على نحو غير معتاد، يعاني نصف الكرة الشمالي من فصل صيف حار آخر. أما اليابان فقد أعلنت أن ما تشهده من درجات حرارة مرتفعة على نحوٍ غير مسبوق يُعَد كارثة طبيعية. وتمر أوروبا بموجة حر ممتدة منذ فترة طويلة، وصحبت هذه الموجة حرائق هائلة ومدمرة في اليونان، وكذلك –على غير العادة– في منطقة القطب الشمالي. وتنتشر أيضًا حرائق هائلة تغذيها موجات الجفاف في غربي الولايات المتحدة.

بالنسبة لفريدريكه أوتو، مُعدَّة نماذج المناخ في جامعة أوكسفورد بالمملكة المتحدة، كانت الأحداث خلال الأسبوع الأخير من يوليو الماضي تسير على نحو جنوني؛ إذ تعالت أصوات الصحفيين مطالبين لها بإبداء آرائها بشأن الدور الذي يؤديه التغير المناخي في سخونة الصيف. تقول أوتو: "كان الأمر جنونيًّا". يتمثل الرد العلمي المعتاد في أن موجات الحر الشديد ستصير أكثر تواترًا بسبب الاحترار العالمي. غير أن أوتو وزملاءها أرادوا الإجابة عن سؤال أكثر تحديدًا، ألا وهو: كيف تَسبَّب التغير المناخي في استثارة موجة الحر هذه تحديدًا؟ وعقب العمل الذي امتد ثلاثة أيام باستخدام النماذج الحاسوبية، أعلنت أوتو وزملاؤها في السابع والعشرين من يوليو الماضي أن التحليل الأولي الذي أجروه على شمال أوروبا يشير إلى أن التغير المناخي جعل احتمالية حدوث موجة الحر تزيد على الضِّعف في الكثير من الأماكن.

في المستقبل القريب قد يتمكن الصحفيون من الحصول على هذا النوع من التحليلات السريعة من وكالات الأرصاد الجوية بصفة روتينية، وليس من الأكاديميين بصفة وقتية وفق ما تقتضيه الظروف؛ إذ تستعد وكالة الأرصاد الجوية الوطنية في ألمانيا -بمساعدة أوتو- لتكون الوكالة الأولى في العالم التي تقدم تقييمات سريعة بشأن علاقة الاحترار العالمي بأحداث مناخية معينة. تأمل الوكالة، بحلول عام 2019 أو 2020، نَشْرَ نتائجها على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل شبه فوري، مع نشر تقارير كاملة وإتاحتها للجمهور في غضون أسبوع أو أسبوعين من الحدث. يقول بول بيكر، نائب رئيس وكالة الأرصاد الجوية الكائنة في أوفنباخ: "نريد أن نحدد حجم تأثير التغير المناخي على أي حالة من حالات الجو التي قد تتسبب في إحداث ظواهر جوية بالغة الشدة في ألمانيا أو وسط أوروبا. لقد بات العلم اللازم لهذا الأمر جاهزًا للبدء فيه".

الاتحاد الأوروبي مهتم أيضًا، وفي هذا الإطار يستعد المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى (ECMWF) في ريدنج بالمملكة المتحدة لتوجيه أعمال برنامج مماثل بحلول عام 2020، وهو برنامج من المقرر له البحث في إسناد الأحداث الجوية المتطرفة -مثل موجات الحر أو الفياضانات– إلى تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري. يقول ريتشارد دي -رئيس دائرة كوبرنيكوس لتغير المناخ بالمركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى، التابع للاتحاد الأوروبي-: إنه إذا سار هذا الأمر على ما يرام، فقد يتم إنشاء دائرة دائمة لأغراض هذا الإسناد بعدها بعام أو عامين. تقول أوتو، والتي تساعد أيضًا في حشد جهود الاتحاد الأوروبي: "إن إنشاء هذه الدائرة فكرة طموحة وقابلة للتنفيذ".

