قليلة هي الأشياء التي يمكن أن تُوصف بأنها أكثر إنعاشًا من الاستمتاع بتناول مشروب بارد بعد قضاء يوم تحت قيظ الشمس في فصل الصيف. لكن احتساء مشروب ما لا يروي الظمأ دومًا. فماء البحر مثلًا قد يبدو جذابًا لشخص عالق وسط المحيط، لكن تناول جرعة كبيرة منه لن تزيد حالة الجفاف التي يعانيها إلا سوءًا.

اكتشف العلماء حاليًّا أن الإشارات المُرسلة من كلٍّ من الحلق والأحشاء لدى القوارض تتحكم في شعورها بالظمأ. وهذه المسارات المتمايزة قد تُفسر السبب في أن تناول مشروب ما يكون منعشًا في العادة لكنه لا يروي الظمأ دائمًا، وفقًا لدراسة أجراها يوكي أوكا، عالِم الأعصاب بمعهد كاليفورنيا للتقنية بالتعاون مع زملائه بالمعهد، وقد نُشرت الدراسة في 29 مايو في دورية "نيورون" Neuron.

أشار فريق أوكا العام الماضي إلى أن مجرد احتساء مشروب معين يؤدى إلى تنشيط دائرة في الصفيحة السنجابية، وهي منطقة تقع بالقرب من مقدمة الدماغ، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى وقف نشاط الخلايا العصبية المسؤولة عن توليد الشعور بالظمأ. وهذا المسار من الحلق إلى الدماغ الذي اكتشفه الباحثون لدى الفئران، صار نشطًا بصرف النظر عن السائل الذي تناوله القارض -ماءً كان أو محلولًا ملحيًّا أو زيتًا- فجميعها أحدث تأثيرات متشابهة. لكن حقيقة أن جميع هذه المواد استطاعت أن تثبط الخلايا العصبية المسؤولة عن الشعور بالظمأ لدى الدماغ دلت على أن ثمة شيئًا ما كان مفقودًا. فبرغم كل شيء، لو استطاع أي سائل أن يروي ظمأ حيوان ما، لم يكن هذا الحيوان ليحتاج إلى تناوُل كمية كافية من الماء حتى يتجنب الجفاف ويظل رطبًا.

وفقًا لأوكا، أشارت دراسات سلوكية -أُجريت على الحيوانات ويعود تاريخها إلى عقود خلت- إلى وجود آلية إضافية في الأحشاء تُرسل إشارة إلى الدماغ لتُنبهه إلى وجود ماء. لذا في استقصائهم الأخير، شرع فريق أوكا في استكشاف دوائر الدماغ المسؤولة عن استقبال تلك الإشارات. وعن طريق حقن السوائل مباشرةً في أحشاء الفئران، اكتشف الباحثون أنه كي تتمكن هذه القوارض من الشعور بحالة من الارتواء التام، ثمة حاجة إلى تنشيط هذه الدائرة الثانية الموجودة في الأحشاء. ومن دون إشارات القناة الهضمية هذه -التي استجابت بانتقائية لوجود الماء، على العكس من الإشارات الصادرة من الحلق– سرعان ما عاودت الخلايا العصبية المسؤولة عن الشعور بالظمأ في الدماغ نشاطها، ما دفع الحيوانات إلى شرب المزيد.

يُرسل الحلق إشارة ارتواء إلى الدماغ فور بدء الحيوان في الشرب، وتكون هذه الإشارة فورية ومؤقتة. في هذه المرحلة، لا يكون الجسم على دراية بما يتناوله، ويوضح أوكا قائلًا: "لا يرغب أحد في أن يُخطئ ويستمر في تناوُل شيء يصيبه بالجفاف". ومن هنا يأتي دور الإشارة الثانية الصادرة من الأحشاء، والتي تكون بمنزلة "آلية تحكم وضبط" تتأكد من وقف الشعور بالظمأ فقط إذا كان ما تناوله الجسم هو ماء بالفعل.               

في دراسة أخرى نُشرت في وقت سابق من هذا العام في دورية Nature، أشار زاكيري نايت -وهو أستاذ علم وظائف الأعضاء المشارك بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو- وزملاؤه إلى أن الأحشاء أحست بمحتوى الماء في سائل جرى ابتلاعه، وأرسلت إشارةً أدت إلى وقف الشعور بالظمأ في الدماغ. يقول تشارلز بورك، عالِم الأعصاب بجامعة مِجيل، والذي لم يُشارك في أيٍّ من البحثين: "من المثير للاهتمام أن يتوصل فريقان منفصلان إلى النتيجة نفسها في الوقت ذاته تقريبًا".

على مدار السنوات القليلة الماضية، توصل عدد من المختبرات إلى قصتين متوازيتين توضحان البيولوجيا العصبية لحالتي الظمأ والجوع. ففي حين أن مجموعات متمايزة من خلايا الدماغ تؤدي دور الوسيط في هاتين العمليتين، فإن "المنطق متشابه إلى حدٍّ بعيد في كلا النظامين" على حد قول نايت. فبعد تناوُل الشراب والطعام، يستقبل الدماغ إشارة سريعة جدًّا إما من الحلق وإما من الفم، ويستخدم الدماغ هذه الإشارة في تقدير مقدار ما تناوله الحيوان بالفعل ومقدار ما سيتناوله. وبعد تأجيلٍ مدته بضع دقائق، يستقبل الدماغ إشارة من الأحشاء تؤكد ما جرى تناوله (السعرات الحرارية في حالة الجوع، والماء في حالة الظمأ).

