مع استمرار ارتفاع حالات الوفيات الناجمة عن كوفيد في أنحاء الولايات المتحدة –وبالأخص بين الأشخاص الذين لم يتلقوا اللقاح– ينصبُّ الاهتمام مجددًا على العلاجات المطورة حديثًا للمرض، وتُعد العلاجات المعتمدة على الأجسام المضادة الأحادية النسيلة (mAb) من العلاجات الأكثر فاعلية، وفي هذا النوع من العلاجات، يتلقى المريض تركيزات عالية من الأجسام المضادة المصممة خصوصًا لمكافحة «سارس-كوف-2»، وهو الفيروس المسبب لمرض كوفيد.

انتشرت هذه العلاجات بشدة في ولايات أمريكية مثل فلوريدا، حيث أعداد غير المتلقين للقاح مرتفعة، وحيث كانت الولاية تعاني من تفشٍّ هائل للمتحور دلتا منذ شهر أغسطس، ومع أن رون دي سانتيس، حاكم الولاية، كان قد قلل من أهمية لقاحات كوفيد، واصفًا تلقيها بأنه اختيارٌ شخصي ليس له آثارٌ واسعة على المجتمع، فقد أشاد بالأجسام المضادة الأحادية النسيلة، وقال: "إنها أفضل ما يمكننا فعله لتقليل أعداد الأشخاص الذين يحتاجون إلى دخول المستشفيات"، ويزعم المسؤولون بالقطاع الصحي أن التلقيح طريقةٌ أفضل لتجنُّب الحاجة إلى مثل هذه العلاجات من الأساس، لكن الأجسام المضادة الأحادية النسيلة تظل فعالةً عند إعطائها للمريض في بداية العدوى.

ونشرت ولاية فلوريدا أكثر من 20 مركزًا غير إكلينيكي للحقن -من بينها مكتبات، ومسارح، وكنائس– لإعطاء الأجسام المضادة الأحادية النسيلة للمصابين بكوفيد أو الذين خالطوا أحد المصابين مؤخرًا، وبرغم ذلك، واجه العاملون بالصحة العامة صعوبات في مواكبة الطلب؛ فقد أظهرت إحدى الصور الفوتوغرافية المُلتقطة في أواخر أغسطس امرأةً مريضةً بكوفيد مستلقيةً على أرضية مكتبة جاكسونفيل وهي تنتظر جرعة الأجسام المضادة الأحادية النسيلة، وقال دي سانتيس إن أكثر من 90 ألف شخص تلقوا العلاج حتى السادس عشر من سبتمبر.

وقد تحدثت دورية «ساينتفك أمريكان» Scientific American مع عدة خبراء عن الأجسام المضادة الأحادية النسيلة، ودورها من جهود مكافحة كوفيد.

ما هي الأجسام المضادة الأحادية النسيلة؟ وكيف تعمل؟

لطالما استُخدمت الأجسام المضادة الأحادية النسيلة في علاج أمراض مثل السرطان، وأمراض المناعة الذاتية، وقد وافقت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية على نحو 100 علاج منها منذ عام 1994، ولصنع هذه الأجسام المضادة، يحقن الباحثون بروتينًا –جزءًا من «سارس-كوف-2» على سبيل المثال– في جسم فأرٍ ثم يجمعون بعض خلاياه المناعية المصنِّعة للأجسام المضادة لهذا البروتين، ثم تُدمج هذه الخلايا بخلايا السرطان البشرية ويُسمح لها بالتكاثر بحيث يمكن تصنيع هذه الأجسام المضادة المحددة على نطاق واسع وتُحقن في المرضى، ويبدو أن علاجات الأجسام المضادة الأحادية النسيلة الأكثر فاعليةً هي تلك التي تتكون من «خليط» من الأجسام المضادة التي يستهدف كل واحد منها جزءًا مختلفًا من الفيروس.