إن حقيقة تفكير مسؤولي وكالات الأرصاد الجوية في إنشاء مثل هذه الدوائر الدائمة تشير إلى المدى الذي وصل إليه "علم الإسناد" بعد أن أُجريت –قبل أكثر من عقد مضى– أوائل المشروعات البحثية المتطورة التي حاولت إسناد ظواهر جوية منفردة إلى التغير المناخي. والآن، وبعد أكثر من 170 دراسة نُشِرَت في الدوريات العلمية الخاضعة لمراجعات النظراء، أصبح علم الإسناد جاهزًا للخروج من المختبر والانتقال إلى العالم الحقيقي بأحداثه اليومية. بيد أن هذا العلم لا يزال يواجه صعوبات فيما يتعلق ببعض أنواع الظواهر الجوية المتطرفة، ولكن حينما تبدأ دوائر الأرصاد الجوية في تقديم معلومات الإسناد على نحو منتظم، سيكمن التحدي الأكبر في الوصول إلى طريقة لجعل هذه الدراسات مفيدةً بالنسبة لأولئك الذين قد يحتاجون إلى استخدامها. يقول بيتر والتون، عالِم الاجتماع بجامعة أوكسفورد: "إن التوصل إلى معلومات إسناد مُحكمة من الناحية العلمية أمر مستقل بذاته، أما التوصل إلى طريقة للاستفادة من هذه المعلومات فهو أمر آخر تمامًا".

أساسيات علم الإسناد

الفكرة التي يقوم عليها علم الإسناد هي فكرة بسيطة نوعًا. إن كوارث مثل موجات الحر غير المسبوقة وحالات هطول أمطار بالغة الغزارة يُحتمل أن تصبح أكثر شيوعًا؛ لأن تراكم غازات الدفيئة يغير حالة الجو. يحتوي الجو الأكثر دفئًا على نسبة أعلى من بخار الماء ويخزن مستويات أعلى من الطاقة، وكذلك يمكن لدرجات الحرارة المتزايدة أن تغير من أنماط حركة الرياح واسعة النطاق ضمن الغلاف الجوي. غير أن الظواهر الجوية المتطرفة قد تنشأ كذلك عن دورات طبيعية كظاهرة "إل نينيو" El Niño التي تزيد درجات حرارة سطح البحر بصفة دورية في المنطقة المدارية من المحيط الهادي.

يقول الباحثون إن استخلاص معلومات بشأن الدور الذي يؤديه الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري (في مقابل التقلبات الجوية الطبيعية) في حدوث الظواهر الجوية المنفردة بالغة الشدة من شأنه أن يساعد القائمين على تخطيط المدن، والمهندسين، وأصحاب المنازل على تحديد أنواع الفيضانات، وموجات الجفاف، وغيرها من الكوارث الجوية التي تتزايد خطورتها مع الوقت. وتشير الدراسات الاستقصائية إلى أن الناس تميل بدرجة أكبر إلى دعم السياسات التي تركز على التكيُّف مع تأثيرات تغير المناخ، وذلك بعد تعرُّضهم لتوِّهم لإحدى الظواهر الجوية المتطرفة، ولذا فإن التحقق السريع من وجود علاقةٍ ما بين حدث إقليمي وتغير المناخ –أو استبعاد وجود هذه العلاقة– قد يكون أمرًا منطويًا على قدر كبير من الفاعلية.

سد وخزان ذي ووترزكلوف في جنوب أفريقيا، الذي يمد مدينة كيب تاون بالماء. التُقِطَت الصورة في مارس 2018 بعد ثلاثة أعوام من الجفاف.. Credit: Melanie Stetson Freeman Getty Images

تشغل أوتو منصب نائب مدير معهد التغير البيئي التابع لجامعة أوكسفورد، وتُعَد خبيرةً في علم الإسناد؛ إذ سبق لها إجراء ما يزيد على 24 تحليلًا متعلقًا بالأحوال الجوية. على سبيل المثال، في الرابع من يونيو الماضي، أتمت هي وزملاؤها دراسةً ركزت على الطرف الجنوبي من أفريقيا، الذي كان يعاني من موجة جفاف استمرت ثلاثة أعوام. في مطلع العام الحالي، أصبح الوضع بالغ الصعوبة في مقاطعة ويسترن كيب في جنوب أفريقيا، لدرجة أن المسؤولين في مدينة كيب تاون حذروا من أن المدينة ستبلغ "يوم الصفر" عمّا قريب، وهو اليوم الذي سينفد فيه من المنطقة الماء اللازم لتلبية الاحتياجات الأساسية، وتُعَد هذه الواقعة الأولى من نوعها في مدينة من المدن الرئيسية.

