بعد أن وضعت رائدة الفضاء القطعة الأخيرة في مكانها وشعرت "بالتكّة" التي تدل على إحكام التركيب من خلال قفاز بذلة الفضاء، توقّفت للحظة لتلقي نظرة على المشهد، رأت انعكاس صورتها يسبح أمامها على سطح قرص فضي ضخم حجمه كثلاثة ملاعب تنس، ولوهلة شعرت كما لو كانت حشرة تطفو على سطح بركة مظلمة، وهذا القرص، الذي يتكوَّن من مئات الأشكال السداسية المعدنية المتداخلة مثل ذلك الذي ثبّتته لتوها، ليس إلا مرآة ضخمة يبلغ عرضها 30 مترًا، ويمثل العيّن التي تجمع ضوء النجوم لأكبر تلسكوب فضاء بناه البشر على الإطلاق.

ومن موقعها أعلى الذراع الآلية لمحطة الفضاء الصغيرة، كانت الأرض تبدو لها جُرمًا سماويًا باللونين الأزرق والأبيض، صغير الحجم لدرجة أنه يمكنها تغطيته إذا فردت إبهامها، وقد جعلها ضوء القمر الساطع الهادئ الذي يدور على بُعد آلاف الكيلومترات تحت قدميها أصغر حجمًا.

على الرغم من أن هذا المشهد لا يزال في نطاق أعمال الخيال العلمي، فإن حشدًا من العلماء والمهندسين والتقنيين يقول إنه في طريقه لأن يتحوَّل إلى حقيقة، وتحت رعاية مبادرة متواضعة لوكالة ناسا، تقيِّم هذه المجموعة المتنوعة من الخبراء كيف يمكن لوكالة الفضاء بناء تلسكوبات فضاء أكبر حجمًا وأفضل أداء مما كان يُعتقد أنه ممكن في الماضي، عن طريق بناء تلك التلسكوبات وصيانتها في الفضاء.

وهذا المشروع، الذي يُعرف رسميًا باسم دراسة "التلسكوب المُجمَّع في الفضاء" "in-Space Assembled Telescope" study (iSAT) جزءٌ من توجّه طويل المدى يُحرز فيه العلم تقدمًا بالاستفادة من تكنولوجيات جرى ابتكارُها في الأساس لأغراض عملية أكثر.

فعلى سبيل المثال، حفَّز ابتكار أقمار المراقبة الصناعية والصواريخ الحاملة للرؤوس الحربية خلال الحرب الباردة في القرن العشرين ابتكارَ المسبارات الآلية لاستكشاف الكواكب، بل وأيضًا بعثات أبولو -التي تحمل على متنها بشرًا- إلى القمر التي أطلقتها وكالة ناسا.

 وبالمثل، فإن الطلب العسكري والصناعي المتزايد على بناء الأقمار الصناعية وصيانتها في المدار في القرن الحادي والعشرين يمكن أن يؤدي إلى صناعة تلسكوبات فضاء محسَّنة بشكل كبير، قادرة على تقديم إجابات واضحة لبعض أكبر الأسئلة التي تواجه العلم؛ مثل هل نحن وحدنا في هذا الكون أم لا.

ويقول مات جرينهاوس، عالم الفيزياء الفلكية في مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لوكالة ناسا والذي يشارك في هذه الدراسة: "برنامج "التلسكوب المُجمَّع في الفضاء" قد يكون كبعثة أبولو التالية لوكالة ناسا، والاكتشافات العلمية التي قد يتيحها هذا البرنامج ستتضمن على الأرجح اكتشاف حياة خارج كوكب الأرض، وهو إنجاز سيتفوق على بعثة أبولو من حيث تأثيره على الإنسانية".

في العديد من الجوانب، يُمثّل بناء مركبة فضائية وإصلاحها في الفضاء ثورة علمية اندلعت بالفعل، ولكنها تبقى بعيدة عن لفت الانتباه إليها من خلال سجل إنجازات يخلو من الأخطاء تقريبًا، يجعل الأمر برمته روتينا على نحو خادع، وفي الواقع، برز اثنان من أهم مشروعات وكالة ناسا -محطة الفضاء الدولية ISS وتلسكوب هابل الفضائي Hubble Space Telescope- إلى الوجود بفضل أعمال البناء في المدار.

