عندما يتم إطلاق المسبار الفضائي «إقليدس»Euclid ، التابع لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، داخل صاروخ من مركز جيانا للفضاء في كورو، بمقاطعة جيانا الفرنسية، في سبتمبر 2022، سوف يحمل على متنه العديد من الأشياء، والتي تفوق بكثير تليسكوبه الذي يبلغ قطره 1.2 مترًا، وجهازيه المتقدمين المخصصين للتصوير واسع المجال.

إن البيانات التي سيجمعها مسبار «إقليدس»، إلى جانب القياسات المكملة المستقاة من مرصدين آخرين من نوع الجيل الجديد، هما مرصد «فيرا سي. روبن»، وتلسكوب «نانسي جريس رومان» التابع لوكالة ناسا الأمريكية، سوف تساعد علماء الكونيات في التعرف على الحقائق الأساسية للكون.

يهدف المسبار تحديدًا خلال مهمته التي ستمتد إلى ستة أشهر، في مدار حول الشمس يبتعد عن الأرض مسافة 1.5 مليون كيلومتر، إلى الكشف عن طبيعة الطاقة المظلمة، تلك القوة الغامضة التي تغذي  تسارُع تمدد الكون، والكشف أيضًا عن المادة المظلمة، تلك المادة غير المرئية التي تعمل بمنزلة صمغ جاذب يشد المجرات والبنى الكونية الأخرى بعضها إلى بعض. ستضع دراسات المسبار «إقليدس» أيضًا اختبارًا حاسمًا آخر لنظرية النسبية العامة لأينشتين على مدى واسع، هو المسافات بين المجرات. وربما يكون في انتظار المسبار أيضًا الكشف عن فيزياء جديدة متقدمة، أو حتى اكتشاف مصير الكون نفسه.

يقول جوسيبه راكا، مدير مشروع المسبار الفضائي بوكالة الفضاء الأوروبية: "تشمل الأهداف الرئيسية لمسبار «إقليدس» إجراء قياسات خاصة بعناقيد المجرات، وإنتاج مسح دقيق ثلاثي الأبعاد لتطور المادة المظلمة والطاقة المظلمة"، ويضيف: "من شأن ذلك أن يساعد الباحثين على تحديد معدل تسارُع تمدد الكون، واكتشاف ما إذا كان للطاقة المظلمة قيمة ثابتة أم لا".

مسبار «إقليدس»، وهو الآن في مراحل التجميع النهائية في مصنع إيرباص بمدينة تولوز الفرنسية، سيعمل على قياس أشكال أكثر من ملياري مجرة، والمسافات بين مئات الملايين من مجرات أخرى، بمستوى غير مسبوق من الدقة، من خلال الرصد باستخدام كلٍّ من الأطوال الموجية المرئية والأطوال الموجية القريبة من تحت الحمراء. يقول راكا: "ستتفوق الصور -من حيث جودتها- على أي صور أخرى جرى التقاطها حتى الآن".

سيقيس جهاز الأطوال الموجية المرئية الذي يستخدمه «إقليدس» أيضًا التشوه البصري للمجرات البعيدة، والذي ينتج عن ظاهرة تُعرف باسم المفعول العدسي التثاقلي الضعيف. فعلى غرار ما قد تبدو عليه الأشياء مُكَبَّرة أو مُتقلِّصَة أو متمدِّدة، عندما ننظر إليها من خلال كوب مليء بالماء، يمكن أن تتشوه رؤيتنا للمجرات عندما يمر الضوء القادم منها، في طريقه إلى كوكب الأرض، خلال مناطق اعوجاج في الزمان والمكان حول النجوم والمجرات، والثقوب السوداء، وتكتُّلات المادة المظلمة. يستطيع الباحثون من خلال تحليل هذا التشوه أن يحسبوا كتلة المادة المتداخلة، سواء كانت مرئية أو مظلمة، وهي المسؤولة عن انحراف الضوء، مع إعاقة تأثير الطاقة المظلمة أيضًا.

تقول راشيل ماندلباوم، عالِمة الفيزياء بجامعة كارنيجي ميلون الأمريكية: "تقول نظرية النسبية العامة شيئًا عن وجوب أن يكون الكون متمددًا، معتمدةً في ذلك على ما يوجد فيه من مكونات، كما تشير أيضًا إلى كيف أن أشعة الضوء يجب أن تنحني بواسطة انتشار المادة، تحت تأثير الجاذبية"، وتضيف: "باستخدام القياسات المأخوذة بواسطة «إقليدس»، مع قياسات بعض البعثات الفضائية الأخرى في المستقبل، سيكون بمقدورنا أن نصمم اختبارات للحكم على مدى توافق النسبية العامة مع البيانات التي جرى الحصول عليها من ملحوظات المفعول العدسي الضعيف".