وفي الوقت الذي احتل فيه خبر "يوم الصفر" العناوين الرئيسية للأخبار على مستوى العالم، قررت أوتو ومارك نيو، عالِم المناخ بجامعة كيب تاون، أن الحدث يُعَد مرشحًا جيدًا لإجراء دراسة إسناد بشأنه. بدأ باحثون من هولندا وجنوب أفريقيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة (خلال أوقات فراغهم؛ إذ إنهم لم يحصلوا على تمويل مخصص للمشروع) في تحديد المدى الإقليمي لموجة الجفاف التي استمرت عدة سنوات. كما أعدّوا مؤشرًا لقياس شدة هذه الموجة، وجمع هذا المؤشر بين قياسات لهطول الأمطار ودرجات الحرارة. وبعدها وجَّه الفريق اهتمامه إلى المحاور التي ترتكز عليها دراسات الإسناد، ألا وهي النماذج الحاسوبية المعقدة التي تحاكي مناخ الأرض. أجرى الباحثون الآلاف من عمليات المحاكاة على كل نموذج من خمسة من النماذج المستقلة، وكان البعض من هذه العمليات يأخذ في الحسبان المستويات المرصودة لغازات الدفيئة الناجمة عن النشاط البشري، وأُجري البعض الآخر من العمليات بالأخذ في الحسبان التركيزات الطبيعية للغازات وكأن الثورة الصناعية لم تحدث على الإطلاق. قارن الباحثون عدد مرات حدوث موجة جفاف بالشدة ذاتها والمدى ذاته عبر آلاف الاختبارات التي أُجريت. وكانت غالبية فرق العمل تستخدم حواسيبها الشخصية في ذلك الأمر، ولكن فرع الدراسة في أوكسفورد أجرى عمليات المحاكاة الخاصة به على مجموعة متعددة النماذج يُطلق عليها «ويذر آت هوم» weather@home، وهي منصة للحوسبة الموزَّعة تعمل على الاستفادة من آلاف الحواسيب الشخصية المملوكة لمتطوعين في الوقت الذي لا يستخدم فيه هؤلاء المتطوعون أجهزتهم.

وفي وقت تزامن مع اجتماع الفريق في شهر يونيو، كانت الأمطار قد عاودت هطولها في جنوب أفريقيا ودفعت بـ"يوم الصفر" بعيدًا. إلا أن العلماء كانوا لا يزالون يبحثون في أسباب هذا الجفاف الكبير، إذ إن التوصل إلى طبيعة هذه الأسباب قد يُسهم في تحديد ما إذا كانت المنطقة ستشهد عودة هذا الجفاف مجددًا في أي وقت في المستقبل القريب. في مكتبها في أوكسفورد قامت أوتو بترتيب مكالمة رباعية مع زملائها عبر برنامج «سكايب» Skype، وبدا عليها الارتياح عندما بدا زملاؤها متفقين على أن التحليل قد جاء بنتيجة. تقول أوتو: "لقد تَسبَّب الاحترار العالمي في زيادة احتمالية حدوث ثلاثة أعوام متتالية من الجفاف في هذه المنطقة إلى ثلاثة أضعاف".