ويبلغ حجم محطة الفضاء الدولية، التي جرى تجميعها وإعادة تجهيزها في المدار على مدار عقدين، حجم ملعب كرة قدم تقريبًا، وبها مساحة صالحة للعيش أكبر من منزل مكوّن من ست غرف نوم، كما أن عمليات الإصلاح في الفضاء فقط هي التي أتاحت لتلسكوب هابل أن يصبح التلسكوب الأبرز والأكثر نجاحًا في العالم، بعد أن نجح طاقم مكوك فضائي في بعثة صيانة هي الأولى من نوعها في عام 1993 في إصلاح عيب خطير في المرآة الأساسية للمرصد، ومنذ ذلك الحين، نفَّذ رواد الفضاء أربع بعثات صيانة أخرى لتلسكوب هابل، استبدلوا فيها معدّات وحدّثوا أدوات، مما تمخّض في النهاية عن تجديد شامل للتلسكوب وكأنه وُلد من جديد.

تصوّر فني لبعثة "دراجون فلاي" القادمة، وهي عبارة عن تعاون بين وكالة ناسا وشركة "سبيس سيستمز لورال" لتوضيح التكنولوجيا المطلوبة لعمليات البناء المدارية، ستُجمِّع الذراع الآلية للمركبة "دراجون فلاي" (الصورة الداخلية) وتنشر عاكسات لإنشاء مجسّ هوائي لاسلكي ضخم عند إطلاق البعثة في وقت ما من عشرينيات القرن الحادي والعشرين. Credit: NASA and SSL

واليوم يوجد العديد من المشروعات التي تدفع هذه الجهود الرائدة قُدمًا، ومن شأنها إطلاق العنان لإمكانات جديدة. وبالفعل تعمل وكالة ناسا ووكالة مشاريع البحوث المتطورة التابعة للبنتاجون (داربا) Defense Advanced Research Projects Agency (DARPA) وكذلك شركات من القطاع الخاص مثل "نورثروب جرومان" و"سبيس سيستمز لورال" على بناء مركبة فضائية آلية للإطلاق في غضون السنوات القليلة المقبلة في بعثات طويلة، لإعادة تزويد أقمار صناعية تجارية وحكومية بالوقود، وإصلاحها، وتحديثها، وإعادة تمركزها.

ويمكن استخدام هذه المركبات الفضائية -أو على الأقل التكنولوجيا التي تستخدمها- لتجميع التلسكوبات وغيرها من البنى الضخمة في الفضاء، مثل التخطيط المستمر من جانب وكالة ناسا لإرسال بعثات مأهولة بالبشر إلى القمر والمريخ.

وفي العام الماضي، أخذت ناسا زمام المبادرة في صياغة استراتيجية وطنية لتطوير جهود القطاعين العام والخاص لتجميع التلسكوبات في الفضاء في عشرينيات القرن الحادي والعشرين وما بعد ذلك، برعاية "منتدى الشراكة" بين وكالة ناسا والقوات الجوية الأمريكية و"مكتب الاستطلاع الوطني".