ويبدو أن علاجات الأجسام المضادة الأحادية النسيلة الحاصلة على الموافقة لعلاج كوفيد تبلغ أقصى فاعلية لها عند إعطائها بعد ظهور الأعراض مباشرةً، ويقول براندون ويب، طبيب الأمراض المعدية في منظمة «إنترماونتين هيلث كير» Intermountain Healthcare للرعاية الصحية بولاية يوتا الأمريكية: "تلك هي الفترة التي يؤدي فيها الفيروس الدور الأكبر، قبل أن يستثير المضاعفات المناعية"، فإذا استجاب الجهاز المناعي للمريض استجابةً مفرطةً للعدوى واحتاج المريض إلى التنفس الصناعي بسبب الضرر الالتهابي الذي لحق بالرئتين، فحينها يبدو أن الأجسام المضادة تكون أقل فاعليةً بكثير، بل إنها قد تكون مضرة.

ما الأجسام المضادة المتاحة؟

في الوقت الراهن، هناك ثلاثة علاجات بالأجسام المضادة الأحادية النسيلة التي تستهدف «سارس-كوف-2» متاحة بموجب تصريح الاستخدام الطارئ EUA الممنوح من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية، ويسمح هذا التصريح باستخدام العلاج في حالاتٍ بعينها، لكنه لا يُعطي موافقةً كاملة، ويبدو أن أحد هذه الأجسام المضادة، ويُدعى سوتروفيماب -من صنع شركتي «جلاسكو سميث كلاين» و«فير»- يقلل من احتمالات احتجاز المصابين بكوفيد في المستشفيات لأكثر من يوم أو احتمالات الوفاة بنسبة 79%، ويبدو أن مزيجًا يتكون من نوعين من الأجسام المضادة من صنع شركة «ريجينيرون» يحمل اسم كاسيريفيماب/إمديفيماب له الفاعلية نفسها؛ إذ يقلل احتمالات الحجز في المستشفى والوفاة بنسبة 70%.

وقد صرحت هيئة الغذاء والدواء باستخدام مزيجٍ ثالث يحمل اسم باملانيفيماب/إتيسيفيماب –من صنع شركة «إيلي ليلي»- في عام 2021، لكن وزارة الصحة والخدمات البشرية أوقفت توزيعه مؤقتًا في وقتٍ سابقٍ من العام بعد أن ثبت عدم فاعليته في مواجهة سلالات متحورة جديدة معينة، وبعد توقفٍ دام شهرين، عاد المزيج إلى الأسواق في الولايات التي تقل فيها نسبة الإصابات بالسلالات المتحورة المقاوِمة للعلاج عن 5% (وينطبق هذا حاليًّا على الولايات الخمسين كلها).

وفي شهر يونيو، صرحت وكالة الغذاء والدواء الأمريكية باستخدام مزيجٍ رابع، وهو توسيليزوماب -من صنع شركة «جنينتك»- للمصابين بكوفيد المحجوزين في المستشفيات، وعلى عكس العلاجات الأخرى التي تستهدف فيروس «سارس-كوف-2» نفسه، يستهدف توسيليزوماب جزيئًا حاملًا للإشارات يمكنه أن يتسبب في الاستجابة المفرطة لجهاز المناعة ويؤدي إلى مستويات خطيرة من الالتهاب، في عام 2010، وافقت هيئة الغذاء والدواء على استخدام توسيليزوماب في حالات التهاب المفاصل الروماتويدي، غير أن فاعليته ضد كوفيد متوسطة؛ فقد أظهرت بعض الدراسات أن 12% من المرضى الذين تلقوا العلاج بالأجسام المضادة الأحادية النسيلة احتاجوا إلى التنفس الصناعي أو ماتوا، مقارنةً بنسبة 19% الذين حصلوا على علاج وهمي.

مَن يمكنه الحصول على الأجسام المضادة الأحادية النسيلة؟

حصلت الأجسام المضادة التي أنتجتها شركات «إيلي ليلي»، و«ريجينيرون»، و«جلاسكو سميث كلاين» و«فير» على الموافقة لاستخدامها مع الأطفال في عمر 12 سنة فأكثر، والبالغين الذين لم يدخلوا المستشفيات، في حين أن الأجسام المضادة التي أنتجتها شركة «جنينتك» مخصصة للأطفال والبالغين الخاضعين لأجهزة التنفس الصناعي، لكن لا يمكن للجميع الحصول على العلاجات في الوقت الحالي؛ فتصريحات الاستخدام الطارئ تنص على أن المريض ينبغي أن يكون من الفئات المعرضة لخطر مضاعفات كوفيد لكي يتلقى تلك العلاجات، يشمل هذا الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر، والمصابين بحالاتٍ من بينها السمنة، والسكري، وأمراض القلب والأوعية الدموية.