جنود الحرس الوطني في تكساس يصلون إلى هيوستن لتقديم المساعدات للسكان في مناطق غمرتها الفيضانات الغزيرة بسبب عواصف إعصار هارڨي. التُقِطَت الصورة في السابع والعشرين من أغسطس 2017.. Credit: 1st Lt. Zachary West, Texas Army National Guard and U.S. Department of Defense

جاءت الاستنتاجات في الوقت المناسب تمامًا بالنسبة لروب سينج، مستشار المخاطر المناخية في مركز الصليب الأحمر والهلال الأحمر للمناخ في لاهاي بهولندا، وذلك حتى يمكنه عرض النتائج في مؤتمر حول التكيُّف مع التغيُّر المناخي في كيب تاون بعد ذلك بأسبوعين. يقول سينج إن الباحثين بالمؤتمر لم ينظروا إلى هذه النتائج باعتبارها نتائج صادمة بشكل خاص، إلا أن النتائج أثارت نقاشات قوية حول ما إذا كان ارتفاع خطر الجفاف يمكنه أن يساعد على تسويغ زيادة الاستثمارات التي تهدف إلى تنويع مصادر المياه في كيب تاون. في الثالث عشر من يوليو الماضي نُشِرَت دراسة أوتو –قبل أن تخضع لمراجعة النظراء– على الموقع الخاص بمبادرة "إسناد الأحوال الجوية العالمية" World Weather Attribution، وهي مبادرة عبارة عن شراكة تضم ست مؤسسات بحثية (من بينها جامعة أوكسفورد) تضافرت فيما بينها عام 2014 لتحليل التأثير المحتمل للتغير المناخي على الأحداث الجوية المتطرفة، ومن ثَمَّ عرض ما يتم التوصل إليه.

وبالرغم من أن كيب تاون قد تمكنت من تجنُّب الوصول إلى "يوم الصفر" في العام الحالي، يقول صنَّاع السياسات في المنطقة إن نتائج أوتو ترسل تحذيرًا لافتًا لانتباه السلطات المعنية بإدارة المياه، والتي قد تنحو إلى التقليل من شأن خطر الاحترار العالمي. تقول هيلين ديڨيز، مديرة قسم الاقتصاد صديق البيئة في إدارة التنمية الاقتصادية والسياحة التابعة لحكومة مقاطعة ويسترن كيب: "هذه رسالة قوية للغاية، ولا يمكننا تحمُّل عواقب تجاهلها. قد نكون في حاجة إلى اتباع نهج جديد تمامًا فيما يتعلق بإدارة المياه".

يمثل العمل الذي أنتجه فريق أوتو إضافةً إلى مجموعة سريعة التعاظم من دراسات الإسناد المناخي. خلال الفترة بين عام 2004 وحتى منتصف عام 2018، نشر العلماء أكثر من 170 تقريرًا، وتغطي هذه التقارير 190 حدثًا من الأحداث الجوية المتطرفة حول العالم، وذلك وفقًا لتحليل أجرته دورية Nature ويستند إلى عمل سابق أنتجه موقع »كاربون بريف« CarbonBrief. حتى الآن تشير الاستنتاجات إلى أن نحو ثلثي الأحداث الجوية بالغة الشدة التي خضعت للدراسة قد زادت احتمالات حدوثها أو زادت شدتها بسبب التغيُّر المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية (انظر: "علم الإسناد"). شكلت موجات الحر الشديدة أكثر من 43% من هذه الأنواع من الأحداث، وتليها موجات الجفاف (بنسبة 18%)، ثم الأمطار أو الفيضانات الشديدة (بنسبة 17%). الأكثر من هذا أنه في عام 2017، وللمرة الأولى، ذكرت الدراسات أن ثلاثة أحداث جوية متطرفة ما كانت لتحدث لولا التغير المناخي، وهذه الأحداث هي موجات الحر التي ضربت آسيا في عام 2016، ودرجات الحرارة العالمية التي سجلت ارتفاعًا قياسيًّا في العام ذاته، وارتفاع درجات حرارة البحر في خليج ألاسكا وبحر بيرنج من عام 2014 حتى عام 2016. إلا أنه في 29% من الحالات المذكورة في تحليل دورية Nature كانت الأدلة المتوافرة تثبت عدم وجود تأثير بشري واضح، أو أن الأدلة كانت غير قاطعة لدرجة لا تسمح للعلماء بالتوصل إلى أي استنتاجات.

