أكدت الإحصاءات الأولية بشأن حالات الوفاة الناجمة عن تناول جرعة زائدة من المخدرات لعام 2020 أعظم المخاوف التي تساور الباحثين في مجال الإدمان؛ إذ أشارت الإحصاءات إلى أن أعداد المتوفين من جَرَّاء تناول جرعة مخدراتٍ زائدة في الولايات المتحدة الأمريكية في أثناء العام الماضي قد تجاوزت أعداد المتوفين خلال فترة عامٍ واحدٍ، في سابقةٍ لم يشهدها تاريخ الولايات المتحدة من قبل، إذ تجاوزت أعداد الوفيات 93 ألف شخص، كما أن معدل الزيادة هذا العام مقارنةً بالعام الماضي كان الأعلى على الإطلاق، إذ تجاوزت نسبة الزيادة 30%.

تلفت هذه البيانات النظر إلى أن ثمة أمرًا لا يسير على الصورة المطلوبة، بل إنها في حقيقة الأمر تدعونا لتغيير الوضع الراهن بأسرع ما يمكن.

لم يعد الأمر يقتصر على «بذل مزيدٍ من الجهود» للتصدي للمشكلات التي تواجهها الولايات المتحدة فيما يتعلق بالمخدرات، فالإجراءات التي يتخذها المجتمع الأمريكي -المتمثلة في إلقاء المدمنين خلف قضبان السجون، وتخفيض الاستثمارات في مجال الرعاية الصحية القائمة على الوقاية وفهم احتياجات المرضى- لم تعد تُجدي نفعًا، وحتى في ظل الجهود المبذولة لإيجاد حلول علمية مثالية لهذه الأزمة، فمن المثير للإحباط –واليأس أيضًا- رؤية الأدوات الفعالة التي نمتلكها في مساحتي الوقاية والعلاج دون وضعها في حيز التفعيل والاستخدام.

يعرف العلماء جيدًا منافع توفير علاجات فعّالة لاضطرابات تعاطي المخدرات، لا سيما اضطرابات تعاطي الأفيون، إلا أن الأصوات العالية التي تعارض علاج اضطرابات تعاطي المخدرات بالأدوية، على مدى عقود من الزمن، قلّصت على نحوٍ كبيرٍ من أثر هذه المنافع، ما يُفسّر بصورةٍ ما السبب وراء تلقِّي 18% فحسب من الأشخاص الذين يعانون اضطرابات إدمان الأفيون العلاج الدوائي المطلوب، ويعكس الإحجام القديم عن توفير هذه العلاجات وعزوف شركات التأمين عن تغطية تكاليفها وصمة العار التي لحقت بالمصابين بالإدمان في الماضي، إذ لا ينالون سوى قسطٍ ضئيلٍ من الاهتمام.

يتعين علينا التخلص من السلوكيات والهياكل المؤسسية التي تحول دون علاج الأشخاص المصابين باضطرابات تعاطي المخدرات، ما يعني تيسير مهمة الأطباء في توفير الأدوية المنقذة للحياة، وتوسيع نطاق نماذج الرعاية مثل التقنيات الصحية الرقمية والعيادات المتنقلة التي تستطيع الوصول إلى الأشخاص أينما كانوا، والتأكد من أن الممولين يغطون تكاليف العلاجات ذات الجدوى.

إن الأسس العلمية التي تنهض عليها تلك العملية أمرٌ جليٌّ لا لبس فيه؛ فالإدمان حالة طبية مزمنة يمكن علاجها، ولا تعكس وَهنًا في الإرادة أو ضعفًا في الشخصية، كما أنها ليست علامةً على الانحراف الاجتماعي، إلا أن الوصمة التي يعاني منها المصابون بالإدمان وما يلحق بهم من الإجحاف على مدار فترة طويلة، حتى داخل أروقة الرعاية الصحية ذاتها، دفع صانعي القرار، في شتى جهات الرعاية الصحية والعدالة الجنائية وغيرها من الأنظمة، إلى فرض عقوبات على متعاطي المخدرات بدلًا من توفير العلاج لهم، وربما يكون هذا النهج أبسط من مطالبتنا للمجتمع بأن يتحلى بدرجة من الشفقة أو أن يقدم الرعاية لأشخاص يعانون من اضطرابٍ مُهلكٍ ومدمر، بل مميت في كثير من الأحيان، لكن عقوبة السجن لا تمثل رادعًا لمتعاطي المخدرات، ناهيك بتوفير علاج للإدمان نفسه، فكل ما تفعله هو أنها تطيل أمد وصمة العار التي تلحق بمتعاطي المخدرات، وتُلحق المزيد من الضرر بأكثر فئات المجتمع تضررًا على نحوٍ مجحف.