وقد تضع هذه التوجهات نهاية لما يراه بعض الخبراء "العصر المظلم" لعلوم واستكشاف الفضاء. يقول جو باريش، العضو المشارك في دراسة "التلسكوب المُجمَّع في الفضاء" ومدير برنامج لدى مكتب التكنولوجيا التكتيكية التابع لداربا، والذي يرأس بعثة "الصيانة الآلية لأقمار المدار الأرضي الجغرافي المتزامن": "تخيَّل عالمًا عندما ينفد فيه الوقود من سيارتك، بدلًا من الذهاب بها إلى محطة الوقود فإنك تأخذها إلى ساحة المخلفات وتتركها، أو عالمًا عندما تدخل فيه بيتك لأول مرة لا يمكنك أبدًا إدخال المزيد من مشتريات البقالة إليه مرة أخرى، ولا يمكنك أن تطلب من سبّاك أن يأتي ويُصلح تسريبًا في أحد الأنابيب، أو لا يمكنك على الإطلاق شراء وتركيب جهاز تليفزيون جديد، تخيَّل عالمًا نعيش فيه جميعًا في خيم يمكننا حملها على ظهورنا ولا يفكر أي شخص في بناء شيء أكبر أو أكثر استقرارًا، يبدو هذا جنونيًا، أليس كذلك؟ ولكن هذا هو العالم الذي نعيش فيه الآن مع تلك الأصول التي تبلغ قيمتها مليار دولار في الفضاء، أعتقد أننا سننظر إلى عصر ما قبل تقنية الصيانة والتجميع في المدار بالطريقة نفسها التي ننظر بها الآن إلى العصر الذي كانت فيه العَلَقَات تستخدم لعلاج الأمراض".

الأكبر أفضل

الحقيقة الجوهرية وراء التوجّه القوي نحو التجميع في الفضاء واضحة: أي شيء يتّجه نحو الفضاء يجب أن يناسب حجمُه الصاروخَ الذي سيأخذه إلى الفضاء، ولكن حتى أكبر الصواريخ على الإطلاق -مثل "نظام الإطلاق الفضائي" Space Launch System (SLS) الذي لا يزال قيد التطوير في ناسا والمزوّد بألواح انسيابية عملاقة يبلغ طولها عشرة أمتار- لن يكون بإمكانه حمل جسم ضخم مثل محطة الفضاء الدولية أو حتى "البوابة المدارية" الأصغر حجمًا التي تطورها الوكالة والمتوقع إطلاقها في عشرينيات القرن الحادي والعشرين؛ وهي محطة فضائية ستدور حول القمر.

وإطلاق مثل هذه المشروعات هائلة الحجم قطعة قطعة لتجميعها في المدار على يد رواد فضاء أو روبوتات، هو الوسيلة الوحيدة لإطلاقها، وللمصادفة، رغم أن الصواريخ القادرة على نقل "حمولات ضخمة" مثل "نظام الإطلاق الفضائي" SLS لا تزال باهظة التكلفة، فإن الصواريخ متوسطة الحجم التي يمكن أن تدعم عمليات التجميع المدارية بعمليات إطلاق متعددة، تصبح أقل تكلفة بمرور الوقت.

إن الدوافع التي تطالب بتلسكوبات ضخمة الحجم واضحة أيضًا؛ فكلما كان حجم مرآة التلسكوب التي تجمّع الضوء أكبر، كانت قدرته على استكشاف الكون أكبر وأكثر دقة، فعندما يتعلق الأمر بالتلسكوبات، كلما كان الحجم أكبر كان ذلك أفضل، لا سيّما بالنسبة للتلسكوبات التي تهدف إلى اكتشافات تحقق طفرات مثل تعقب اندماج المجرات والنجوم والكواكب على مدار تاريخ الكون البالغ 13.8 مليار سنة، ومعرفة طبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة، والبحث عن علامات على وجود عوالم مأهولة بالحياة تدور حول نجوم أخرى. إن معظم تصميمات اليوم لتلسكوبات الفضاء تتبع نمطًا مغريًا مزودًا بمرايا يبلغ عرضها 15 مترًا، ولكن فقط لأن هذا هو الحد الأقصى التقريبي الذي يمكن طيّه داخل صاروخ حمولات ضخمة مثل نظام الإطلاق الفضائي SLS.

ولطالما حلم علماء الفلك ببناء مراصد فضاء أكبر حجمًا مزوَّدة بمرايا يبلغ عرضها 30 مترًا أو أكثر، تنافس حجم التلسكوبات الأرضية تحت الإنشاء والتي من المزمع إطلاقها في عشرينيات القرن الحادي والعشرين. وهذه التلسكوبات العملاقة الأسطورية -التي سيجري تجميعها فوق الغلاف الجوي لكوكب الأرض الذي يشتت ضوء النجوم- يمكنها تحقيق إنجازات لا تملك المراصد الأرضية سوى أن تحلم بها فقط، مثل التقاط صور لعوالم محتملة شبيهة بالأرض تدور حول مجموعة كبيرة من النجوم الأخرى، لتحديد ما إذا كانت هذه العوالم قابلة للسكنى، أو حتى ما إذا كانت مأهولة بالفعل.

