يتسم مرض الوسواس القهري بتكرار توارد الأفكار المُقلقة، والدوافع والسلوكيات القهرية، كالإفراط في التنظيف والعدِّ والتحَقُّق من الأشياء، وتنتشر هذه السلوكيات أيضًا بين عموم الناس، فقد توصَّلت دراسةٌ أُجريت على عينةٍ ضخمة من البالغين في الولايات المتحدة، إلى أن أكثر من رُبع العينة عانوا من سلوكياتٍ أو أفعالٍ قهرية في مرحلةٍ ما من حياتهم، ولا تتطوَّر حالة معظم هؤلاء الأفراد لتصير حالة وسواسٍ قهري مكتملة الأركان، غير أن مثل هذه الأعراض يمكن أن تُعرقل حياتهم اليومية، وقد ألمحت دراسةٌ جديدة نُشرت في الثامن عشر من يناير في دورية «نيتشر ميديسن» Nature Medicine، إلى أن هذه السلوكيات يمكن التخفيف من حدتها عن طريق تحفيز الدماغ بواسطة تيارٍ كهربي، ودون الحاجة إلى غرس أقطاب تحت الجمجمة.

سلك روبرت راينهارت، اختصاصي علم الأعصاب بجامعة بوسطن، وفريقه مسارين بحثيين متوازيين عند إجرائهم لهذه الدراسة؛ فمن جهة، تُشير الأدلة إلى أن سلوكيات الوسواس القهري قد تنشأ نتيجةً لعادات التعلم المفرط -مما يؤدي إلى المبالغة في تكرار هذه العادات- والخلل في الدوائر العصبية الدماغية التي تؤدي دورًا في التعلم من الإثابة، ومن جهة أخرى، يُشير عددٌ من الدراسات إلى أهمية الإيقاعات عالية التردد فيما يسمى «مدى موجات بيتا المرتفعة/ جاما المنخفضة» (يُكتفى أيضًا بـ«بيتا-جاما» عند الإشارة إليها) في عمليات اتخاذ القرار والتعلم من التقييمات الإيجابية.

وبناءً على الملحوظات السابقة هذه، افترض شراي جروفر -وهو طالب دكتوراة بمختبر راينهارت، بالاشتراك مع آخرين في الفريق- أن التأثير في إيقاعات «بيتا-جاما» في القشرة الجبهية الحجاجية (OFC) -وهي منطقة أساسية في شبكة الإثابة تقع في مقدمة الدماغ- ربما يعرقل القدرة على التعقُّب المُتكرر للخيارات التي تجلب الإثابة، ومن ثم اعتقد هؤلاء الباحثون أن هذا التدخل يمكن أن يحد من سلوكيات الوسواس القهري التي تقترن بعاداتٍ تعكس حالةً من سوء التكيُّف.

ولاختبار مدى صحة هذه الفرضية، أجرى جروفر وزملاؤه دراسةً من جزأين، استهدف الجزء الأول من الدراسة معرفة ما إذا كان النشاط الدماغي عالي التردد يُؤثر في قدرة الأشخاص على التعلم من الإثابة، ولهذا الغرض، جمع الفريق 60 متطوعًا، واستخدم في البداية التخطيط الكهربائي للدماغ (EEG) من أجل رصد الترددات المُتفردة لإيقاعات «بيتا-جاما» في القشرة الجبهية الحجاجية، كانت نشطةً لدى أحد الأفراد في أثناء انخراطه في تأدية مهمة تتضمن ربط رموزٍ بمكاسب أو خسائر مالية، وكانت دراساتٌ سابقة قد بيَّنت أن الاستثارة القائمة على أنماطٍ مُحدَّدة من الإيقاعات في دماغ الشخص ربما تُعزِّز من فاعلية هذا الإجراء.

