مع تصاعد التوتر التجاري بين الولايات المتحدة والصين، ظهرت العناصر الأرضية النادرة في دائرة الضوء السياسي مرةً أخرى. في وقتنا الحالي، تزود المناجم ومنشآت المعالجة الصينية العالمَ بأغلب احتياجاته، وقد لوَّح الرئيس الصيني شي جين بينج باستخدام هذا كوسيلة للضغط السياسي في المفاوضات التجارية مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ولكن على المدى الطويل يقول عديد من الخبراء إن السوق العالمية لهذه المواد ستنجو على الأرجح، حتى لو أوقفت الصين تصديرها تمامًا.

تؤدي العناصر الأرضية النادرة السبعة عشر -التي تتجمع قرب الجزء السفلي من الجدول الدوري- دورًا أساسيًّا في صناعات عديدة، مثل الإلكترونيات الاستهلاكية التي تشمل أجهزة إيربود وآي فون التابعة لشركة آبل، وكذلك التكنولوجيات الخضراء مثل توربينات الرياح الكهربية العامة، وسيارات تسلا الكهربائية، والأدوات الطبية مثل ماسحات فيليبس الضوئية للرعاية الصحية، وبعض المعدات العسكرية مثل الطائرات المقاتلة F-35. تضع حكومة الولايات المتحدة هذه العناصر في قائمة العناصر الشديدة الأهمية للأمن الاقتصادي والقومي لها، وتعفي إدارة ترامب هذه العناصر الأرضية النادرة من التعريفة التي تفرضها على البضائع الصينية التي تقدر قيمتها بـ300 مليار دولار. وعلى الجانب الآخر من الصراع التجاري، قام شي بزيارة ذات دلالة سياسية لأحد مناجم العناصر الأرضية النادرة ومنشآت المعالجة الأساسية بالصين، واستخدمت الصين تعريفةً خاصةً بها لاستهداف منجم عناصر أرضية نادرة في كاليفورنيا. مثل هذه المواقف السياسية من الجانبين قد تؤدي إلى المبالغة في التأكيد على اعتماد العالم على تزويد الصين له بالعناصر الأرضية النادرة.

يقول يوجين جولز، أستاذ العلوم السياسية المشارك في جامعة نوتردام: "يفرط السياسيون في الشعور بالقلق من فكرة التلاعب السياسي بالأسواق أو ينغمسون بشدة فيها. هناك فرق كبير بين تحقيق شركة منفردة لمكسب أو خسارة، والقدرة على التأثير السياسي في السوق على نطاق واسع". 

كلمة "نادرة" في اسم هذه المجموعة من العناصر هي في الواقع مضللة بعض الشيء؛ إذ يصف المسح الجيولوجي الأمريكي هذه العناصر بأنها "متوافرة نسبيًّا في القشرة الأرضية". غير أن استخلاص هذه العناصر أمر معقد؛ نظرًا لكونها تختلط في الأرض بعناصر أخرى بتركيزات مختلفة. يخضع المعدن الخام لجولة أولى من المعالجة لإنتاج التركيزات، التي يتم توجيهها إلى منشأة أخرى حيث يتم عزل العناصر الأرضية النادرة عالية النقاء. تقوم مثل هذه المنشآت بعمليات كيميائية معقدة، غالبًا ما تشمل عمليةً تسمى استخلاص المذيبات، وفيها يتم تمرير المواد المذابة عبر مئات الغرف المحتوية على سائل، والتي تفصل العناصر المنفردة أو المركبات، وهي خطوات قد تتكرر مئات أو آلاف المرات. وبمجرد أن تصبح هذه العناصر نقية، يمكن معالجتها بحيث تتحول إلى أكاسيد ومواد فسفورية وفلزات وسبائك ومغناطيسات تستغل الخصائص المغناطيسية والضوئية والكهروكيمائية الفريدة لهذه العناصر. ونظرًا للطبيعة القوية وخفيفة الوزن لمغناطيسات العناصر الأرضية وفلزاتها وسبائكها، فهي ذات قيمة في منتجات التكنولوجيا الحديثة.

أُنتج في الأساس لعدد أكتوبر 2011 من ساينتفك أمريكان.