وفي شهر أغسطس، صرحت هيئة الغذاء والدواء باستخدام الأجسام المضادة التي تنتجها شركة «ريجينيرون» لمَن تنطبق عليهم معايير الخطر، والذين خالطوا مصابًا بكوفيد لكن لم تُظهر نتائج الاختبار إصابتهم بعد.

ما الذي يتضمنه العلاج؟

في بيئة إكلينيكية، تُعطى الأجسام المضادة أحادية النسيلة على هيئة حقنٍ وريدية -مشابهة لحقن العلاج الكيميائي– لمدة 20 دقيقة، ويمكن أيضًا حقن مزيج «ريجينيرون» تحت الجلد، هذه هي الوسيلة المفضلة في المستشفيات الميدانية والبيئات غير الإكلينيكية التي يصعب فيها الحقن الوريدي، وفقًا لما تقول سوزان دوبليكي-لويس، طبيبة الأمراض المعدية بجامعة ميامي، وفي طريقة الحَقن، تُعطى أربع جرعات في آنٍ واحد، اثنتان في الذراعين واثنتان في البطن.

وبعد إعطاء علاج الأجسام المضادة أحادية النسيلة، تُراقب العيادات المرضى لمدة ساعة تحسبًا لحدوث استجابات تحسسية نادرة، وتتضمن الأعراض الجانبية الأخرى الحساسية الزائدة، والطفح الجلدي، والإسهال، وفي حين لا يجب على المرضى دفع ثمن مزيج الأجسام المضادة أحادية النسيلة نفسها، فإن بعض العيادات تطالب بثمن عملية الحَقن، التي تتطلب عاملين ماهرين في مجال الرعاية الصحية ومعدات محددة لإجراء عملية الحقن.

هل علاجات الأجسام المضادة أحادية النسيلة بديلٌ للتلقيح؟

يشدد كلٌّ من ويب ودوبليكي-لويس على أن العلاج بالأجسام المضادة أحادية النسيلة ليس بديلًا للتلقيح، وتقول دوبليكي-لويس: "للأسف، أصبح للقاح طابعٌ سياسي، لدرجة أن بعض الناس يفضل الأجسام المضادة الأحادية النسيلة بسبب طريقة الترويج لها"، لكن اللقاحات لها أعراض جانبية أقل، وهي أقل تكلفة، وأكثر توافرًا على نطاق واسع، وأسهل في إعطائها للمريض، وتكمل دوبليكي-لويس قائلة: "إن اللقاح خطوة أولى أفضل على نحوٍ واضح".

ويمكن للأشخاص الذين تلقوا اللقاح ثم أصيبوا بعدوى كوفيد شديدة أن يحصلوا على علاجات الأجسام المضادة الأحادية النسيلة إذا تحققت لديهم معايير تصاريح الاستخدام الطارئ، ويشمل هذا المصابين بضعف الجهاز المناعي الذين تقل لديهم احتمالات الاستجابة المناعية القوية للقاح، لكن على العكس، يُشير بعض الأدلة إلى أن تلقِّي علاجات الأجسام المضادة الأحادية النسيلة قبل اللقاح يقلل من قدرة اللقاح على حث الاستجابة المناعية المطلوبة؛ لأن الجسم فيه مستويات مرتفعة بالفعل من الأجسام المضادة لـ«سارس-كوف-2»، ولهذا السبب تنصح المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها بأن ينتظر مَن لم يتلقوا اللقاح ولكنهم تلقوا علاجات الأجسام المضادة أحادية النسيلة 90 يومًا قبل الحصول على الجرعة الأولى من اللقاح، لكن ويب يشدد على أنه لا يزال ينبغي عليهم تلقِّي اللقاح، ويُضيف قائلًا: "من غير الواقعي أن نظن أن بإمكاننا النجاة من هذه الجائحة عن طريق العلاج وحده".