فإذا أخذنا كوكب الأرض كمثال، فإن الحياة ظاهرة كوكبية يمكن أن تحوِّل الغلاف الجوي وسطح الكوكب الذي توجد عليه بطرق واضحة وقابلة للرصد؛ شريطة أن يتسنّى لنا امتلاك تلسكوب ضخم بما يكفي لرصد مثل هذه التفاصيل عبر مسافات هائلة بين النجوم.

يشير تقرير حديث عن "استراتيجية علم الكواكب خارج المجموعة الشمسية" صادر عن الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب إلى أن وكالة ناسا يجب أن تأخذ زمام المبادرة في ابتكار تلسكوب فضاء جديد ضخم يبدأ في الاقتراب من تحقيق هذه الرؤية العظيمة؛ تلسكوب قادر على مسح مئات (أو على الأقل عشرات) النجوم القريبة لالتقاط أثر كواكب محتملة شبيهة بالأرض خارج المجموعة الشمسية.

وحصلت تلك التوصية (والتي تمثل في حد ذاتها تكرارًا لما جاء في العديد من الدراسات البارزة السابقة) على ما يعزّزها من خلال النتيجة الأساسية التي توصّل إليها تقريرٌ آخر صادر أيضًا عن الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب يطالب الوكالة بأن تجعل البحث عن حياة في الفضاء جزءًا أكثر جوهرية من أنشطة استكشاف الفضاء المستقبلية لها، وتضاف هذه التقارير إلى الإجماع المتزايد على أن المجرة تضم على الأرجح مليارات العوالم الصالحة للسكنى، بفضل إحصائيات مرصد كيبلر التابع لوكالة ناسا الذي خرج من الخدمة مؤخرًا، وكذلك "القمر الصناعي الاستقصائي العابر للحدود" (تيس) Transiting Exoplanet Survey Satellite (TESS) الذي أطلقته الوكالة منذ فترة.

 وسواء من منظور التقدم العلمي أو الإمكانات التكنولوجية أو المصلحة العامة، فإن مسألة بناء تلسكوب فضاء للعثور على أشكال حياة أخرى في الكون أصبحت الآن أقوى من أي وقت مضى، ولا تزال تكتسب مزيدًا من القوة، ويبدو أن وكالة ناسا ستجد نفسها عاجلًا أم آجلًا تحمل على عاتقها مهمة القيام بهذه الطفرة الهائلة التي طالما تاق إليها البشر والخاصة بالبحث عن حياة بين النجوم.

ولكن مدى ضخامة هذا التسلكوب التي تتيح فرصة مناسبة للنجاح في مهمة البحث بين النجوم  أمر يعتمد على مدى انتشار الحياة في الكون، والذي لا يزال غير معلوم بعد، وبقليل من الحظ، فإن تلسكوبًا يبلغ عرض مرآته أربعة أمتار قد يكون كافيًا لتحقيق نجاح هائل وتحديد كوكب مأهول بالسكان خارج المجموعة الشمسية حول أحد أقرب جيران شمسنا، ولكن إذا لم يكن الكون متعاطفًا معنا وكان أقرب العوالم التي تحمل حياة أبعد كثيرًا، فقد نحتاج إلى تلسكوب يتجاوز عرض مرآته خمسة عشر مترًا وهي القيمة التي تفرضها علينا صواريخ المستقبل القريب، لنتمكن من استكشاف أي كواكب تحمل حياة في نطاق الجزء الخاص بالمجموعة الشمسية من مجرتنا.

وباختصار، ربما تتيح لنا تقنية التجميع في الفضاء الفرصة الحقيقية الوحيدة لاستكمال الجهود التي استمرت على مدار الألفية لإنهاء الوحدة الكونية للجنس البشري.

