في أسطورة «إيكاروس» الإغريقية، مثَّلَت الأجنحة التي تذوب تحت أشعة الشمس حدثًا تراجيديًّا. لكن بالنسبة للجيش الأمريكي، فإن المركبات الطائرة التي تتبخر تحت أشعة الشمس قد تكون سلاحًا قويًّا؛ تخيل طائرة بدون طيار تختفي دون أثر بعد أن توصل الإمدادات سرًّا إلى موقع بعيد.

ابتكر مهندسون من معهد جورجيا للتكنولوجيا نوعًا جديدًا من البلاستيك، يمكنه أن يشكل صفائح مرنة، وأجزاء ميكانيكية صلبة، ثم يتلاشى في غضون مدة تتراوح بين دقائق إلى ساعات عند تعرُّضه للأشعة فوق البنفسجية، أو لدرجة حرارة تزيد على 176 درجة على مقياس فهرنهايت. ومن الجدير بالذكر أن الجهود السابقة الرامية إلى صنع مادة بلاستيكية ذاتية التدمير وفق الطلب قد واجهت صعوبةً في منع مثل هذه المواد من التحلُّل في درجة حرارة الغرفة. غير أن المادة الجديدة التي ابتكرها فريق معهد جورجيا يمكنها أن تظل مستقرةً لسنوات، ما دامت بعيدةً عن أشعة الشمس.

يمكن استخدام هذه المواد البلاستيكية أيضًا في صنع مستشعرات، تُستَخدَم في مجالَي البيئة والطب، تذوب بعد جمع البيانات، أو في صنع مواد لاصقة مؤقتة تفقد قدرتها على الالتصاق بمساعدة مسدس حراري. "إنها مواد مناسبة للغاية للاستخدام في الأشياء التي نريدها أن تتلاشى سريعًا". هكذا يقول بول كول، الكيميائي وأستاذ الهندسة الجزيئية الحيوية في معهد جورجيا للتكنولوجيا، والذي قدَّم أحدث أبحاث فريقه في الاجتماع القومي للجمعية الكيميائية الأمريكية في سان دييغو، يوم الإثنين الموافق الثامن والعشرين من شهر أغسطس الماضي.

وتناول كول في عرضه التقديمي أحدث التحسينات التي أدخلها علماء معهد جورجيا على المادة التي ابتكروها، غير أن فريقه ظل سنوات يعمل أيضًا على تطوير الوصفة التركيبية للمادة، وليس هو الفريق الوحيد الذي يحاول ابتكار مواد بلاستيكية مؤقتة. فوكالة مشروعات البحوث المتقدمة التابعة لوزارة الدفاع (DARPA) لديها برنامج كامل –يُدعى «المنظومات الداخلية الموجهة القابلة للإطلاق في الهواء وغير قابلة للاسترداد»، أو ما يُعرف اختصارًا ببرنامج «إيكاروس» ICARUS– مخصص لتمويل البحوث التي يمكنها أن تؤدي إلى ابتكار مركبات توصيل طائرة قابلة للتلاشي، ومن بينها البحث الجاري في معهد جورجيا للتكنولوجيا.

.

جناح طائرة شراعية مصنوع من بوليمر يتحلل تحت أشعة الشمس. Credit: Paul Kohl

لكن هذه المهمة شاقة. فالمادة البلاستيكية تتكون من بوليمرات اصطناعية، وهي عبارة عن سلاسل طويلة من جزيئات أصغر متصلة عن طريق روابط فائقة القوة. ولإعادتها إلى صورة وحداتها البنائية يجب كسر كل رابطة، وهو ما يشبه تمزيق قلادة خرزة بخرزة. ونظرًا إلى إمكانية تأثُّر هذه العملية بمستوى الرطوبة، ودرجة الحموضة، ودرجة الحرارة، وعوامل أخرى في البيئة المحيطة بالمادة، فمن الممكن أن تستغرق عملية التكسير شهورًا، هذا إن حدثت من الأساس. ويقول كول: "يوجد العديد من المواد البلاستيكية الاصطناعية التي تتحلل بصورة ما، لكنها عملية بطيئة وشاقة".

ومن أجل صنع مواد بلاستيكية متينة تتحلل سريعًا وفق الحاجة، وجه فريق كول وبعض الباحثين الآخرين أنظارَهم صوب جزيء يدعى «بولي فثالالدهيد» (Poly(phthalaldehyde أو ما يُعرف اختصارًا بـPPHA. وعلى غرار جميع البوليمرات، ينقسم هذا الجزيء إلى وحداته البنائية عند تسخينه لما فوق درجة حرارة معينة. لكن على العكس من المواد البلاستيكية المستخدمة في تصنيع الزجاجات وأكياس التغليف، والتي لا تتحلل إلا في درجة حرارة عالية للغاية، فإن جزيئات الـ«بولي فثالالدهيد» تتحلل وهي لا تزال في درجة حرارة أقل من درجة حرارة الغرفة. وهذه الخاصية تجعل الجزيئات سهلة التحلُّل، لكن من الصعب الحفاظ على استقرارها.

ولابتكار طريقة تجعل الـ«بولي فثالالدهيد» في حالة شبه مستقرة، ربط كول وزملاؤه السلسلة على شكل حلقة. ويقول كول: "بمقدور البوليمر أن يتفكك إلى مونمرات في اتجاه واحد فقط، ألا وهو من الطرف إلى الداخل"، ومع اتصال طرفي السلسة معًا، فإنها لا تتفكك بسهولة. ويوضح كول قائلًا: "الأمر شبيه بتقشير موزة؛ إذ يصعب تقشيرها من المنتصف". ورغم أن البنية الحلقية تحول دون تفكُّك الـ«بولي فثالالدهيد» في درجة حرارة الغرفة العادية، فإذا قام محفِّز ما بكسر رابطة واحدة، "فسيتحول البوليمر سريعًا إلى مونمرات، ويتفكك تمامًا"، وفق قول كول.