في بعض الأحيان تبدو الدراسات وكأنها توصلت إلى استنتاجات تناقض استنتاجات دراسات أخرى بشأن حدث محدد؛ فقد وجدت دراسة أُجريت حول موجة حر وقعت في روسيا في عام 2010 أن شدة هذه الموجة كانت ضمن حدود الاختلافات الطبيعية، في حين توصل تحليل آخر إلى أن التغير المناخي قد زاد من احتمالات وقوع هذا الحدث. بالنسبة لوسائل الإعلام بدت النتائج مُربِكة، بيد أن علماء المناخ يقولون إن هذا التعارض ليس مفاجئًا؛ لأن كل دراسة من الدراستين تناولت مسألة مختلفة، إذ تناولت إحداهما شدة الموجة وتناولت الأخرى معدل تواترها. تقول أوتو: "إن هذا المثال يوضح أن طريقة صياغة المسائل المتعلقة بعلم الإسناد وعرضها تمثل تحديًا حقيقيًّا"، ولكنها تضيف أن الباحثين أصبحوا أكثر دقةً منذ ذلك الحين، فيما يتعلق بطريقة إعداد دراساتهم وعرضها.

 تقارير عاجلة

كان من الممكن إتمام الدراسة الخاصة بجنوب أفريقيا بشكل أسرع لو كان للباحثين أن يتفرغوا لها. الدراسة التي أُجريت في العام الحالي خلال موجة الحر الأوروبية لم تكن أول دراسة يتم إجراؤها بهذه السرعة؛ فعلى سبيل المثال، في عام 2015، في أثناء موجة أخرى شديدة الحرارة ضربت أوروبا، توصل فريق دولي من الباحثين (من بينهم أوتو) خلال أسابيع إلى الكيفية التي تَسبَّب من خلالها التغير المناخي في زيادة احتمالية حدوث موجات حر مشابهة إلى أربعة أضعاف في بعض المدن الأوروبية، وإلى ضعفين على الأقل في مساحات كبيرة من القارة. وتخطط وكالات الأرصاد الجوية للعمل على نحو أسرع عند تطبيقها لهذه الأساليب التجريبية بشكل منتظم. على مدار الأشهر القليلة الماضية، تحدثت أوتو بشكل مكثف مع موظفي وكالة الأرصاد الجوية الألمانية لتعرض عليهم بإيجاز طريقة إجراء دراسات الإسناد بأفضل المنهجيات المستخدمة. وفي الحادي والعشرين من يونيو الماضي، وقَّعت أوتو مع الوكالة اتفاقًا يتيح الاستخدام المجاني لنموذج «ويذر آت هوم» الخاص بجامعة أوكسفورد. وفي هذه الأثناء، طلبت دائرة كوبرنيكوس لتغيُّر المناخ من أوتو واثنين من زملائها كتابة ورقة بحثية لوصف آليات سير العمل والطرق المتعلقة بإجراء دراسات سريعة للإسناد، على أن تُنشر هذه الورقة بحلول شهر سبتمبر.

تقول أوتو إنه ثمة حاجة إلى دائرة مختصة بالإسناد السريع؛ لأن التساؤلات المتعلقة بدور تغيُّر المناخ عادةً ما تُثار مباشرةً عقب الأحداث الجوية المتطرفة. وتضيف أوتو قائلة: "إن لم نقل شيئًا نحن العلماء، فإن أناسًا آخرين سيجيبون عن هذا التساؤل دون الاستناد إلى أدلة علمية، وإنما وفقًا لأجنداتهم الخاصة أيًّا كانت طبيعتها. ولذا إن أردنا أن يكون العلم جزءًا من النقاش الدائر، فينبغي علينا أن نقول شيئًا ما بسرعة".

بعض العلماء قد يشعرون بعدم الارتياح إذا أعلن خبراء تنبؤات الطقس عن نتائج قبل خضوع الدراسات لمراجعات النظراء. إلا أن جابرييل هيجريل -عالِمة المناخ بجامعة إدنبرة بالمملكة المتحدة- تقول إنه في هذه الحالات تكون الأساليب قد سبق لها الخضوع بالفعل لمراجعة موسَّعة. شاركت هيجريل أيضًا في كتابة تقرير صدر عام 2016 عن الأكاديميات الوطنية الأمريكية، وهو تقرير خلص إلى أن علم الإسناد قد شهد تقدمًا سريعًا، وأنه قد يستفيد من ربطه بتنبؤات الأرصاد الجوية في الواقع العملي. تقول هيجريل: "قد يكون من المفيد فعلًا أن نحصل على نتائج سريعة بالنسبة لنوعيات الأحداث التي نفهمها على نحو جيد، مثل موجات الحر". وتضيف أوتو: "لا حاجة إلى إجراء مراجعات نظراء على تنبؤات الطقس".