أراد فريق أوكا كذلك معرفة ما إذا كانت الإشارتان الصادرتان عن كلٍّ من الفم والقناة الهضمية مُجزيتين، أي تُحفزان الرغبة في الشرب. ولاستكشاف ذلك، قاس الباحثون مستويات الدوبامين، وهو ناقل عصبي يؤدي دورًا في توليد الشعور باللذة، في أدمغة القوارض. وتَبيَّن من ذلك أنه في حين أدى تناول كلٍّ من الماء والمحلول الملحي إلى إطلاق الدوبامين، لم يكن للجمع بين هذين السائلين داخل الأحشاء أي تأثير. وإضافة إلى ذلك، فإن الفئران التي حُرِمت الماءَ كانت لديها رغبة في الضغط على رافعة لتلقِّي جرعة من الماء في فمها، وليس ازدرادها مباشرة إلى داخل معدتها. يقول فينيت أوجستين، أحد الباحثين المشاركين في الدراسة، وأحد طلاب الدراسات العليا بمختبر أوكا: "إذا رغب الحيوان في شيء، فإنه يسعى للحصول عليه". ويضيف أوجستين قائلًا: "هذه النتيجة تشير بوضوح إلى أن [الماء الموجود في الأحشاء] ليس مُجزيًا حتى بالرغم من كونه مُشبعًا".

ومن المثير للاهتمام أن مجموعاتٍ بحثيةً أخرى توصلت إلى أنه على عكس الماء، تعمل المغذيات الموجودة في القناة الهضمية على تحفيز مراكز المتعة في الدماغ وتنشيطها. يقول إيفان دي أراوخو، عالِم الأعصاب في كلية طب أيكان في ماونت سايناي: إن هذه النتيجة غير مفاجئة؛ لأن العمل الذي أداه مختبره أثبت أن الماء الموجود في الأحشاء لا يؤثر على السلوك بالطريقة نفسها التي تؤثر بها المغذيات. ويوضح دي أراوخو أن أحد أسباب هذا الاختلاف قد يكون الحاجة إلى ضبط تركيزات الماء بإحكام، في حين أن الطاقة الزائدة التي يستمدها الجسم من الطعام يمكن تخزينها لاستخدامها في وقت لاحق. وعلاوةً على ذلك، فإنه على العكس من الماء، يوجد تنوع كبير للمغذيات التي يمكن أن يتناولها الحيوان، وقد أظهرت جهود دي أراوخو وآخرين أنه -بخلاف حاسة التذوق- قد تنمو لدى الحيوانات مجموعة تفضيلات تتعلق بالنكهات وتعتمد على محتوى السعرات الحرارية في الأحشاء.  

لكن هذه الاختلافات تطرح عددًا من الأسئلة المثيرة للاهتمام. فمثلًا، يتساءل دي أراوخو عما يحدث عندما يتناول المرء المغذيات في صورة سائلة، إذ يقول: "إذا شعرت فعليًّا بالظمأ واشتريت زجاجة كوكاكولا كي ترتوي، فإنك تضع بذلك الكثير من السكر في أمعائك في الوقت نفسه. [هذا] قد يخلط -بطريقةٍ ما- الدافعين معًا ويُشكِّل نوعًا من المكافآت الغامضة".

ثمة حاجة إلى مزيد من الأبحاث للتأكد من أسباب كون المغذيات الموجودة في الأحشاء مجزية، أما الماء فلا. وهناك أيضًا حالة من الغموض تكتنف الكيفية التي تنتقل بها الإشارات بالضبط من الحلق أو الأحشاء إلى الدماغ. بدأت مجموعة نايت في تناوُل هذا الموضوع في بحث حديث عن طريق إثبات أن العصب الحائر -وهو مجموعة من الألياف تربط جذع الدماغ بالأعضاء الرئيسة في الجسم- يُشارك في هذه العملية. لكن لا تزال هناك أسئلة بحاجة إلى إجابات بشأن نوعية المعلومات التي يجري إرسالها، وما إذا كانت إشارات أخرى -مثل الهرمونات- تؤدي دورًا أيضًا أم لا.

وفي حين أن أغلب هذه الدراسات أُجريت على القوارض، يعتقد الباحثون أن دوائر مماثلة توجد لدى البشر. وتوجد بعض الأدلة على هذه الفكرة، مثل التصوير العصبي في البشر الذي توصل إلى نشاط في الصفيحة السنجابية بالدماغ استجابةً للظمأ. وعلاوةً على ذلك، يرى نايت أن مناطق الدماغ الخاضعة للفحص يُعتَقد أنها مَصُونة بدرجة عالية من الناحية التطورية؛ لأنها تُشارك في سلوكيات أساسية ضرورية من أجل البقاء.

المزيد من الفحص لهذه الدوائر قد يساعد العلماء على فهم ما يحدث عندما تخرج الأمور عن المعتاد. فكبار السن مثلًا غالبًا ما يقل لديهم الشعور بالظمأ، وهو ما يجعلهم عرضةً للجفاف. ومن ناحية أخرى، يُصاب بعض الأفراد بالعُطاش، وهو حالة من الظمأ المفرط الذي لا يمكن التغلب عليه. استطاع هذا البحث أيضًا تسليط الضوء على الآليات التي يستند إليها العديد من سلوكياتنا. يقول نايت: "الدوافع الأساسية مثل الجوع والظمأ هي سبب إقدامنا على فعل الأشياء التي نفعلها. لذا فإن فهم الكيفية التي تُنظَّم بها تلك الدوافع يُبصِّرنا بمنشأ محفزاتنا ودوافعنا".