من بين المائة وستين مليون طن من الأطعمة البحرية التي ينتهي بها المطاف إلى أطباق الطعام كل عام، يأتي 50% من الاستزراع المائي (pdf).

ويتطلب استزراع كل هذا السلمون والبلطي والروبيان توفير إمدادات ثابتة من المكملات الغذائية المثالية، من أسماك الأنشوجة الزيتية والسردين، وغالبًا ما يُطلق على هذا النوع من الأسماك اسم "الأسماك العلفية"، وهي غنية بالبروتينات والدهون والفيتامينات، ومن بين العشرين مليون طن من الأسماك العلفية التي تُسحَب من البراري كل عام، يُحضَّر نحو 90% في صورة وجبات أو زيت لتغذية الأسماك المُستزرَعة للاستهلاك البشري.

لكن في ظلّ توقعات استمرار الاستزراع المائي في الازدهار (تتوقع الأمم المتحدة زيادة الإنتاج بنسبة 34% بحلول عام 2026)، سينمو هذا القطاع بمعدل يفوق حجم إمدادات الأعلاف التي يستهلكها، هذه المعضلة دفعت الباحثين إلى محاولة التوصل إلى تركيب بديل من شأنه توفير العناصر الغذائية الموجودة في الأسماك العلفية، على أن يكون مستدامًا واقتصاديًا وفي نفس الوقت لا يستنزف الموارد المتاحة، مثل الحبوب التي يعتمد عليها البشر بشكل مباشر في غذائهم.

يقول مايكل تلوستي، أستاذ أنظمة الاستدامة والأنظمة الغذائية المشارك بجامعة ماساتشوستس في بوسطن: "الوجبات المكونة من الأسماك مهمة للاستزراع المائي، الذي إذا كان له أن ينمو، فلا بدَّ أن يتخلَّص من اعتماديته على الأسماك العلفية"، ويتابع: "لكن كيف لنا أن نتوصل إلى منتجات جديدة تمامًا لسد هذا الاحتياج؟"

حتى عند مستويات إنتاج الاستزراع المائي الحالية، يتسبَّب الطلب المتزايد والإمدادات المحدودة في جعل الوجبات والزيوت الخاصة بتغذية الأسماك باهظة الثمن لدرجة لا تسمح باستخدامها فيما يزيد على 30% تقريبًا من الغذاء الذي يُقدَّم للأسماك المستزرعة، توفر هذه الكمية ما يكفي من الخليط الضروري من المغذيات (بما يشمل أحماض أوميجا 3 الدهنية المستحبة)، لمساعدة بعض الأنواع على تحقيق نمو أسرع، الأمر الذي سيجعل هذه الأنواع تتطلب كمًّا أقل من الأعلاف على مدار دورة إنتاجها، وبحسب هالي إي. فروليش، التي ستصبح قريبًا أستاذًا مساعدًا في جامعة كاليفورنيا بمدينة سانتا باربارا، والتي تدرس الاستزراع المائي والمصايد السمكية العالمية، يعوِّض معظم المنتجين السعرات الحرارية المتبقية باستخدام فول الصويا والحبوب ومنتجات رخيصة أخرى.

ولكن هناك طلب كبير بالفعل على فول الصويا والحبوب لتوفير الغذاء لأنواع أخرى من حيوانات المزارع، كالأبقار والخنازير، ولاستخدامها كمواد يتغذى عليها البشر بشكل مباشر، وبحسب جيليان فراي الباحثة في مجال الأطعمة البحرية والصحة العامة في مركز جونز هوبكنز للمستقبل الملائم للعيش بجامعة جونز هوبكنز فإن الطلب المتزايد على هذه المحاصيل يتسبب بالفعل في إزالة الغابات وزيادة نسبة رواسب الأسمدة التي تُصرَّف في المجاري المائية.

بأخذ كل ذلك في الاعتبار، يعمل عدد من الباحثين والشركات الناشئة على تطوير أغذية جديدة من موارد أخرى، ويتطلع بعض المختبرات إلى محاكاة وجبات الأسماك العلفية، بأخذ خطوة للوراء في شبكة الغذاء والنظر إلى الطحالب التي تأكلها الأسماك العلفية ذاتها، والتي تعد المصدر الأصلي لأحماض أوميجا 3 القيمة، وغيرها من المغذيات الدقيقة.

بالاب ساركر، الأستاذ المشارك في بحوث الاستزراع المائي المستدام في جامعة كاليفورنيا بمدينة سانتا كروز، توصل -بالتعاون مع فريقه- إلى أن أسماك البلطي النيلية تكتسب المزيد من الوزن بغذاء أقل، بل وتكتسب قدرًا أكبر من أحماض أوميجا 3، عند استهلاكها نوعًا معينًا من الطحالب بدلًا من زيت السمك المعتاد.

يشير ذلك إلى أن الطحالب يمكن أن تمثل مصدرًا بديلًا وعمليًا للأحماض الدهنية السمكية بالنسبة لهذا النوع من الأسماك المستزرعة، كما تشير أبحاث أُجريت في مختبرات أخرى إلى أن كائنات دقيقة مشابهة يمكنها أن تحل محلّ جزءٍ من المنتجات السمكية التي تُقدَّم كغذاء لأسماك الطبل الأحمر وأسماك سلمون المحيط الأطلنطي.

