى توسيع نطاق البحث. ومن هذا المنطلق، عمدوا إلى إجراء تجارب جديدة، تتسمُ بدرجةٍ أعلى من الدقة، بُغية التوسُّع في جمع البيانات، بما يُتيح لهم إعادة تقييم نظرياتهم عن طريقة الكشف عن جسيمات المادة المظلمة (الأخفِّ من البروتونات) في أجهزة الرصد. وقد ظهر هذا التحوُّل في المسار البحثي جليًّا في ورقتين منشورتين في وقتٍ سابق من العام الجاري على خادم «أركايف دوت أورج» arXiv.org للمسوَّدات البحثية. وتُمثِّل هاتان الورقتان باكورة الأعمال البحثية التي تطرح إمكانية رصد ما تُنتجه المادة المظلمة من بلازمونات –وهي تجمعات من الإلكترونات تتحرك معًا داخل المادة– باستخدام كواشف بعينها.

أجرى الدراسة الأولى فريقٌ مؤلَّفٌ من باحثين متخصصين في المادة المظلمة من «مختبر مُسَرِّع فيرمي الوطني»، الذي يُشار إليه اختصارًا بمختبر «فيرميلاب» Fermilab، الواقع في مدينة باتافيا بولاية إلينوي الأمريكية، وجامعة إلينوي في أوربانا-شامبين، وجامعة شيكاغو. يقول الباحثون بإمكانية انبعاث بلازمونات من المادة المظلمة منخفضة الكتلة، ويرون أن بعض الكواشف المتاحة حاليًّا ربما كان لديها القدرة على رصدها بالفعل. وقد ألهمت هذه الدراسة عالمَي الفيزياء تونجيان لين وجوناثان كوزاتشوك، من جامعة كاليفورنيا بمدينة سان دييجو الأمريكية، فأقدَما على إجراء عملياتٍ حسابية تهدف إلى تحديد مدى إمكانية توليد المادة المظلمة منخفضة الكتلة للبلازمونات داخل الكاشف.

وفي تعليقٍ لجوردان كرنجيك -عالِم نظريات المادة المظلمة بمعمل «فيرميلاب» ومعهد كافْلِي للفيزياء الكونية بجامعة شيكاغو، وأحد المشاركين في وضع الدراسة الأولى- قال: "إننا نصيح: «بلازمون! بلازمون! بلازمون!». لِمَ لا، ونحن أمام ظاهرة موجودة بالفعل، وقويةٍ في دلالتها، نعتقد أنها قد تكون مناسِبةً لتفسير تجارب المادة المظلمة". لقد أمضى علماء فيزياء الجسيمات والفيزياء الفلكية نحو عشرة أعوام في البحث عن آليةٍ لرصد المادة المظلمة منخفضة الكتلة، ولكن لم يخطُر لهم تتبُّع البلازمونات باعتبارها بصمةً للمادة المظلمة؛ ذلك أن البلازمونات أقرب إلى مجال اهتمام الكيميائيين وعلماء المواد منها إلى الفيزيائيين.

أمَّا يونيت هوخبرج -عالِمة الفيزياء النظرية بالجامعة العِبرية بالقدس، التي وافَتْ فريق كرنجيك بتعليقاتها على الدراسة، وإنْ لم تُشارك بصفةٍ مباشرة في أيٍّ من الورقتين- فتقول: "أرى أنه طرحٌ رائع. فإذا كان [للبلازمونات] تأثيرٌ لم نكن نضعه في الحُسبان، فإن ذلك -في رأيي- يمثل نقطةً بالغة الأهمية، تستحق مزيدًا من الفحص والدراسة".

وثمَّة باحثون آخرون ينظرون إلى هذه الورقة الأولى بعين الرِّيبة. من هؤلاء كاثرين زوريك، عالِمة نظريات المادة المظلمة بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، التي لم تُشارك هي الأخرى في وضع أيٍّ من الورقتين؛ إذ وصفت تلك الدراسة بأنها "غير مُقنعةٍ على الإطلاق"، وأردَفتْ قائلة: "إنني ببساطة لا أفهم كيف لهذا النهج أن يُفلح".

ويُعرب نُوه كورينسكي -عالِم تجارب المادة المظلمة بمعمل «فيرميلاب» ومعهد كافلي للفيزياء الكونية- عن تقبُّله الانتقادات بصدرٍ رحب، ويقول: "لقد تحديناهم أن يثبتوا أننا على خطأ، وهو ما أراه مَسلكًا صحيًّا تمامًا في هذا المضمار. وهذا بالضبط هو النهج الذي يتعيَّن عليهم السعي إلى تطبيقه".