بعد ذلك، قسَّم الفريق المشاركين إلى ثلاث مجموعات، تلقَّى كلٌّ منها صورةً غير باضعةٍ من صور التحفيز الدماغي، تُعرف باسم «التحفيز بالتيار المتردد عبر الجمجمة» (tACS)، الذي استُخدم تحديدًا في القشرة الجبهية الحجاجية لمدة 30 دقيقة على مدار خمسة أيام متتالية، تلقَّت كل مجموعة نوعًا مختلفًا من التحفيز، فأفراد المجموعة الأولى خضعوا لتأثير تياراتٍ "مُخصَّصة"، أي ضُبطت بحيث تتوافق مع ترددات «بيتا-جاما» لدى كل شخص، وبالنسبة لأفراد المجموعة الثانية، فقد خضعوا لتأثيرٍ علاجيٍّ وهميٍّ "نشط"، عبارة عن استثاراتٍ للمخ عند ترددٍ منخفض، وأما أفراد المجموعة الثالثة فقد خضعوا لتأثيرٍ علاجي وهمي "سلبي"، إذ لم تُستثر أدمغتهم بأي تيار كهربي، وجد الباحثون أن الأفراد الذين تلقوا تحفيز «بيتا-جاما» المُخصَّص، صاروا أقل قدرةً على انتقاء اختياراتٍ مُثلى في مهمات التعلم القائم على الإثابة، ولم يُرصَد مثل هذا التغير السلوكي لدى مجموعتي التأثير العلاجي الوهمي، وقد أشار تقييمٌ إضافي لسلوك المشاركين، باستخدام النماذج الحاسوبية للتعلم القائم على الإثابة، إلى أن «التحفيز بالتيار المتردد عبر الجمجمة» المُخصَّص قد أربك عملية التعلم، عن طريق جعل الأشخاص أكثر ميلًا إلى تجريب خياراتٍ مختلفة بدلًا من التشبُّث بخيارٍ واحد، حتى وإن ضعُفت احتمالات أن تُفضي هذه الخيارات إلى حصولهم على مكافأة.

هيَّأت هذه الاكتشافات الساحة للجزء الثاني من الدراسة، الذي بدأ فيه الفريق باستكشاف ما إذا كان التأثير في إيقاعات «بيتا-جاما» -التي تؤدي دورًا في المعتاد في أثناء التعلُّم القائم على الإثابة- يمكن أن ينعكس على سلوكيات الوسواس القهري، فقد أجرى الباحثون مجموعةً مماثلةً من التجارب على مجموعة أخرى من المتطوعين، شملت 64 متطوعًا لم تُشخَّص حالاتهم رسميًّا كمرضى وسواسٍ قهري، لكن كانت تظهر عليهم أعراض شبيهة بأعراض الوسواس القهري، مثل تكرار التحقُّق، واختزان الأشياء غير المهمة، والهوس، تلقَّى بعض هؤلاء المشاركين ذلك النوع المُخصَّص من تحفيز «بيتا-جاما»، في حين خضع بعضهم الآخر لتأثيرٍ علاجي وهمي نشط، وقد أظهرت النتائج تَراجُعًا في معدل الانخراط في سلوكيات الوسواس القهري لدى الأشخاص الذين خضعوا لتحفيز «بيتا-جاما» المُخصَّص، واستمر ذلك التراجُع مدةً تصل إلى ثلاثة أشهر، وكان التغيير الأكبر من نصيب الأفراد الذين كانوا ينخرطون في سلوكيات الوسواس القهري بكثافة قبل خضوعهم للتحفيز.

يوضح جروفر أن فريقه البحثي قرَّر دراسة الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض الوسواس القهري دون تشخيصٍ رسمي للمرض، نظرًا إلى أن الباحثين أخذوا يراقبون على نحوٍ متزايدٍ طيفًا من سلوكيات الوسواس القهري تتراوح بين الخفيفة والحادة، ورغم عدم تشخيص هذه الأعراض سريريًّا على أنها وسواسٌ قهري، فإنها قد تُسبِّب لأصحابها كربًا شديدًا، يقول جروفر: "بفحص مجموعة غير سريرية من الأشخاص الذين تظهر لديهم مجموعة من سلوكيات الوسواس القهري، استطعنا أن ندرس فاعلية [إجراء تدخلي] قد يساعد أعدادًا أكبر من الأفراد"، غير أن النتائج التي توصَّل إليها الباحثون تُشير أيضًا إلى أننا "إذا وسَّعنا نطاق هذا الإجراء ليشمل أفرادًا شُخِّصت حالاتهم رسميًّا كمرضى وسواسٍ قهري، أو كمصابين بحالات قهرية أخرى -مثل داء المقامرة، والإدمان، وبعض أشكال اضطرابات الأكل- فربما نتمكن من رصد تأثيرات أقوى"، على حد قول جروفر.