Credit: Jen Christiansen. Source: Mineral Commodity Summaries 2011, U.S. Department of the Interior and USGS

تمتلك الصين حاليًّا أغلب منشآت الفصل في العالم، ولكن إذا توقفت عن تصدير المواد المنقاة، فهناك خيارات أخرى. على المدى القريب، تمتلك الشركات الأمريكية التي تعتمد على هذه العناصر على الأرجح مخزونًا احتياطيًّا يسد فترات العجز القصيرة، وهو ما يقوله جولز الذي عمل من 2010 وحتى 2012 بمنصب كبير مستشاري نائب مساعد وزير الدفاع لسياسات التصنيع والقواعد الصناعية. ولتوزيع هذا المخزون بشكل صحيح، من الممكن أن تعطي السوق الكلية أولويةً لاستخدام العناصر الأرضية النادرة في التطبيقات المهمة مثل التكنولوجيات العسكرية والطبية، في حين تجبر مصنِّعي سماعات الأذن أو حقائب الجولف على دفع المزيد. ويضيف جولز: "لا أعتقد أن هناك فجوة إمداد واضحة؛ حيث لن يكون أحد غير قادر على الحصول على سيارة تسلا أو بريوس أو أيًّا كان ما يريده".

ويوضح جولز أنه في حالة قطع الإمداد الصيني لمدة أطول، فمنجم العناصر الأرضية النادرة الموجود في جبل باس في كاليفورنيا قد يكون على الأرجح المكان الأول الذي يبدأ بالإنتاج. فقد أنفقت الجهة المالكة السابقة للمنجم، شركة مولي كورب، حوالي 1.5 مليار دولار في إنشاء منشأة فصل لإنتاج العناصر الأرضية المركزة. على الرغم من ذلك لم تكمل الشركة عملية المعالجة اللاحقة المطلوبة لإنتاج العناصر الأرضية النادرة المنقاة قبل إفلاسها في 2015 بسبب المنافسة الصينية. وتخطط الجهة المالكة الجديدة للمنجم، شركة إم بي ماتريالز، لإعادة تنشيط المنشأة المتوقفة وإكمالها حتى يبدأ التشغيل في 2020.

وهناك بديل آخر هو شركة ليناس الأسترالية، وهي أهم مُنتِج للعناصر الأرضية النادرة خارج الصين. تدير الشركة حاليًّا منجمًا في جبل ويلد في أستراليا، وترسل المعادن الخام إلى منشأة فصل في ماليزيا تستطيع تنقية العناصر الأرضية النادرة، ولكن حدثت بعض التعقيدات بسبب احتواء بعض المواد الخام على الثوريوم المشع. وأدت المخاوف البيئية من تسبُّب منشأة الفصل في إنتاج مخلفات ذات إشعاع منخفض مؤخرًا إلى إعلان ليناس أنها ستنقل معالجة "المنبع" (التي تشمل النشاط الإشعاعي) إلى أستراليا بينما ستحتفظ بمعالجة "المصب" في ماليزيا. وأعلنت الشركة أيضًا أنها ستتعاون في أقرب وقت مع شركة بلو لاين الواقعة في تكساس في سبيل إنشاء منشأة فصل جديدة في الولايات المتحدة؛ من أجل العمليات التي ستبدأ في 2022.

وبعيدًا عن المناجم الموجودة، قد تبدأ الشركات التي تحفر للوصول إلى مصادر أخرى في استخراج العناصر الأرضية النادرة من رواسب المواد المختلفة. على سبيل المثال، قد تحصل الولايات المتحدة يومًا ما على هذه العناصر كمنتجات جانبية من محطات توليد الكهرباء التي تُخرج رماد الفحم ونفايات تعدين الفحم. وقد تصبح المواد المشعة التي تشوب المعادن الخام إيجابية: إذا أثبتت المحطات النووية القائمة على الثوريوم نجاحها، فإن التوسُّع في استخراج الثوريوم قد ينتج أيضًا عناصر أرضية نادرة يمكن استخدامها. وقد بدأ الباحثون في دراسة تركيزات كبيرة من عناصر الأرض النادرة في طين البحر العميق من رواسب قاع المحيط قريبًا من اليابان.

التقليل من استخدام هذه العناصر أفضل

بدأت بعض الصناعات التي تعتمد على العناصر الأرضية النادرة تخرج من الصندوق وتبحث عن طرق لتجنُّب التعدين تمامًا. فعلى كل حال، مثل هذه العمليات في الصين والأماكن الأخرى لها تأثيرات بيئية كبيرة قد تهدد صحة الإنسان في ظل غياب ضوابط تنظيمية صارمة، ويُعَد وجود الثوريوم المشع في بعض المعادن الخام أحد الأمثلة على ذلك. بالإضافة إلى ذلك تتضمن بعض عمليات التعدين والفصل استخدام كيماويات تنتج مخلفاتٍ مائيةً سامة. وكل هذه النواتج الخطيرة تتطلب تخزينًا وتصريفًا حذرًا.