لحظة التلاقي

لكي يتعقَّب الفيزيائيون مادةً خفيَّة، تكاد أن تكون عديمة الأثر، عادةً ما ينتهجون الطريقة التالية: فمن أجل رصد جسيمات المادة المظلمة، يأخذون مادةً بعينها، ويُودِعونها في موضعٍ عميقٍ تحت سطح الأرض، ثم يوصِّلون به معداتهم، ويرقُبون ظهور إشارةٍ ما. فإذا انتقلنا إلى الحديث عن المادة المظلمة على وجه التحديد، يأمل العلماء في أن ترتطم تلك المادة بالكاشف، فتنتُج عن ذلك إلكترونات أو فوتونات أو حتى طاقة حرارية يُمكن لمعداتهم أن ترصُدها.

إن النظرية التي يقوم عليها رصد المادة المظلمة تعود إلى ورقةٍ نُشرت عام 1985، تبحث كيفية إعادة توظيف جهازٍ مخصص لرصد جسيمات النيوترينو، بحيث يُستخدم في البحث عن جسيمات المادة المظلمة. وقدَّمت الدراسة طرحًا مفادُهُ أن الجسيم الصادر من المادة المظلمة قد يرتطم بنواة ذرةٍ في الكاشف، ويصطدم بها كما تصطدم كُرتا بلياردو. من شأن هذا التصادُم أن ينقل كمية الحركة من جسيم المادة المظلمة إلى النواة، ويكون الارتطام من القوة بحيث يدفع النواة إلى إطلاق أحد الإلكترونات أو الفوتونات.

والحقُّ أنه لا عجب في هذا التصوُّر عند مستويات الطاقة العالية؛ إذ يُمكن النظر إلى الذرات في الكاشف على أنها جسيماتٌ حرة، منفصلة وغير مترابطة. لكنَّ الأمر ليس كذلك عند مستويات الطاقة المنخفضة.

يقول يوناتان كان، عالِم نظريات المادة المظلمة بجامعة إلينوي في أوربانا-شامبين، وأحد مؤلفي الدراسة الأولى: "إن الكواشف التي بين أيديكم ليست مصنوعةً من جسيمات حرة، بل هي مصنوعة من شيءٍ ما. ولا بد من فهم هذا الشيء لكي يتسنَّى لكم فهم طريقة عمل الكاشف".

وفي حالة المادة المظلمة منخفضة الكُتلة، سوف تنتقل كمية الحركة من جسيمات المادة إلى ذرّات الكاشف، كما هو الحال فيما سبق. ولكن، بدلًا من أن يكون لذلك تأثيرٌ على الذرَّات أقرب إلى تشتيت مثلث كراتِ البلياردو، قد يتسبب جسيم المادة المظلمة في إحداث حركة أشبه بالتذبذب أو المُراوَحة، بحيث تتصرف النواة -بعبارة أخرى- على نحوٍ أقرب إلى كرة تنس الطاولة.

وأوضحت لين أنه "كلما انخفضت كتلة جسيم المادة المظلمة، كان ذلك الانخفاض مصحوبًا بتأثيرات أكثر خفوتًا". هذه التأثيرات الدقيقة تتضمن ظاهرةً يرُوق للفيزيائيين أن يُطلقوا عليها «الاستثارة الجماعية». حين تتحرك عدة جسيمات في آنٍ واحد، يمكن أن نصفها بأنها كيانٌ واحد، تمامًا كالموجة الصوتية المؤلَّفة من عددٍ كثيف من الذرات المتذبذبة.

تحدث ظاهرة إطلاق البلازمونات حين تمرُّ مجموعةٌ من الإلكترونات بهذه الحركات. ولدى تذبذب مجموعة من نويِّ الذرات، يُطلَق على استثارتها الجماعية «الفونون». وفي المعتاد، لا يرى علماء الفيزياء الفلكية، وكذا فيزيائيو مستويات الطاقة العالية، ارتباطًا بين المادة المظلمة ومثل هذه الظواهر.