الطحالب ليست الكائنات البديلة الوحيدة التي يدرسها الباحثون؛ ففي الوقت الراهن، تختبر مارجريت أوفرلاند، أستاذ الأغذية بالجامعة النرويجية لعلوم الحياة، ما إذا كانت خميرة معينة غنية بالبروتينات، تنمو على خشب أشجار التنوب النرويجية وعلى سكريات الأعشاب البحرية، يمكنها أن تعمل كعلف سمكي مقلَّد.

تقول أوفرلاند: "هذه الخميرة مستدامة، إذ يمكن إنتاجها بشكل مستقل عن الأراضي الصالحة للزراعة، وتستخدم القليل من المياه العذبة، ويمكن أن تستخدِم كتلة حيوية منخفضة القيمة"، من النوع الذي يندر استخدامه كطعام من جانب البشر. وكشفت أوفرلاند وفريقها أن أسماك سلمون المحيط الأطلنطي التي جرى تحويل ثلث كمية الغذاء المقدَّمة لها إلى هذه الخميرة، اكتسبت وزنًا بسرعة مماثلة للسرعة التي اكتسبت بها هذا الوزن الأسماك التي تتلقى تغذية تقليدية، ولجعل هذا المنتج أسهل هضمًا بالنسبة للأسماك، يجري الباحثون تعديلات على سلالة الخميرة تلك وعلى المركبات السكرية التي يغذونها عليها، لمعرفة ما إذا كان ذلك سيساعد الأسماك على ابتلاع هذه الخميرة بسلاسة أكبر.

ويجرِّب باحثون آخرون كل شيء، من البكتيريا إلى الصراصير، للتوصل إلى بدائل للأسماك العلفية. يقول تلوستي إن بعض الباحثين (ساركر وأوفرلاند ليسا من بينهم) يتنافسون في مسابقة تُدعى ’’تحدي إف 3‘‘ لمعرفة من سيتمكن من بيع أكبر كمية ممكنة من بديل الزيت الخاص به، وذلك في محاولة لدفع عجلة الابتكار قدمًا.

وبالنسبة لمعظم الباحثين، يمثل التوسّع العقبة الأكبر، إذ إن تعويض الـ22 مليون طن من أسماك الاستزراع المائي البرية التي تُستخدم كل عام سيتطلب إنتاج كميات هائلة من الطحالب الدقيقة. يقول ساركر "لا يستطيع مختبرنا إنتاج الكمية التي قد نحتاج إليها لتلبية المستويات المطلوبة من العلف".

ويتابع قائلًا إن تحقيق هذا المستوى من الإنتاج ضروري أيضًا لخفض الأسعار، لأنه إذا لم تخفض الأسعار سيستمر المزارعون في استخدام الحبوب باعتبارها بديلًا مناسبًا ورخيص الثمن، ويأمل ساركر أن يحقق هذه الأهداف باستخدام منتجات ثانوية تنتجها شركات أخرى تجمع الطحالب لاستخدامها في تصنيع المكمِّلات الغذائية البشرية وغيرها من المنتجات، يقول ساركر: "هذا المنتج الجديد سيساعد قطاع إنتاج الطحالب الدقيقة على النمو، لأنه سيوفِّر للقطاع مصدرًا آخر للإيرادات".

وتحديد النسب الصحيحة للأحماض الدهنية، مثل أحماض أوميجا 3، جزء أصيل من مشكلة الحاجة إلى زيادة معدلات إنتاج هذا النوع من بدائل الأعلاف، وتتطلب محاكاة التوازن الطبيعي الموجود في زيت السمك إحدى طريقتين: سيتعين على الباحثين إما العثور على سلالات مثالية من الطحالب أو الخميرة ومن ثمَّ تغذيتها بالبادئ المناسب بحيث تنتج الميكروبات ذات الصلة، كل شيء بشكل متناسب، وإما سيتعيَّن عليهم الجمع بين أحماض دهنية مستمدة من مصادر متنوعة، ما سيجعل تنسيق أعمال الإنتاج أكثر صعوبة.

وحتى لو كان ممكنًا إعادة إنتاج هذا الخليط من المغذيات بمثل هذا التوازن الدقيق، ورفع إنتاج الطحالب والخميرة إلى المستويات المطلوبة، ستظل هناك أسئلة بلا إجابة، ومن بينها على سبيل المثال السؤال المتعلق بكمية غازات الدفيئة التي ستنبعث جرَّاء عمليات تكرير الأعلاف المقلَّدة، يقول تلوستي إن الأفكار المتعلَّقة بهذه الأعلاف لا تزال في بدايتها ويصعب الاعتماد عليها لحساب مثل هذه الأمور، على الرغم من أن عمليات التخميرالصناعي المستخدمة حاليًا، مثل عملية تخمير البيرة، تشير إلى ما يمكن أن تبدو عليه هذه الانبعاثات.

قد يكون التغلب على مختلف العقبات، والإجابة عن هذه الأسئلة، أمرًا بالغ الأهمية بالنظر إلى ضرورة الحفاظ على استمرارية أنظمة إنتاج الغذاء البشري، مع عدم مفاقمة عوامل الإجهاد المتزايدة التي تتعرَّض لها النظم البيئية البحرية نتيجة عمليات الصيد الجائر وتغيّر المناخ، يقول تلوستي: "إنتاج الاستزراع المائي آخذ في الارتفاع، ما نحتاج إليه، كقطاع صناعي مسؤول، هو التأكد من أن جميع السيناريوهات المستقبلية قد تحددت".