يصف تريفور روبنز -أستاذ علم الأعصاب الإدراكي بجامعة كمبريدج، والذي لم يُشارك في الدراسة الحالية- التأثيرات المُمتدة لهذا الإجراء على سلوكيات الوسواس القهري بأنها "مُبهرةٌ إلى حدٍّ كبير"، ويضيف روبنز قائلًا: "إنه [أي تعديل النشاط العصبي] يُمثِّل بالتأكيد علاجًا تجب دراسته بعناية، من أجل استخدامه في حالاتٍ مرضية مثل الوسواس القهري"، وتقول كارولين رودريجيز، الاختصاصية في علم النفس وعلم الأعصاب بجامعة ستانفورد، والتي لم تُشارك هي الأخرى في الدراسة: إن ما تشير إليه النتائج التي توصَّلت إليها تلك الدراسة يظل بحاجة إلى تدقيق؛ إذ أُجريت على مجموعة غير خاضعة لعلاج سريري، ومن دون تشخيصٍ رسمي، وتضيف: "ربما تختلف الخصائص البيولوجية العصبية لدى الأشخاص الذين لم يصلوا إلى المرحلة السريرية وينخرطون في الوقت ذاته في هذه السلوكيات، عن نظيراتها لدى الأشخاص الذين شُخِّصت حالاتهم بالفعل على أنها وسواسٌ قهري"، وترى رودريجيز أن "هذه النتائج هي بدايةٌ مثيرة، [ولكن] نحن بحاجةٍ إلى فهم مدى أهمية هذه النتائج بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من الوسواس القهري"، تشير رودريجيز كذلك إلى أن هناك بالفعل عدة علاجات مُتاحة للمرض، تشمل العلاج بالأدوية، ووسائل الاستشفاء، فضلًا عن جهازٍ أجازته إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، يَستخدِم «التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة» (TMS)، وهي طريقة غير باضعة تعتمد على المجالات المغناطيسية في استثارة الدماغ (تقود رودريجيز حاليًّا تجربةً سريرية على استخدام «التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة» في علاج مرض الوسواس القهري).

لقد اختبرت العشراتُ من الدراسات التأثيراتِ العلاجية التي يُمكن أن يُفضي إليها «التحفيز بالتيار المتردد عبر الجمجمة»، وذلك فيما يخصُّ الذاكرة، واشتهاء الطعام، والعمليات العصبية الأخرى، غير أنه طُرح عدد من الأسئلة حول ما إذا كان هذا الإجراء يُحدِث بالفعل تغييراتٍ مهمةً في الدماغ، وفي الدراسة الجديدة، يظل ما أحدثه «التحفيز بالتيار المتردد عبر الجمجمة» عالي التردد في الدماغ من تأثيرٍ غير معروف بالضبط، لكن جروفر ينوه بأن ما لوحظ لدى مجموعتي التأثير العلاجي الوهمي اللتين شملتهما الدراسة -وبالأخص المجموعة التي تعرضت للتحفيز عند تردد مختلف- يُمثِّل دليلًا قويًّا على أن التحفيز عالي التردد كان مسؤولًا عن التأثيرات السلوكية التي رصدها الفريق.

يعكف جروفر وزملاؤه في الوقت الراهن على تجارب إضافية، بهدف تحديد الآليات التي يستندُ إليها إجراؤهم، ويتطلع الفريق إلى إجراء دراساتٍ في المستقبل القريب على مجموعاتٍ سريرية شُخِّصت حالاتها بأنها وسواس قهري، يقول جروفر: "[الدراسة الأخيرة] مجرد خطوة أولية نحو تعزيز فهمنا للأسباب التي تجعل هذا النشاط عالي التردد على هذه الدرجة من الأهمية فيما يخصُّ سلوك الوسواس القهري، والحقيقة القائلة إنه بمقدورنا أن نلاحظ تغيراتٍ في تلك الأعراض، حتى في ظل الدراسة الحالية، تُشير إلى احتمال وجود فائدة سريرية فعلية لها، كما أنها تعطينا جميع المسوِّغات لمحاولة توسيع نطاق نتائج هذه الدراسة".