يقول أندرو دوف، أستاذ الكيمياء من جامعة برمنجهام في إنجلترا، والذي لم يشارك في البحث الجديد: "إن الطريقة التي صمموا بها البوليمر، بحيث يتفكك عند انكسار رابطة واحدة، ذكية للغاية". كما ولَّف فريق معهد جورجيا للتكنولوجيا عملية التفكك توليفًا دقيقًا، عن طريق إضافة خليط من المواد الكيميائية إلى الـ«بولي فثالالدهيد» الحلقي. فمن أجل بدء عملية تفكك البوليمر وفق الطلب، خلط الباحثون موادَّ، مكونين مركبًا يصير حامضيًّا في وجود أشعة الشمس، ثم يستهدف الروابط في البوليمر. وبغية إبطاء سرعة عملية التحلل هذه أضاف الباحثون مركبات إضافية تتفاعل مع الحمض وتضعفه، وبهذا تحظى الماكينة الطائرة البسيطة -كالطائرة الشراعية- بوقتٍ كافٍ لإتمام مهمتها.

لكن حتى في وجود الـ«بولي فثالالدهيد» في شكله الحلقي، لم يكن البوليمر مستقرًّا في البداية بما يكفي لقطع مسافات طويلة دون أن يتفكك. وقد اكتشف كول وزملاؤه أن الشوائب الموجودة في البوليمر –وهي تتكون بشكل أساسي من بقايا مركب «ثلاثي فلوريد البورون» الذي يخدم كعامل حفاز، المستخدم في تجميع سلاسل الـ«بولي فثالالدهيد» معًا– كانت هي السبب الرئيسي في عدم الاستقرار. وعن طريق إزالة كل هذه الشوائب، عزَّز الفريق مدة صلاحية المادة. ويقول كول: "من المفترض أن تظل المادة مستقرةً لمدة 20 عامًا إذا خُزنت في أماكن مغلقة في درجة حرارة الغرفة. فمصابيح الفلورسنت لا تؤثر عليها".

لكن رغم هذه التحسينات، فقد كان من الصعب استخدام المادة البلاستيكية الناتجة؛ بسبب قوامها الهش نسبيًّا. لكن كول أعلن في اجتماع الجمعية الكيميائية الأمريكية أنه نجح هو وزملاؤه في حل هذه المشكلة، عن طريق إضافة سوائل أيونية –أي أملاح في صورة سائلة– إلى المادة البلاستيكية. إذ تُغيّر هذه الإضافة من الخصائص الميكانيكية للبلاستيك بطرق متباينة؛ فأحد أنواع السوائل الأيونية، يجعل المادة البلاستيكية صلبة ومتينة، وهي سمات مثالية للاستخدام في صناعة أجنحة الطائرات الشراعية، في حين أن نوعًا آخر من السوائل يجعل المادة البلاستيكية مرنةً وقابلة للطي، بما يناسب الاستخدامات الأخرى، وذلك وفق قول كول.

وقد استخدمت وكالة مشروعات البحوث المتقدمة -التابعة لوزارة الدفاع- بالفعل هذه المادة البلاستيكية في صنع طائرات شراعية ومظلات خفيفة وقوية. وفي أكتوبر الماضي اختبرت الوكالة واحدةً من هذه المَرْكبات ميدانيًّا؛ إذ نجحت طائرة شراعية، أُسقطَت من منطاد على ارتفاعٍ عالٍ ليلًا، في توصيل حمولة وزنها ثلاثة أرطال إلى بقعة تبعد مسافة 100 ميل. وبعد أربع ساعات تحت أشعة الشمس، تلاشت المركبة واختفت، دون أن تخلِّف وراءها إلا بقعة زيتية على الأرض. ويقول كول إن المادة البلاستيكية من الممكن أن تتحلل بصورة أسرع تحت شمس منتصف النهار الساطعة، وفي بعض الحالات لا يستغرق ذلك إلا خمس دقائق.

لا تزال المادة البلاستيكية الجديدة تواجه صعوبات. فعلى سبيل المثال، شدد دوف على أن التحلُّل المستحَث ضوئيًّا سيحد من استخداماتها، وعن هذا يقول: "إنها فكرة عظيمة، لكنني لست واثقًا من أنها ستُترجَم إلى مواد بلاستيكية استهلاكية". كما أن ما تخلِّفه المادة البلاستيكية بعد تحلُّلها هو أمر مهم أيضًا. فلا شيء يتلاشى بشكل كامل، هكذا توضح آن كريستين ألبرتسون، الكيميائية من معهد KTH الملكي للتكنولوجيا في السويد. وتقول: "يجب النظر بعين الاعتبار إلى نواتج التحلُّل والكيفية التي تتفاعل بها مع البيئة".

في هذه الحالة فإن نواتج التحلُّل –البقعة الزيتية التي كانت فيما مضى طائرة شراعية تجريبية– تتألف في الأساس من السوائل الأيونية التي عالج الباحثون البوليمر بها. هذه المواد الكيميائية لها خواص مضادة للميكروبات، وتشبه تلك المواد "المستخدمة في المستشفيات في المناديل المضادة للجراثيم"، هكذا يقول كول، ويضيف: "ومع ذلك فإن هذه المواد لن تكون مناسبةً للاستهلاك البشري أو لملامسة المنتجات الغذائية، وسنحاول في المستقبل تغييرها بحيث [تكون] قابلة للتبخر".