لقد واجهنا الفشل جميعًا، ربما شعرنا به عند إفساد مقابلة عمل، أو الرسوب في اختبار نهائي، أو التعرُّض للرفض من كلية الأحلام. وسواء شئنا أم أبينا، فإن الفشل جزء من الحياة. لكن في نهاية الأمر، يقال لنا إن التغلب على العقبات الصعبة سيجعل للنجاح في المستقبل مذاقًا أفضل بكثير، ومع ذلك، ظهر بحث جديد ربما يشكِّك في هذا القول. فعلى مستوى التوقعات، على الأقل، الفشل في البداية يمكن أن يقود الناس إلى التقليل من مدى سعادة الشعور بالنجاح.

فالحياة مليئة بالعقبات، ولرد فعل الناس تجاه العقبات أهمية كبرى في قراراتهم وإنجازاتهم على حدٍّ سواء. وقد أثبت بحث سابق أن توقعات الشعور بالمتعة والسعادة تُعَدُّ عاملًا أساسيًّا، كما يلخصها السؤال التالي: "إذا تمكنتُ من تحقيق هذا الهدف، فما مدى شعوري بالسعادة عندئذٍ؟"، في دراسة حديثة، أردنا أن نفهم كيف يمكن أن تتغير هذه التوقعات عند مواجهة الفشل. هل الناس قادرون على توقع سعادتهم؟

يشير المثل القائل: "العشب دائمًا أكثر اخضرارًا على الجانب الآخر" إلى أن الناس يقضون الكثير من أوقاتهم في التوق إلى أشياء لا يمكنهم الحصول عليها، وتستغل فرق التسويق هذه النزعة من خلال تقليل الكمية المتصوَّر توافرها من منتجٍ ما لخلق إحساس بندرته وزيادة رواجه. ووفقًا لهذا المنطق، كلما كان الوصول إليه أصعب، ارتفعت قيمته، لكن هل هذا نموذج جيد يوضح كيفية تعامُل الناس العاديين مع الفشل؟

حسبما ورد في حكاية "الثعلب والعنب" التي كتبها إيسوب، غالبًا ما يكون للفشل تأثيرٌ معاكس مباشر، يقنعنا بالتخلي عن خطتنا السابقة؛ ففي هذه الحكاية، ينجذب الثعلب نحو عنقود عنب يتدلى من الكرمة ويحاول القفز للإمساك به. ولكن رغم أنه يقفز بكل قوته، فإنه يفشل في الوصول إليه، وسرعان ما يدرك أن العنب معلَّق عند مستوى مرتفع جدًّا عن الأرض. وأخيرًا، يغير الثعلب رأيه ويرحل، مستنتجًا أن العنب ربما كان حامضًا على أي حال، ووفق هذه الحكاية، يمكن للفشل أن يجعل النجاح في المستقبل أقلَّ جاذبية.

تُرى، أيهما أصدق؟ نموذج العشب أكثر اخضرارًا أم العنب الحامض؟ استرشادًا بهذين المفهومين المتعارضين، قام فريقنا البحثي بتحويل كل حكاية إلى فرضية قابلة للاختبار، وأجروا سلسلةً من التجارب في النرويج والولايات المتحدة؛ لتحديد كيفية استجابة الناس للفشل.

وفي إطار هذه الدراسة، اختير حوالي 1200 مشارك بصورة عشوائية لخوض تجربة عملية، إذ جرى اختبار قدراتهم المعرفية وتلقوا رأيًا إيجابيًّا أو سلبيًّا في أدائهم باستخدام أسلوب الآراء غير الحقيقية، فقد أبلغ الباحثون نصف عينة المشاركين أنهم ضمن نسبة العشرين في المئة الأقل أداءً، في حين أبلغوا النصف الآخر أنهم ضمن نسبة العشرين في المئة الأعلى أداءً، ثم سألوهم كيف كانوا سيشعرون لو حصلوا على درجة مرتفعة في الاختبار الحقيقي ليصبحوا ضمن نسبة العشرة في المئة الأعلى أداءً. وقد وصف المشاركون شعورهم المتوقع بالرضا وفق مقياس من صفر إلى 10 للتعبير عن مقدار سعادتهم وامتنانهم وفخرهم عقب الحصول على درجة مرتفعة، ووفقًا لمعايير الطرق الحديثة، تضمنت الورقة البحثية أيضًا دراسةً سبق تسجيلها تُعد تكرارًا لهذه الدراسة ولكن على عينة كبيرة، وذلك للتأكد من رصانة النتائج الرئيسية.

فإذا كان العشب "أكثر اخضرارًا دائمًا على الجانب الآخر"، فإن الأشخاص الذين يتلقون رأيًا سلبيًّا في التجربة العملية سوف يتوقعون الشعور بمستوى أكبر من السعادة مع النجاح في المستقبل، مقارنةً بأولئك الذين يتلقون رأيًا إيجابيًّا من البداية، أما إذا كان رد فعل المشاركين أشبه برد فعل ثعلب إيسوب، فسوف يستجيبون بلهفة أقل ويحاولون إبعاد أنفسهم عن الفشل، ومثلما روى إيسوب في حكايته، أثبتت النتائج أن الفشل في البداية جعل النجاح في المستقبل يبدو أقل جاذبية، وعلى وجه التحديد، توقع أولئك الذين تلقوا رأيًا سلبيًّا في التجربة العملية أنهم سيشعرون بمستوى أقل من السعادة والامتنان والفخر بعد تحقيق أفضل أداء، مقارنةً بأولئك الذين تلقوا رأيًا إيجابيًّا من البداية، غير أنه في وقت لاحق من التجربة، عندما حصل أولئك المشاركون أنفسهم على أعلى الدرجات في الاختبار الحقيقي، كان مستوى سعادتهم مماثلًا تمامًا لمستوى سعادة الذين حصلوا على درجات عالية في البداية، وكانوا أكثر سعادةً بكثير مما توقعوا مسبقًا. وهذا يشير إلى أن الفشل في البداية يجعل الناس يقللون من قيمة الشعور بالنجاح في المستقبل.