تصوّر فني لتلسكوب "المسح الضوئي الكبير بالأشعة فوق البنفسجية والبصرية والأشعة تحت الحمراء" (LUVOIR)، وهو تصوّر لتلسكوب فضائي مستقبلي، للبحث عن أشكال الحياة في الكون لا تزال وكالة ناسا تبحثه، سيبلغ عرض مرآة النسخة الأكبر من هذا التلسكوب 15 مترًا، مما يجعلها تصل إلى الحد الأقصى لما يمكن أن يناسب أكبر صاروخ في العالم.. Credit: NASA and GSFC

أحلام عقدية

يقول نيك سيجلر، عالم الفيزياء الفلكية في "مختبر الدفع النفاث" JPL التابع لوكالة ناسا والمسؤول التكنولوجي الأول عن "برنامج استكشاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية" التابع للوكالة: "لقد وصل العلماء بالفعل إلى أقصى حدود التصميم، للوصول إلى العلم الذي يريدون له أن يتقدم الآن، ولكن ماذا لو أن هذا الحد ذاته لم يكن موجودًا؟ هذا هو ما تقدّمه تقنية التجميع في الفضاء؛ الفرصة لدفع الحدود أبعد في كل من الاكتشافات العلمية والاستكشاف البشري".

وكوَّن سيجلر في أواخر عام 2016، بالتعاون مع هارلي ثرونسون -عالم كبير في مركز جودارد التابع لوكالة ناسا- ورودرا موكورجي -عالم الروبوتيات في مختبر الدفع النفاث- الفريق الذي سيُعرف باسم "فريق دراسة التجميع والصيانة المستقبلية" FASST، ونظّم الاجتماع الأول للفريق في مؤتمر الفيزياء الفلكية الذي عُقد بمدينة تكساس في وقت مبكر من عام 2017.

ودراسة "التلسكوب المُجمَّع في الفضاء" هي النشاط الأول لفريق FASST الذي تموله وكالة ناسا، ولكنه على الأرجح لن يكون الأخير، ويهدف الفريق إلى أن يكون أكثر من مجرد مجموعة أخرى من الأكاديميين المنعزلين الذين يطرحون أفكارًا خيالية، ومن بين أعضائه خبراء مخضرمون في مجال الفضاء مثل جون جرونسفيلد، وهو رائد فضاء سابق ورئيس برامج العلوم في وكالة ناسا الذي كان متخصصًا في مهام الصيانة المدارية في ثلاثٍ من بعثات الصيانة الخمس التي أُجريت لتلسكوب هابل.

ويشير جرونسفيلد وغيره من المشاركين إلى أن نية الفريق لا تركّز على إقناع وكالة الفضاء بتبني فكرة تجميع التلسكوب في الفضاء قدر ما تركز على توضيح الفوائد المحتملة لهذا النهج الجديد وكذلك ما يتخلله من عيوب، ويقول عضو الفريق رون بوليدان، الخبير المتقاعد في تطوير تكنولوجيا الفضاء في وكالة ناسا وشركة نورثروب: "تجميع التلسكوبات في الفضاء سيُثمر دون شك عن تلسكوبات أكبر حجمًا، ولكن الإجابات المتعلقة بالأسباب والكيفية والمخاطر والتكلفة وتوقيت بدء التجميع في الفضاء، لا تزال غير متوافرة بعد".

مع ذلك، فإن الأمر المؤكد أن الوقت ينفد من المجموعة حتى يكون لها تأثير ملحوظ على خطط ناسا في المستقبل القريب؛ إذ يُجري الفريق الآن مؤتمرات هاتفية متكرّرة ويسابق الزمن للانتهاء من دراسة "إثبات المفهوم" التي تفحص تجميع تلسكوب افتراضي في الفضاء ذي مرآة عرضها 20 مترًا، ما المكونات المعيارية لهذا التلسكوب؟ وأين سيُبنى ويعمل في الفضاء؟ وما الصواريخ والمركبة الفضائية التي ستحمله، وكم عدد مرّات الإطلاق المطلوبة؟ هل سيجمّع أجزاء التلسكوب رواد فضاء أم روبوتات؟ وربما يكون أكثر أهمية أن نتساءل، هل تقنية التجميع في الفضاء يمكن أن تصبح نهجًا تنافسيًا فيما يتعلق بالتكلفة مقارنة ببناء تلسكوبات فضاء أصغر حجمًا، والتي كانت ستتبع النمط التقليدي في النقل والإطلاق من صاروخ واحد؟ سيتولّى تقرير فريق دراسة "التلسكوب المُجمَّع في الفضاء" الإجابة عن هذه التساؤلات عندما يُنشر في ربيع العام المقبل.