غير أنَّ "الأمر يختلف إذا ما زاد العدد"، على حدِّ فيليب أندرسون، عالِم الفيزياء الراحل الحائز على جائزة نوبل، في إشارةٍ إلى أن تأثيراتٍ مغايرةً تمامًا قد تطرأ عند المستويات المختلفة. فقطرة الماء، على سبيل المثال، تتبع قواعد مختلفة عن جزيء الماء (H2O) المُفرد. ويقول: "صرتُ على تمام الاقتناع بهذه الفكرة".

ومن الملاحَظ أن الورقتين تتبعان نهجين مختلفين بعضَ الشيء في تفسير إنتاج البلازمونات، لكنهما يخلُصان إلى الاستنتاج نفسه: ينبغي التنبُّه لمثل هذه الإشارات حقًّا. ووفقًا لتقديرات لين وكوزاتشوك، على وجه التحديد، قد تُنتج المادة المظلمة منخفضة الكتلة بلازمونات بمعدل يبلغ حوالي جزء واحد من 10 آلاف جزء من معدل إنتاجها لإلكترون أو فوتون مباشرة. قد يبدو معدلًا ضئيلًا، إلا أنه أكثر من كافٍ بالنسبة لعلماء الفيزياء الذين يتوخَّون الدقة.

تخبُّط في الظلام

حتى وقتٍ قريب، كانت كواشف المادة المظلمة الأكثر حساسيةً معتمِدة على أوعية ضخمة من الزينون السائل. غير أنه في الأعوام القليلة الماضية، بدأ العمل بجيل جديد من الكواشف الصلبة الأصغر حجمًا. تُعرف هذه الكواشف باختصارات ذكية، مثل EDELWEISS III، وSENSEI، وCRESST-III، وهي مصنوعة من مواد بعينها، منها الجرمانيوم والسيليكون والشيليت، وهي حساسة لاصطدامات جسيمات المادة المظلمة التي لا تُنتج سوى إلكترون واحد.

على أنَّ كل الكواشف، مهما بلغت درجة تحصينها، تكون معرَّضةً لضوضاء صادرةٍ من مصادر عدة، من بينها إشعاع الخلفية. لذا، فعلى مدار العام الماضي، أو نحو ذلك، حين بدأ العلماء المشغلون لعدة كواشف للمادة المظلمة في ملاحظة بصمات عند مستويات طاقة فاقت توقعاتهم، آثروا التكتُّم عليها.

وكانت الورقة التي كتبها كورينسكي وزملاؤه أول ورقة تُشير إلى التشابه الملحوظ بين «فوائض» الطاقة المنخفضة، التي أمكن رصدها في تجارب متفاوتة تتناول المادة المظلمة. فقد لوحظ أن العديد من هذه الفوائض تتكتل حول قيمة 10 هرتز لكل كيلوجرام من كتلة الكاشف. ولأن الكواشف مصنوعة من مواد مختلفة، وموجودة في أماكن مختلفة، وتعمل في ظروف مختلفة، يصعب الخروج بتفسير شامل لهذا التناغم المدهش بين ترددات الفوائض، عدا التفسير القائم على التأثير المتواري للمادة المظلمة. وقد استحوذ هذا النقاش على اهتمام علماء فيزياء آخرين، منهم لين، التي سارعت إلى العمل على إجراء حسابات البلازمونات. لكن حتى لين تساورها الشكوك حول ما إذا كانت نتائج التجارب التي تشهدها ناجمةً عن إطلاق المادة المظلمة للبلازمونات حقًّا، أم لا. تقول لين: "لستُ أجزم باستحالة أن تكون البلازمونات صادرةً عن المادة المظلمة، لكني لم أصل إلى القناعة التامة بعد".

سوف تخضع هذه الفرضية للاختبار مع جمع المزيد من البيانات اعتمادًا على الجيل الأحدث من كواشف المادة المظلمة. على أنَّ تحديد ما إذا كانت الكواشف قادرةً على رصد المادة الغامضة أم لا، قد يكون بحد ذاته أمرًا هامشيًّا. ذلك أن باحثي هذا المجال عاكفون على التفكير في البلازمونات، وغيرها من الطرق التي يمكن أن تتصرف بها المادة المظلمة منخفضة الكتلة، ويتبادلون الأحاديث في هذا الشأن. إنهم في حقيقة الأمر معنيُّون باستكشاف حدود دقة القياس بالدرجة الأولى.

يقول كرنجيك: "ثمة طرق عدة يمكن أن يثبت بها أننا على خطأ، وجمعيها طرق شائقة".