وصفت ورقة علمية نُشرت مؤخرًا في دورية "نيتشر" الآليات والتحديات المتعلقة بالشيخوخة، مشددةً على أن الطول المتوقع لعمر الإنسان تحول إلى عبء عالمي يتعلق بمداوة الأمراض في المراحل المتأخرة من الحياة.

وأشار الباحثون إلى أن بعض كبار السن لا يعانون اعتلالًا صحيًّا يُذكر، وهي سمة ينبغي دراستها وتوسيع نطاقها لتشمل عموم البشر.

وقالت الدراسة إن "هناك مجموعة من التدخلات في نمط الحياة يُمكن أن تساعد في الحفاظ على الصحة في الأعمار المختلفة، ومن ضمنها زيادة ممارسة التمارين الرياضية والحد من تناول الطعام وإزالة الخلايا المتشيخة ومواءمة الأبحاث العلمية التي أُجريت على الحيوانات وتطبيقها على البشر".

وأوضحت الدراسة أن "متوسط العمر المتوقع للإنسان في معظم البلدان المتقدمة تضاعف خلال الـ200 عام الماضية بسبب تحسين نوعية الماء والغذاء والاهتمام بالنظافة والتحصين ضد الأمراض المعدية وزيادة فاعلية المضادات الحيوية والرعاية الطبية المحسَّنة".

ورغم زيادة متوسط الأعمار، لم يزد العمر الصحي الخالي من الأمراض؛ إذ غالبًا ما تبدأ الأمراض في زيارة البشر في عمر الخمسين، ما يُقلل من جودة الحياة رغم طولها.

وتقول الورقة العلمية إن العثور على الآليات الأساسية لعملية الشيخوخة يُمكن أن يُحسِّن من صحة البشر، مشيرةً إلى أن العمل التجريبي مع الحيوانات المختبرية، ولا سيما الخميرة والديدان الخيطية وذبابة الفاكهة والفئران، يُمكن أن يؤدي إلى مجموعة من التدخلات الوراثية والبيئية والدوائية التي تُطيل العمر وتقلل من فقدان وظيفة الأجهزة الحيوية أو تعطلها في المراحل العمرية المتأخرة.

ووفقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية، فإن نسبة سكان العالم الذين سيتخطون الستين ستتزايد بين عامي 2015 و2050 من 12% إلى 22%، أما عدد مَن يبلغون الـ60 عامًا فسيتجاوز عدد الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 5 سنوات بحلول عام 2020.

وتشير المنظمة إلى أن "الشيخوخة تحدث نتيجة تراكم الأضرار الجزيئية والخلوية، إذ يؤدي ذلك التراكم إلى انخفاض تدريجي في القدرات الفسيولوجية والعصبية"، مشددةً، في الوقت ذاته، على أن "صلة تلك التغيرات بعمر الفرد غير قوية، إذ إن بعض الأشخاص في الأعمار المتأخرة لا يتأثرون بالكيفية ذاتها التي يتأثر بها ذووهم".

وتصل معدلات الوفاة عند البشر إلى الحد الأدنى في سن البلوغ، ثم يبدأ التدهور في العقد الثالث؛ إذ تحدث تغيُّرات مرتبطة بالعمر في تكوين الجسم، تتضمن فقدان العظام والغضاريف وكتلة العضلات، ويبدأ الشخص في اكتساب الدهون في منطقة البطن.

وفي وقت لاحق تحدث تغيرات جهازية، على سبيل المثال في نظام الغدد الصماء، مما يؤدي إلى تغير مستويات الهرمون وضغط الدم، ويُمكن أن تتأثر أيضًا استجابات الجسم للهرمونات، كما هو الحال في مقاومة الإنسولين.

وفي أثناء شيخوخة الجسم، تحدث أيضًا تغيُّرات هيكلية -تتضمن تصلُّب الأوعية الدموية- يُمكن أن تؤثر على وظائف القلب والدماغ.

وتقول الدراسة إن التحليل الوراثي للأفراد يُمكن أن يُحدد الأهداف المحتملة لمجموعة من التدخلات التي يُمكنها إطالة العمر الصحي، موضحةً أن "هناك مجموعة من الدراسات تؤكد أن الموروثات لها تأثير على عمر الإنسان بنفس قدر تأثير العوامل البيئية والسلوكية الشائعة في المجتمعات".

ويرى الباحثون في الدراسة ضرورة ترجمة الاكتشافات العلمية الخاصة بشيخوخة الحيوانات لمزيد من التجارب السريرية المعنية بالبشر ذواتهم.

من جهتها، تقول "إلين ستاجبوم" -الباحثة في معهد ماكس بلانك للبيولوجيا وأبحاث الشيخوخة في ألمانيا والمؤلفة الرئيسية للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن العلماء يجب أن يتعلموا من النماذج الحيوانية، فعملية الشيخوخة عند الحيوانات قابلة للتعديل عبر استخدام مركَّبات كيميائية يُمكنها إبطاء العملية أو حتى عكسها".

إلا أنا "إلين" تعود وتؤكد أن "مراقبة الشيخوخة ومعرفة آلياتها وأساليب السيطرة عليها أكثر صعوبةً عند البشر؛ بسبب وجود مجموعة كبيرة من المتغيرات كالأنظمة الغذائية والنشاطات التي تحفز عملية الشيخوخة عند البشر".

وترى "إلين" ضرورة وجود أجهزة وأدوات لقياس المؤشرات الحيوية بصورة أفضل، وتوفير طرق ذكية للجمع بين التغيرات الفسيولوجية والاجتماعية والنفسية والسريرية في دالة واحدة تُظهر نتائج موثوقة يُمكن من خلالها فهم مخاطر الشيخوخة ووسائل التدخل بطرق صحية تمهيدًا لوقف آثارها مع مراقبة تأثيرات الوقاية منها على جميع المستويات الصحية والاقتصادية والاجتماعية، على حد وصفها.