إلا أن هيجريل تقول إن جزءًا من العلم المرتبط بدراسات الإسناد لا يزال قيد الدراسة؛ فالخوارزميات الحاسوبية ما زالت تحاول التوصُّل إلى نمذجة العواصف المحلية الشديدة التي تنتج عن الحمل الحراري السريع للهواء، مثل عواصف البَرَد والأعاصير الصغيرة، ولذا لا يستطيع العلماء تقرير ما إذا كان التغير المناخي قد تسبب في زيادة احتمالية وقوع تلك الأحداث أم لا. يصعب أيضًا التوصل إلى إسناد موثوق –بل يستحيل التوصل إليه– في البلدان التي لا تتوافر فيها سجلات مناخية طويلة الأمد، مثل بعض البلدان الأفريقية. ومع هذا، قد يكون هناك تنوع مناخي طبيعي غير مرصود بكامله في السجلات ذات الأمد القصير نسبيًّا التي تختص بالمشاهدات المناخية المباشرة. لتتبُّع التقلبات المناخية ذات الأمد الطويل جدًّا –كتلك الناتجة عن التغيرات في أنماط الضغط الجوي أو درجات حرارة سطح البحر، والتي تحدث بصفة دورية مرة كل بضعة عقود– يتعين على الباحثين الاعتماد على بيانات غير مباشرة منخفضة الدقة، كتلك المستمدة من حلقات الأشجار. وفق إيريش فيشر، عالم المناخ بالمعهد السويسري الفيدرالي للتكنولوجيا في زيوريخ، تؤدي حقيقة أن هذا النمط من التنوع لا يظهر دومًا في المشاهدات المباشرة إلى نوع من عدم التيقن في الدراسات، خاصةً فيما يتعلق بأبحاث إسناد الجفاف.

في اجتماع عُقد في أكسفورد في عام 2012، تساءل بعض النقاد عمَّا إذا كان علماء المناخ متيقنين من استنتاجات دراسات الإسناد، بالنظر إلى النقص في بيانات الرصد وإلى نقاط الضعف التي كانت النماذج المناخية تعاني منها في ذلك الوقت. ولكن منذ ذلك الحين، جرى دحض الشكوك إلى حدٍّ كبير؛ إذ يُجري الباحثون الآن الدراسات باستخدام عدة نماذج مناخية مستقلة، وهو ما يقلل من نسبة عدم التيقن؛ لأن الباحثين يستطيعون تعرُّف النتائج التي يتفق بعضها مع بعض. كما أصبح العلماء الآن أكثر حذرًا بشأن الكيفية التي يتوصلون من خلالها إلى مزاعم احتمالية. يقول فيشر: "لقد حقق علم إسناد الأحداث بالغة الشدة الكثير من التقدم منذ أن بدأ معتمدًا على موارد ضئيلة. ربما يكون الأمر لا يزال غير قابل للتطبيق بالنسبة لعواصف البَرَد المحدودة أو الأعاصير الصغيرة، إلا أن مزاعم الإسناد أصبحت الآن مُحكمةً إلى حدٍّ ما بالنسبة لأية أنماط جوية واسعة النطاق يمكن تمثيلها من خلال نماذج مناخية متطورة".