وفي ضوء تهديد الصين باستخدام ميزة العناصر الأرضية النادرة كسلاح، قد تستثمر شركات أكثر في اختراعات قد تستعيض عن هذه المواد بشيء آخر. وأشار جولز إلى حادثة وقعت في عام 2010، عندما قطعت الصين الإمداد عن اليابان مؤقتًا. بعد ذلك بدأ مصنِّعو السيارات اليابانية، مثل تويوتا وهوندا، في تطوير محركات سيارات هجينة، قللت للغاية -أو حتى أزالت تمامًا- العناصر الأرضية النادرة، مثل التربيوم والديسبروسيوم، من المغناطيسات القوية المستخدمة في المحركات الكهربية.

وفي أثناء ندرة الإمداد في 2010، اكتشفت أيضًا بعض الصناعات الكبيرة الأخرى التي كانت تستخدم العناصر الأرضية النادرة أنها تستطيع الاستغناء عن بعضها. فقد أوقفت الجهات القائمة على تشغيل مصافي النفط مؤقتًا استخدام عنصر اللانثانوم الأرضي النادر، الذي يحسِّن من كفاءة تصفية النفط، عندما زاد سعره. وهجرت صناعة الزجاج بشكل كبير استخدام السيريوم في التلميع. وعلى الرغم من أن الصناعات المتعلقة بالأمن القومي قد تكون غير قادرة على الاستغناء تمامًا عن العناصر الأرضية النادرة، يعتقد جولز أن الطلب العسكري الأمريكي على هذه العناصر "يمكن إشباعه بسهولة عن طريق الإنتاج غير الصيني"، وذلك لأن هذه الحاجة تمثل أقل من 5% من السوق الكلية.

قلل.. أعد الاستخدام.. أعد التدوير

على أي حال، هناك مجموعة من الصناعات ستستمر في الاعتماد بكثرة على العناصر الأرضية النادرة. وللحصول على هذه العناصر من دون الاعتماد على المناجم الصينية أو الأمريكية، فإنها ستعيد تدوير العناصر التي تم استخدامها في المنتجات بالفعل، هذا ما يقوله إريك شيلتر، أستاذ الكيمياء بجامعة بنسلفانيا، الذي تشتمل مشاريعه البحثية على تطوير عمليات كيميائية جديدة لفصل العناصر الأرضية النادرة عن المعادن الخام. ويضيف: "الفكرة هنا هي أن هناك بالفعل مدخلات طاقة كبيرة ومخرجات للمخلفات في حالة تنقية العناصر الأرضية النادرة من موادها الخام، ومن ثم فإن التخلص منها ببساطة بعد استخدامها هو من قبيل الإسراف بالنظر إلى أن هذه العناصر تكون نقيةً داخل الأجهزة التكنولوجية بالمقارنة بحالتها في شكلها الخام".

ويشير جولز إلى مشاريع بحثية عديدة على المستوى الأكاديمي وفي المعامل الحكومية كذلك، والتي تشمل معهد المواد الحرجة في مختبر أيمز ومختبر أوك ريدج الوطني، التابعين لوزارة الطاقة في الولايات المتحدة. على سبيل المثال فإن العناصر الأرضية النادرة مثل النيودميوم والديسبروسيوم يتم دمجها بشكل متكرر في المغناطيسات الدائمة. ومن أجل فصلها، قام مختبر شيلتر بتطوير عمليات كيميائية يمكنها إذابة عنصر أرضي نادر واحد فقط مع بقاء الآخر صلبًا. ويقول شيلتر إن هذه الطريقة "سريعة وذات كفاءة في فصل الفلز"، ولكن التكلفة عالية ولا يمكنها التنافس مع التعدين. بالرغم من ذلك يعتقد شيلتر أن هذا الوضع قد يتغير؛ لأن سعر السوق للعناصر الأرضية النادرة يبقى "مخفضًا بصورة مصطنعة"؛ إذ إنه لا يضع في الاعتبار تكلفة معاملة النفايات وتكلفة عمليات التعدين والفصل. وإذا تم تسويق النسخ المعاد تدويرها من هذه العناصر كبدائل أكثر نظافةً من العناصر الأرضية النادرة المستخرجة بالتعدين فقد يشجع هذا الشركات الساعية لإظهار نفسها بوصفها أكثر حفاظًا على البيئة فتنفق عليها أكثر.

ويضيف شيلتر: "يدرك المستهلكون أهمية التجارة الحرة للقهوة وتبعات ألماس الدم، ومن المنطقي أن تعدين الكوبالت الأخلاقي والعناصر الأرضية النادرة النظيفة أو المعاد تدويرها قد يسهم في صورة أكثر استدامةً لهذه الصناعة".