إن استرجاعَنا لذكريات ما شهدناه من أحداث لا يضاهي –عادةً- إعادة تشغيل فيديو رقمي سجّلته إحدى كاميرات المراقبة؛ فهو ليس رصدًا سلبيًّا يُعيد بناء التفاصيل المكانية والحِسّية لكل ما جرى بنزاهةٍ، بل غالبًا ما تُجزّئ الذاكرة ما نتعرّض له من تجارب إلى سلسلة من الأحداث المتفرّدة المترابطة. على سبيل المثال، ربما تتذكّر أنك ذهبت للتنزّه سيرًا قبل تناول الغداء في وقتٍ ما خلال الأسبوع الماضي، دون أن تتذكر زجاجة الصودا المُلقاة على قارعة الطريق، أو ذاك الغراب الناعق على شجرة البلّوط في فِناء دارك، أو شطيرة سلطة الدجاج التي تناولتها عند عودتك. إن عقلك يخصص سلّة ذهنية لـ«المشي»، وصندوقًا لاحقًا لـ«الغداء»، وبمجرّد الولوج إليهما، تصير العديد من تلك التفاصيل الأدقّ مُتاحة لك. ويثير هذا النَّسَق تساؤلًا حول كيفية قيام الدماغ بمثل هذا التصنيف.

تزعم دراسة جديدة أجراها سوسومو تونيغاوا -خبير علم الأعصاب لدى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا- وزملاؤه اكتشاف عملية المعالجة العصبية التي تجعل تنظيم الذاكرة في هيئة وحدات متفرّدة أمرًا ممكنًا. ولهذه الدراسة تداعيات على فهم كيفية تعميم البشر للمعرفة، وقد تساعد كذلك في دعم الجهود المبذولة لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تتعلّم على نحوٍ أسرع.

ثمة منطقة بالغة الأهمّية على صعيد تكوين الذاكرة بالدماغ تُسمّى الحُصين، ويبدو أيضًا أنها تُشارك في منظومة الملاحة الدماغية أو التوجّه المكاني. فالعصبونات المُسماة بخلايا «المكان» في الحُصين تستجيب انتقائيًّا للوجود في مواقع محددة، مما يشكّل خريطةً معرفيةً للبيئة المحيطة. وتلك المعلومات المكانية ذات أهمية واضحة بالنسبة للذاكرة «العرضية» (أي الذاكرة المختصة بأحداث السيرة الذاتية لا الواقع الفعلي). لكن جوانب أخرى من خبراتنا مثل المدخلات الحسية المتغيرة مهمة أيضًا لهذه الذاكرة. وثمّة أدلة تشير إلى أن عصبونات الحُصين تعمل على تشفير التغيرات الحسية من خلال تغيير وتيرة نشاطها، وهي ظاهرة تُدعى «إعادة تعيين معدّل التنشيط» Rate Remapping. ووفق دراسة أجراها خبير علم الأعصاب لورين فرانك، بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، وزملاؤه، فإن تلك التغييرات قد تعمل كذلك على تشفير معلومات بشأن المكان لدى الحيوانات، مثل المكان الذي ارتاده الحيوان، ووجهته، مما يتيح لعملية إعادة تعيين معدّل التنشيط تمثيلَ مسارات الترحال. 

وإلى جانب تشفير المتغيّرات التي تتبدّل باستمرار، سواء على صعيد المدخلات الحسّية أو مسارات التنقّل، رجّحت بعض دراسات التصوير سابقًا أن الدماغ يعالج كذلك الخبرات التي يتعرّض لها المرء في هيئة أحداثٍ مجزّأة. لكن الطريقة التي يُنجز بها الدماغ تلك العملية على مستوى عصبي لم تكن قد تبادرت إلى الأذهان. وفي دراسة حديثة نشرتها الأسبوع الماضي دورية «نيتشر نيوروساينس» Nature Neuroscience، ابتكر فريق بحثي بقيادة تشين صن -وهو طالب دراسات عليا لدى مختبر تونيغاوا- مهمّةً ترمي إلى تفكيك الطبيعة المتفرّدة والمجزأة للأحداث عن التفاصيل المكانية والحسّية دائمة التبدُّل، تلك التفاصيل التي تصاحب تجارب الحياة لحظة بلحظة. درّب الباحثون الفئران على الجري في مسارٍ مُربّع الشكل، وبعد إتمام أربع لفّات، كوفئت الحيوانات بالحلوى. وكانت الفئران تزور صندوق المكافآت بعد كلّ لفّة، الأمر الذي قسّم كل تجربة إلى أربعة «أحداث» (على أن تنتهي التجربة بالمكافأة). وكانت كل لفّة تمتدّ على المسار نفسه، ومن ثمّ، كانت المعلومات الحسية والمكانية ثابتة من حدثٍ إلى الذي يليه، وهو ما أتاح للباحثين إسناد التغيرات التي طرأت على نشاط الدماغ إلى ما تغيّر بالفعل، وهو الدورانات في المسار أو الأحداث.