تأثير غير واضح

في جنوب أفريقيا، تقول ديڨيز إن دراسة أوتو الأخيرة يجب أن تساعد على تشكيل ضغط يهدف إلى التوصل إلى منهجيات جديدة فيما يتعلق بإدارة المياه الإقليمية. وتتابع ديڨيز قائلةً: "لقد أكد لنا خبراء الأرصاد الجوية بعد استمرار الجفاف لعامٍ ثانٍ أنه يستحيل أن ندخل إلى عام ثالث من الجفاف على التوالي. إلا أننا لم يعد بوسعنا الآن أن نستخدم ما حدث في الماضي للتنبؤ بما قد يحدث في المستقبل. علينا أن نتعلم التكيف مع حقيقة وجود مناخ متغير، وبالقطع نحتاج إلى علم الإسناد لعمل ذلك على النحو الصحيح". وتضيف ديڨيز أن أحد الدروس المستفادة من الجفاف الأخير ومن تحليل الإسناد الذي تم إجراؤه هو ضرورة ألا يكون اعتماد مقاطعة ويسترن كيب مقتصرًا على مياه الأمطار وحدها فيما يتعلق بتوفير القدر اللازم من إمدادات المياه. وتتابع ديڨيز قائلة إن المقاطعة يتعين عليها، عوضًا عن ذلك، أن تنوع مصادر المياه عبر استغلال المياه الجوفية والتوسع في مرافق تحلية المياه ومرافق معالجة مياه الصرف.

غير أن علماء الاجتماع يقولون إنه يصعب –بشكل عام– معرفة التأثير الذي تُحدثه دراسات الإسناد، ويرجع هذا إلى صعوبة استخلاص تأثيرات هذه النتائج من دراسات أخرى تتنبأ بمخاطر متزايدة لظواهر الطقس بالغة الشدة المرتبطة بالتغير المناخي، أو من الصدمة الناجمة عن أحداث الطقس نفسها. ومع ذلك، يقول يورن بيركمان -خبير التخطيط المساحي والإقليمي بجامعة شتوتجارت في ألمانيا-: إنه إذا بدأت دراسات الإسناد في الظهور بانتظام في تقارير الطقس، وليس فقط في الدوريات العلمية، فإن تأثيراتها قد تصبح أكثر وضوحًا بكثير. ويتابع بيركمان قائلًا: "على مخطِّطي المدن والبنى التحتية الذين يخططون ويعتمدون مناطق سكنية جديدة أو مستشفيات أو محطات قطار أن يضعوا في اعتبارهم مخاطر الأحداث الجوية بالغة الشدة بشكل أكثر دقة إذا كانت هذه الأحداث ترجع بوضوح إلى تغير المناخ".

ووفق بيركمان وچيمس ثورنتون -الرئيس التنفيذي لمجموعة «كلاينت إيرث» ClientEarth، وهي مجموعة دولية من المحامين البيئيين ومقرها لندن- يمكن استخدام الأدلة الناتجة عن تقارير الإسناد في الدعاوى القضائية المتعلقة بتغير المناخ. يقول ثورنتون إن القضايا المنظورة أمام المحاكم على خلفية مزاعم تتعلق بعدم الاستعداد لآثار التغير المناخي لم يسبق لأيٍّ منها الاستشهاد بدراسات الإسناد. ويرى ثورنتون أن القضاة سيعتمدون على هذه الدراسات بشكل متزايد للمساعدة في تحديد ما إذا كان المُدعى عليهم –وهؤلاء قد يكونون شركات نفطية أو معماريين أو وكالات حكومية– يمكن إلقاء المسؤولية القانونية على عاتقهم. ويتابع ثورنتون قائلًا: "على الأرجح تثق المحاكم بالبيانات الحكومية. وإذا تسنَّى لدراسات الإسناد أن تنتقل من العلم إلى الخدمة العامة، فسيشعر القضاة بارتياح أكبر عند استخدامهم للنتائج".

وفي وكالة الأرصاد الجوية الألمانية، يقول بيكر إنه مقتنع بأن دراسات الإسناد ستمثل خدمة قيّمة لقطاعات كثيرة في المجتمع. ويتابع بيكر قائلًا: "يتمثل جزء من مهمتنا في إلقاء الضوء على الصلات التي تربط بين المناخ والطقس. ثمة طلب على هذا النوع من المعلومات، وهناك علم يدعم توفيرها، ونحن نرحب بنشرها".

أُعيد إنتاج هذا المقال بعد الحصول على إذن بذلك. المقال نُشر للمرة الأولى في 30 يوليو 2018.