إلى جانب ذلك، ينبغي علينا أن نُدرج إجراءات تحجيم الأضرار المثبتة بالأدلة، مثل برامج خدمات توفير الحقن، ضمن أي حل لأزمة المخدرات، إذ ثبتت فاعليتها في الحد من فيروس نقص المناعة البشرية، وانتقال فيروس الكبد الوبائي سي، كما ينبغي علينا أن نساعد المدمنين على الوصول إلى العلاج لحالة الإدمان التي يعانون منها، وغيرها من المشكلات الصحية، وفي الوقت الذي تبنَّت فيه الحكومة الفيدرالية برامج قائمة على الأدلة لتقليل الأضرار، لا تزال مجتمعات عدة ترفضها، إذ يتوهمون أنها تعطي مشروعيةً لتعاطي المخدرات وتشجع على ذلك، في وقت يشير فيه عددٌ كبيرٌ من الدراسات إلى أنها لا تؤدي إلى ذلك بأي حال، ويعمل الباحثون كذلك على تقييم الإستراتيجيات المبتكرة -وإن ظلت تثير الجدل على مدار فترة من الماضي- التي كانت تُطبق في بعض الدول خارج الولايات المتحدة، في مراكز الوقاية من جرعات المخدرات الزائدة على سبيل المثال، التي تسمح للأشخاص بتعاطي المخدرات تحت إشرافٍ طبي والحصول على بعض الخدمات الصحية الأخرى، وذلك لتقييم فاعلية التكلفة والقدرة على تقليل حالات الوفاة وتحسين الحالة الصحية.

أحد الجوانب المهمة من الإخفاق المنهجي في تعاملنا مع أزمة المخدرات يتمثل في التوقعات غير المنطقية، التي تصور أن الأشخاص المتعاطين للمخدرات ينبغي عليهم التوقف عن تعاطي المخدرات بهذه البساطة، وأن باستطاعتهم التوقف وقتما يشاؤون في الواقع، ولا يُولي هذا النهج كثيرًا من الاهتمام للأشخاص المصابين بالإدمان حتى ينتهي تعافيهم، في حين يبين الواقع أن رحلة التعافي من الإدمان تتسم بصعوبات تعترض سبيلها، وعادةً ما ينتكس الأفراد ويعودون إلى تعاطي المخدرات، إن الشفقة والرعاية والدعم ينبغي أن تشمل هؤلاء الأشخاص الذين ما زالوا يتعاطون المخدرات، وهؤلاء الذين انتكسوا وعادوا لتعاطيها، لا أن يقتصر اهتمامنا على أولئك الذين يستوفون المعايير الصارمة للامتناع عن التعاطي؛ فكل شخص يعاني من اضطراب تعاطي المخدرات، بغض النظر عما إذا كان يتعاطاها حاليًّا، يحتاج إلى رعاية صحية لائقة، وقد يحتاج أيضًا إلى المساعدة في شؤون السكن والتوظيف واحتياجات رعاية الأطفال.

ولكي نحول دون تعاطي الشباب للمخدرات، ونحافظ على البشر من مختلِف الأعمار بمنأى عن الإصابة باضطرابات تعاطي المخدرات، يتعين على الولايات المتحدة إيجاد حلول للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية الواقعة عليهم، التي تُمثل ضغوطًا تدفعهم نحو المخاطرة بتعاطي المخدرات، مثل الفقر، وغياب الاستقرار السكني، والأحياء والمدارس غير الآمنة، فضلًا عن الآثار الأخرى الناجمة عن التغيرات الاقتصادية، التي تشمل الانعزال عن المجتمع والشعور بالإحباط، إن حالات الوفاة الناتجة عن تعاطي جرعة زائدة من المخدرات هي أحد مكونات «حالات الوفاة الناتجة عن اليأس»، التي تسببت في انخفاض متوسط الأعمار في الولايات المتحدة، إلى جانب عوامل أخرى مثل الانتحار والعلل المرتبطة بتعاطي المشروبات الكحولية، حتى قبل اندلاع جائحة «كوفيد-19»، التي تسببت في انخفاض متوسط الأعمار عام 2020 بمقدار عام ونصف.

وبصورة عملية، يمكن للتدخلات القائمة على الدليل أن تُحدث تغييرًا كبيرًا، فبرامج الوقاية الشاملة، بالإضافة إلى التدخلات الموجهة إلى الأُسر والشباب الأكثر تعرضًا للخطر، لا تقلل من مخاطر تعاطي المخدرات والإدمان في وقتٍ لاحقٍ فحسب، بل إن لها فوائد متشعبة تشمل جوانب أخرى من الصحة العقلية والبدنية.

كل ذلك يطرح علينا مجموعةً من الأسئلة بشأن إرادتنا الجماعية للاستثمار في تلك الإجراءات، فصحيح أن التوفير في تكاليف الرعاية الصحية ونظام العدالة يمكن أن يكون هائلًا على المدى الطويل، مقارنةً بالتكلفة العالية للتدخلات الوقائية، إلا أن الاستثمار طويل المدى سيكون ذا فوائد تستغرق وقتًا حتى نتمكن من جني ثمارها، لكن المجتمع الأمريكي اعتاد انتظار الأرباح قصيرة الأجل وتوقع النتائج الفورية.

لقد طال انتظار حدوث تغيير جذري يسمح لنا بإنقاذ الأرواح، وقد أضحى من الأهمية بمكان أن يساعد العلماء صانعي السياسات والقادة في إعادة النظر إلى الكيفية التي نتعامل بها بصورة جماعية مع المخدرات وتعاطيها، والتدقيق في أبحاثنا المبنية على الأدلة، بحثًا عما يعزز الصحة ويقلل الأضرار في مختلِف المجتمعات، إلى جانب توفير التمويل اللازم للبحوث بغرض تطوير أدوات جديدة للوقاية والعلاج.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تُعبر بالضرورة عن رأي مجلة «ساينتفك أمريكان» Scientific American.