سجل الباحثون النشاط الذي شهدته مئات الخلايا بمنطقة الحُصين في أثناء أداء الفئران لهذه المهمة، وتبيّن لهم أن نحو 30 بالمئة من الخلايا قد أبدت نمطًا خاصًّا بكل لفة، فكانت بعض الخلايا نشطةً للغاية عند مرور القوارض بالمكان الذي استجابت له في اللفة الأولى، وهادئةً نسبيًّا خلال اللفات الثلاث المتبقية. في حين استجابت أخريات خلال اللفة الثانية على نحوٍ يفوق كثيرًا ما كانت عليه خلال بقيّة الدورات، وهلمّ جرًّا. وبدا أن هذه العصبونات، التي أطلق عليها الباحثون مصطلح «خلايا إعادة تعيين معدّل التنشيط المرتبط بحدث» Event-specific Rate Remapping -أو خلايا ESR اختصارًا- تشير إلى اللفة المحددة التي يؤدّيها الفأر توًّا.

وللتأكّد من قيام خلايا ESR بتشفير تلك الأحداث حقًّا، أجرى الباحثون تجارب باستخدام مسارات ممتدّة على استقامة بُعدٍ واحدٍ فحسب، مما زاد من طولها. وحتّى حينما كان طول اللفة يتغير عشوائيًّا بين تجربةٍ وأخرى، ظلّت الخلايا أكثر نشاطًا في اللفة المفضّلة بالنسبة لها، مما يبيّن عدم إمكانية ربط النشاط بالوقت المنقضي خلال التجربة أو المسافة التي قطعتها الفئران. وقال فرانك، الذي لم يشارك في الدراسة: "إن تلك النتائج تدعم فكرة أن الحُصين الدماغي يمكنه التعبير عن بيانات المتغيرات ذات الصلة، بما في ذلك -في تلك الحالة- عدد اللفات التي قامت بها القوارض منذ أن نالت المكافأة".

في تجربة أخرى، درب الفريق الفئران على مسار مربع الشكل في اليوم الأول، ثم استبدلوا به مسارًا دائريًّا في اليوم التالي، وتمخّض التحوُّل إلى البيئة الجديدة عن إعادة تعيين الاستجابات المكانية لخلايا ESR بالكامل على المسار الدائري. واللافت للنظر أن اللّفة التي شهدت استجابةً تفضيلية من جانب تلك العصبونات ظلّت كما هي. وتُرجّح تلك النتائج أن نشاط خلايا ESR يمثل وحداتٍ مُجزّأةً تجسِّد الخبرة، وأنه من الممكن تناقل هذه «الشفرة المرتبطة بالحدث» بين خبرات مختلفة تتقاسم بِنية مشتركة.

ويعقد تونيغاوا مقارنةً بين هذه العملية وأحد السيناريوهات المألوفة، قائلًا: "إذا ذهبت إلى أحد المطاعم لتناول العشاء مع صديقك، فإن هذا الحدث يتألّف من أجزاءٍ مختلفة، فإنك تصل إلى المطعم، ثم تطلب أحد المقبلات، ثم تتخيّر طبقًا رئيسيًّا، ثم عادةً ما تنال طبق التحلية. وبينما يجري هذا كلّه، تتغيّر المحفّزات الآتية إليك، لكنّها في الوقت نفسه تتألّف من أحداث متفرّدة؛ إذ تنتقل من المقبّلات إلى تناول طبقك الرئيسي، ثم الحلوى، وهلمّ جرًّا"، وربما يفسّر التشفير الذي رُفِع عنه الستار في هذه الدراسة كيف يجرّد الدماغ أحداثًا مثل "الطبق الرئيسي على المأدبة" على مدار زياراتٍ مختلفة إلى مطاعم مختلفة بصحبة رفاقٍ مختلفين. وقد تطرح هذه الفكرة نظرةً ثاقبةً إلى الآلية التي يعمم بها الدماغ المعرفة من أجل التعلّم بكفاءة؛ إذ يقول تونيغاوا: "إنك تنقل معرفةً تمتلكها بالفعل، استنادًا إلى خبرةٍ ماضية، لكي تتعلّم أشياءً جديدة. ولهذا السبب، يمكننا تعلّم الأشياء على نحوٍ أسرع كثيرًا"، ويعتقد تونيغاوا أن تلك الرؤى قد تساعد المهندسين على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تتمتّع بالقدرة على نقل أوجه الكفاءة من بيئة إلى أخرى، على غرار روبوتات طبية تنتقل بين المستشفيات.

