أصبحت الروبوتات أكثر انتشارًا في حياتنا اليومية من أي وقتٍ مضى. إذ يتحكم الآن المساعدون الرقميون في تطبيقات هواتفنا الذكية، بينما تُدرِّس الروبوتات للطلاب في المدارس، وتُعقِّم المستشفيات، وتُوصِّل الطعام. ومنذ مدةٍ طويلة، يدرس العلماء التفاعلات بين البشر والروبوتات، لمعرفة التأثير المحتمل لهذه الآلات على سلوكنا، مثل التغييرات التي تُدخلها على كيفية أدائنا لأعمالنا، أو استجاباتنا لطلباتها. لكن كشف بحثٌ جديد أنَّ وجود الروبوتات وأفعالها يؤثر أيضًا في الطريقة التي يتواصل بها البشر بعضهم مع بعض، إذ أسهمت الروبوتات في تلك الدراسة في تحسين التواصل بين أعضاء الفريق الواحد.

وعن ذلك تقول سارة سيبو، طالبة الدراسات العليا بجامعة ييل، والتي شاركت في تأليف هذا البحث الذي نُشر في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences USA: "بينما ركزت الأبحاث الأخرى على كيفية دمج الروبوتات في فِرَقِ العمل بسهولةٍ أكبر، ركزنا بدلًا من ذلك على الكيفية التي قد تؤثر بها الروبوتات تأثيرًا إيجابيًّا كبيرًا في الطريقة التي يتفاعل بها الناس بعضهم مع بعض". ولقياس التغيرات في ردود أفعال البشر بعضهم تجاه بعض، أجرى الباحثون في جامعتي ييل وكورنيل تجربةً قسموا فيها المشاركين إلى فِرَقٍ من أربعة أعضاء، بحيث يتكون كل فريق من ثلاثة أشخاصٍ وروبوتٍ صغير شبيه بالبشر، ثم جعلوهم يلعبون لعبةً تعاونية على حواسيب لوحية تعمل بنظام «الأندرويد». وفي بعض هذه الفرق، بُرمِجَت الروبوتات كي تتصرف على نحوٍ "حسَّاس"، لتصدر عنها أفعالٌ مثل الاعتذار عن ارتكاب الأخطاء، والاعتراف بعدم الثقة بالنفس، وإلقاء النكات، ورواية قصصٍ شخصية عن "حياتها"، والتحدث عن "مشاعرها". أما مجموعات المقارَنة في الدراسة فتكونت من مشاركين بشريين وروبوتاتٍ إما تتحدث على نحوٍ جامدٍ خالٍ من المشاعر، أو تظل صامتةً تمامًا.

ثم رصد الباحثون كيف اختلف التواصل بين أعضاء كل مجموعة وفق نوع الروبوت فيها. ووجدوا أنَّ الأشخاص الذين عملوا مع روبوتاتٍ تُبدي سلوكياتٍ "حساسة" أمضوا وقتًا أطول في التحدث مع زملائهم من البشر، مقارنةً بأعضاء مجموعات المقارنة. وتبيَّن أيضًا أنَّ مَن يعملون مع الروبوتات الحساسة قسَّموا محادثاتهم بين أعضاء فرقهم من البشر على نحوٍ أكثر عدلًا. وأفاد هؤلاء المشاركون لاحقًا بأنهم اعتبروا تجربتهم أكثر إيجابية، مقارنةً بأعضاء مجموعات المقارنة. وأوضحت سيبو: "نعتقد أنَّ التعبيرات الحساسة التي أدلت بها الروبوتات ساعدت المجموعة على الشعور براحةٍ أكبر في أداء مهمةٍ مصممة لتتسبب لهم في قدرٍ كبير من التوتر. ونتيجةً لذلك، تحدَّث هؤلاء أكثر فأكثر بمرور الوقت، وكوَّنوا نظرةً أكثر إيجابيةً عن التجربة بأكملها".

ويقول فرشيد أمير عبد اللهيان، أستاذ التفاعل بين البشر والروبوتات في جامعة هيرتفورد شاير بإنجلترا، والذي لم يشارك في هذه الدراسة: إنَّ البحث يقدم مزيدًا من الأدلة على أنَّ "هندسة السلوك الاجتماعي للروبوتات يمكن أن تؤثر على فائدتها وآثارها على الآخرين". بعبارةٍ أخرى، يمكن للمطورين تغيير سلوك الأشخاص الذين يتفاعلون مع هذه الآلات الذكية من خلال تغيير أفعالها.

وأضاف عبد اللهيان أنَّ البحوث المستقبلية في ذلك الشأن ينبغي أن تدرس مسألة استمرار هذه الآثار مدةً أطول. وتساءل قائلًا: "ماذا سيحدث لو اختبر المشاركون هذه التعبيرات المثيرة نفسها على امتداد مدةٍ أطول، طوال أسابيع مثلًا من التعامل مع هذه الروبوتات؟". وأشار أيضًا إلى أنَّ تلك البحوث لا بد أن تدرس تأثير الأنواع المختلفة من تلك السلوكيات الحساسة للروبوتات -مثل الاعتذار، ورواية القصص، والمزاح- على التفاعلات بين البشر ومحادثات بعضهم مع بعض.

لكن قد تكون نتائج هذه الدراسة في حد ذاتها مفيدةً في بعض المواقف بعالمنا الحالي. إذ يتفاعل البشر يوميًّا بالفعل مع أدواتٍ رقمية عديدة تحاورهم، مثل برنامج «سيري» Siri الخاص بشركة «أبل» Apple، وبرنامج «أليكسا» Alexa الخاص بشركة «أمازون» Amazon، وبرنامج «جوجل هوم» Google Home. وترى مارجريت تريجر -طالبة الدكتوراة بجامعة ييل، والتي شاركت في الدراسة- أنَّه ينبغي للعلماء الذين يطورون تلك الروبوتات والبرامج الرقمية أن يأخذوا في اعتبارهم تأثيراتها على التفاعلات بين البشر في أثناء تصميمها.

ويقول مالتي يونج، الأستاذ المساعد لعلوم المعلومات في جامعة كورنيل، وأحد المشاركين في الدراسة: إنَّ الروبوتات القادرة على التواصل يمكنها تحسين طبيعة سلوك الإنسان. وأضاف: "يوضح عملنا أنَّ التكنولوجيا لها القدرة على دعم فرق العمل، من خلال التأثير على دينامياتها الاجتماعية". وبدلًا من أن يقتصر دور هذه الآلات فقط على تقليل كمية العمل التي يؤديها الموظفون، فإنَّها تستطيع أيضًا أن تجعلهم أكثر كفاءةً، من خلال التأثير بدقة وبراعة على الديناميات الاجتماعية؛ "لمساعدة الفرق على تقديم أفضل أداءٍ ممكن".