واسترشادًا بأفكار إيسوب، أطلقنا على هذه الظاهرة اسم "أثر العنب الحامض"، وهو نزعة منهجية للتقليل من قيمة الأهداف والمكافآت بعيدة المنال، لكن السؤال هو: لماذا يجعلنا الفشل نقلل من قيمة سعادتنا في المستقبل؟ وفقًا لمفهوم "التفضيلات القابلة للتكيُّف"، الذي طرحه جون إلستر، أستاذ الفلسفة في جامعة كولومبيا، لا يعرف الناس دائمًا ما يريدون، وغالبًا ما يضبطون رغباتهم وفقًا لما يبدو في متناولهم، وهذا يعني أن تفضيلات البشر أحيانًا ما تكون مرتبطةً بما هو ممكن، وليس بما هو مثالي، ويتوافق هذا المنظور مع نظرية التنافر المعرفي في علم النفس، والتي تشير إلى أن الناس يسعون إلى الحفاظ على وجهة نظر إيجابية ومتسقة عن أنفسهم، وإذا لم تتناسب النتيجة مع الصورة التي لديهم عن أنفسهم، فإنهم يستجيبون بالتقليل من قيمة الهدف، بدلًا من التقليل من قيمة أنفسهم، وبعبارة أخرى، عندما يحدث فشل شخصي، فإن إحدى طرق حماية شعورنا الإيجابي تجاه أنفسنا هي إنكار ارتباطنا الوجداني بالإنجازات المستقبلية؛ لتجنُّب هذا "التنافر".

وتدعم نتائجنا المنطق القائل بأن "أثر العنب الحامض" يهدف إلى الحماية الذاتية. فالمشاركون الذين تلقوا رأيًا سلبيًّا في الاختبار لم يتوقعوا الشعور بمستوى أقل من السعادة بعد الحصول على درجة عالية في المستقبل فحسب، بل زعموا أيضًا أن أداءهم المعرفي لم تكن له علاقة بهويتهم الشخصية ونجاحهم في الحياة في المستقبل، إلى أن حصلوا على نحو مفاجئ على أعلى النتائج في الاختبار الحقيقي، وفي نهاية الأمر، تشير تقييماتهم العالية للسعادة بعد النتيجة النهائية إلى أنهم كانوا يعرفون في أعماقهم طيلة الوقت أن أداءهم في الاختبارات كان مهمًّا.

وقد تكون النتائج مفاجئةً للقراء الذين لديهم خبرة في علم النفس والاقتصاد السلوكي، إذ تشير النتيجة المعتادة في البحوث السابقة إلى أن الناس يميلون إلى المبالغة في تقييم استجاباتهم العاطفية للأحداث المستقبلية، وهي ظاهرة تُعرف باسم "تحيز الأثر"، لكن دراستنا أثبتت أن "أثر العنب الحامض" الذي يسير في الاتجاه المعاكس، يُعد استثناءً من القاعدة، وكرد فعل دفاعي تجاه الفشل، قد يقلل الناس في الواقع من قيمة سعادتهم في المستقبل بعد تحقيق الأهداف المرجوة.

ويشير "أثر العنب الحامض" إلى أن القصص التي نرويها لأنفسنا حول ما نريده في الحياة قد تكون مقيدةً بما يمكننا الحصول عليه؛ فنحن غالبًا لا نعرف بالفعل ما نريده، أو إلى أي مدى نريده، إلى أن نحققه. وقد توصلت الدراسات ذات الصلة التي أجرتها فرق بحثية أخرى إلى وجود آثار مماثلة في سيناريوهات المواعدة والمجال السياسي، مما يشير إلى أن تفضيلاتنا الحالية تتأثر باحتمالات تحقيق أهدافنا، وإذا كنت تعتقد أنه من المستبعد إلى حدٍّ كبير أن تُحدث تغييرًا إيجابيًّا في العالم أو أن تحصل على وظيفة أحلامك، فربما تقلل من قيمة شعورك بالرضا إذا حدث ذلك بالفعل، ونتيجةً لذلك، قد يحول هذا التحيُّز في التوقعات دون التزام الناس بتحقيق أهدافهم بشكل كامل.

لكن عدم التعلُّق بالأهداف الشخصية يمكن أن يكون أيضًا إستراتيجية مفيدة، إذا ما ساعد الشخص على تحويل انتباهه من الأهداف المستحيلة إلى أهداف أفضل وأكثر قابليةً للتحقيق، وعلى حد تعبير الاقتصاديين، ينبغي أيضًا أن تؤخذ "تكاليف الفرص البديلة" أو "الاحتمالات البديلة" في الاعتبار، ومع ذلك، إذا بدأ "أثر العنب الحامض" في الظهور في وقت مبكر جدًّا وأصبح الناس يخشون الفشل، فقد تفوتهم فرصة تكرار المحاولة وإدراك أن ما بدا مستحيلًا فيما مضى أصبح الآن في المتناول.