أظهرت تجربة المسار الدائري أن استجابات الدماغ التي تحدد موقعك الدقيق قد تتغيّر دون تأثير على النشاط الخاص بالحدث. وفي تجربة نهائية، تساءل الفريق عما إذا كان العكس صحيحًا كذلك. تتعاون منطقة تسمى القشرة الدماغية الأنفية الوسطى (MEC) عن كثب مع الحُصين الدماغي في عمليات الإدراك المكاني والملاحة. وهناك أمثلة أيضًا تفيد بمشاركتها في تجزئة الخبرات في صورة أحداث متسلسلة؛ إذ استخدم الباحثون علم البصريات الوراثي «الذي ينطوي على تغيير الخلايا وراثيًّا ليتسنّى تنشيطها أو تثبيطها باستخدام الضوء» لإيقاف الإشارات الصادرة عن القشرة الدماغية الأنفية الوسطى الموجّهة إلى الحُصين في حين تؤدّي الفئران مهمّة الجري الموكلة إليها في التجارب. ولم يكن هناك أثر لذاك الإجراء على الاستجابات المرتبطة بالمكان، لكنّه عطّل بالكامل الاستجابات الخاصّة بالدورات، وهو ما يُرجّح إمكانية التأثير في تشفير المكان والحدث على نحوٍ منفصل، على الرغم من أن الخلايا ذاتها تُعالج هذين الجانبين من التجربة كليهما.

أحد أوجه القصور التي تعتري تلك الدراسة يتمثّل في أن الجري المتكرر في مسارٍ يختلف عن معظم الخبرات الطبيعية. ويقول فرانك: "لا دليل على أن هذه الأنماط المرتبطة بالحدث تنشأ في أوّل مرّة يتعرّض خلالها الحيوان لتجربة تنطوي على مجموعة من الأحداث؛ إذ لا تتجلّى إلا بعد الكثير من وقائع تكرار ذاك التسلسل الذي يصير حينها مألوفًا. ويختلف هذا عن ذكرياتنا العرضية، التي تخضع بموجبها كل تجربة جديدة للتشفير على نحوٍ منفصل، وتُخزّن بوصفها حدثًا في أوّل تعرّض لها -وعادةً ما تحدث لمرّة واحدة فحسب". ويعتقد فرانك أن الخلايا تمثّل "العناصر المُستخلصة ذات الصلة لخبرةٍ ما تنطوي على عناصر مكررة"، ويقول: "إن هذا النَّسَق يذكرنا بالتقارير الصادرة عن دراسات تناولت عصبونات الحُصين، التي "تنشط عصبيًّا على نحوٍ مُشابه -ولكن ليس على نحوٍ مطابق- عند التعرُّض لعناصر متكررة هندسيًّا من البيئة ذاتها".

يقول عالِم الأعصاب جيورجي بوزاكي، من كلية غروسمان للطب في جامعة نيويورك، لم يشارك في الدراسة، رغم تقديم تعليقاته للباحثين: "إن هذه تجربة مُستبصرة، وقد أُجريت بعناية قيد عناصر ضبطٍ عديدة في مختبر تونيغاوا". لكن بوزاكي يُبدي تحفّظًا أكثر راديكالية على ما يجري؛ إذ يعتقد أن جميع الخصائص التي أوكلها الباحثون لعصبونات الحُصين هي جوانب مختلفة للآلية الأساسية عينها. ولشرحِ تلك الفكرة، عقد خبير علم الأعصاب مقارنةً بين هذا المثال والعلاقة بين حركة مُحرّك السيارة، والمسافة المقطوعة، وزمن الرحلة، إنها متغيّرات مختلفة تعكس عملية واحدة أساسية.

في حالة الذاكرة العرضية، تكون العناصر المفترضة هي: ماذا، وأين، ومتى. ويقول بوزاكي: "إن تعريف الذاكرة العرضية هو: ما الذي حدث لي؟ وأين؟ ومتى؟"، وحين تجمع تلك العناصر معًا، فإنها تعيد تخليق حدث، "وهذا يُدعى الذاكرة"، حسبما أضاف. وقد ربط الباحثون النشاط الذي عكفوا على رصده خلال الدراسة بأسئلة ماذا، وأين، ومتى، ولكنّ كل ما يفعله الحُصين هو تشفير التجربة بكفاءة في صورة تسلسل عصبوني.

إن هذا الحُصين "يشبه أمين مكتبة يخبرك بأن عليك الذهاب إلى الرف الخامس في الصف الثاني، وسيكون الكتاب التالي هذا، ويليه ذاك، وهكذا دواليك. لكن أمين المكتبة لا يُبصر فحوى تلك التسلسلات التي تتكوّن في القشرة، ومن ثمّ، فإن تفسير جيورجي بوزاكي للنتائج الجديدة هو أن الخلايا لا تشفّر خصائص مجردة خاصّة بالحدث -مثل رقم الدورة التي يؤديها الفأر، أو مأدبة الطعام التي يجلس عليها المرء- بقدر ما تخلق التسلسلات الترتيبية التي تعطي الذاكرة النسق اللازم بالنسبة لنا لفهم ما يجري.