يمثل اختبار النسبية العامة واحدًا من أهداف تليسكوب «رومان» الفضائي أيضًا. جهاز المجال الواسع الخاص بذلك التليسكوب، والمقرر إطلاقه أواخر عام 2025، سيقوم بجمع الضوء من مليار مجرة، وقياس المسافات التي تفصلنا عن المستعرات العظمى، إضافة إلى مهمات أخرى. (الجدير بالملاحظة أن تليسكوب «رومان» سيختبر أيضًا تقنيات جديدة لتصوير الكواكب التي تدور حول نجوم قريبة منه). كما أن قياساته للمجرات والمستعرات العظمى سوف تتيح للباحثين إجراء تقديرات أفضل لمعدل تمدُّد الكون، واستيضاح دور الطاقة المظلمة، واستخدام هذه المعلومات نفسها لإجراء المزيد من الاختبارات على صحة نظرية النسبية العامة.

وكما هو الحال مع «إقليدس»، سينتج تليسكوب «رومان» أيضًا خريطةً ثلاثية الأبعاد لتوزيع المجرات. لكنه سيعمل في نطاق المنطقة تحت الحمراء فقط. إن مرآة تليسكوب «رومان»، بقطرها الذي يبلغ 2.4 من الأمتار، أي ضِعف مرآة «إقليدس»، تتيح لـ«رومان» أن يتوغل لمسافات أعمق في السماء، ومن ثم سبر التاريخ الكوني، أكثر من نظيره الأوروبي.

هذه الأهداف العلمية المشتركة، والتراكُب الزمني المحتمل في تشغيل تليسكوبي «إقليدس» و«رومان»، ستجعل تليسكوب الجيل الجديد التابع لوكالة ناسا الأمريكية مكملًا لمهمة «إقليدس». يقول ديفيد سبيرجيل، المشارك في رئاسة الفريق العلمي لتليسكوب «رومان»، ومدير مركز الفيزياء الفلكية الحوسبية بمعهد فلاتيرون، في مدينة نيويورك الأمريكية: "إذا رصد «إقليدس» شيئًا مثيرًا في منطقةٍ ما، فإن تليسكوب «رومان» الفضائي لديه المرونة التي تمكِّنه من تحسين برنامجه العلمي وتعديله، على النحو الذي يتيح له أقصى حساسية لهذه المنطقة".

هناك لاعب أساسي آخر في فحص المادة المظلمة والطاقة المظلمة، وهو مرصد «روبن»، الذي سيؤدي مهمة مقرر لها أن تستمر عقدًا من الزمن، وهي دراسة استقصائية لإرث المكان والزمان، معروفة اختصارًا بـLSST، وذلك بمجرد بدء تشغيله بكامل طاقته، فوق قمة بعيدة على جبال الأنديز في تشيلي أواخر عام 2022. ربما يتبين أن الملحوظات التي سيوفرها هذا المرصد ضرورية لمساعدة الدراسات التي ستجرى بواسطة نظيريه الفضائيين.

تقول ماندلباوم، وهي أيضًا المتحدثة باسم التعاون العلمي لبحوث الطاقة المظلمة، التابع لمرصد «روبن»: "سيتم إكمال الملحوظات التي سيحصل عليها «إقليدس» بالبيانات المأخوذة من التليسكوبات الأرضية"، وتضيف: "سيكون مرصد «روبن» -على سبيل المثال- قادرًا على توفير قياسات لونية للمجرات، لكي نفهم إلى أي مدى تبعد تلك المجرات عنَّا".

يمتد الطابع التكاملي للجهازين إلى طريقة تصميمهما أيضًا، وفق كلام ماندلباوم، وتقول: "في حين يفحص «إقليدس» مكانًا ما في السماء، ويجمع الملحوظات عنه، ثم يتوجه لفحص مكان آخر، فإن تليسكوب مرصد  «روبن»، في أثناء إجرائه للدراسة الاستقصائية LSST، سيعود إلى المكان نفسه في السماء كل بضع ليالٍ، ليرصد التأثيرات المرتبطة بالزمن".

قد يكون دمج البيانات المستقاة من التليسكوبات الثلاثة ومقارنتها أمرًا مفيدًا للغاية. يقول سبيرجيل: "فالمزيج القوي من البيانات سيكون ذلك الذي يشمل بيانات السنة الأولى في مهمة تليسكوب «روبن»، مع بيانات تليسكوب «إقليدس» التي تغطي المنطقة نفسها من السماء"، ويضيف: "بالمثل، ما سيحدث في غضون عشرة أعوام، من الدمج بين مجاميع البيانات البصرية المستقاة من «روبن» على مدار عقد كامل، وقياسات «رومان» بالأشعة تحت الحمراء، سيشكل قاعدة بيانات قوية على نحو خاص".

ربما تساعد القياسات الجماعية أيضًا، على مدى السنوات العشر القادمة، في حل واحد من ألغاز علم الفيزياء. فإن تحليل البيانات المتعلقة بطريقة نمو المجرات، أو حتى نمو البنى الكونية الأضخم، قد يتيح للباحثين أن يفرضوا قيودًا أكثر صرامةً على كتل جسيمات النيوترينو، وهي جسيمات أساسية ليس لها شحنة كهربائية، ومن النادر أن تتفاعل مع المادة العادية. تمر تريليونات من هذه الجسيمات الشبحية خلال أجسامنا كل ثانية، دون أن تُحدث تأثيرًا من أي نوع. أما بمقياس المسافات بين المجرات، فقد يكون لأعدادها المهولة تأثيرات على ماضي تطور البنيان الكوني ومستقبله.