تصوير توضيحي لتصميم "إثبات المفهوم" لدراسة "التلسكوب المُجمَّع في الفضاء" iSAT، وهو تلسكوب افتراضي يبلغ عرض مرآته 20 مترًا، مصمم لتقنية التجميع والصيانة الآلية في الفضاء، خلف المرآة الرئيسية المقسّمة والمصممة على شكل يشبه خلية النحل يوجد "حاجز شمسي" لحجب ضوء النجوم وتبريد التلسكوب، وكذلك أسفل جزء الأدوات المركَّب على دعامات، ويمكن بناء هذا المرصد على مراحل مع زيادة إمكاناته تدريجيًا مع إطلاق أدوات جديدة وأجزاء إضافية من المرآة الأساسية من الأرض وتثبيتها.. Credit: NASA, JPL-Caltech and R. Mukherjee et al.

ويعدّ هذا التوقيت مهمًا للتأثير المحتمل على التصميم النهائي المقترح للبوابة المدارية التي تعدّها وكالة ناسا، والتي يممكن استخدامها كمنصة بناء وتشييد في الفضاء السحيق، كما يتداخل وقت دراسة "التلسكوب المُجمَّع في الفضاء" مع إطلاق "المسح العقدي" للفيزياء الفلكية، وهي عملية تُجرى مرة واحدة كل عشر سنوات يضع فيها المجتمع البحثي في الولايات المتحدة الأمريكية قائمة أولويات بالمشروعات البحثية المقترحة لوكالة ناسا والكونجرس الأمريكي، وستكون التوصية الأكثر تأثيرًا للمسح العقدي هي تلسكوب فضائي تصل تكلفته إلى عدّة مليارات من الدولارات في عقد ثلاثينيات القرن الحادي والعشرين، وهو مشروع "رائد"، ضمن الفئة الأضخم من البعثات العلمية التي تتولى وكالة ناسا تنفيذها.

تُجرى في الوقت الراهن أربع دراسات لفريق تحديد العلوم والتكنولوجيا الذي ترعاه وكالة ناسا في انتظار المسح العقدي، تعمل كل دراسة منها على تطوير مفهوم فريد من نوعه ومجموعة من الأهداف العلمية القائمة على اعتبارات علمية وتكنولوجية وأخرى متعلّقة بالميزانية.

ووفقًا لسيجلر ومسؤولين آخرين في وكالة ناسا، فإن أكبر تصميمات من دراستين من الدراسات الأربع التي يجريها الفريق -وكلتاهما لها هدف أساسي متعلّق بتصوير الحياة خارج كواكب المجموعة الشمسية- وصلت إلى حدود الحجم أو الوزن الخاصة بالنسخة الأقوى من صاروخ نظام الإطلاق الفضائي الجديد التابع لناسا، ولكن حتى الآن لم تضع أي من الدراسات الأربع في حسبانها اعتبارات قوية لتقنيات التجميع في الفضاء.

ولا يمثل هذا الأمر مفاجأة بالنسبة لسيجلر، إذ يقول: "دراسات فريق تحديد العلوم والتكنولوجيا تقوم بعمل رائع يقترح أفكارًا علمية مذهلة، وتحاول في الوقت نفسه تقليل تكلفة البعثات، وحتى الآن لم تثبت تقنيات التجميع في الفضاء كيف يمكنها تقليل التكلفة، ومن منظورها ربما يبدو الأمر زيادة في التعقيد، وتقع المسؤولية على الدراسة التي نجريها لإثبات أين تكمن الفوائد، إذا كانت هناك فوائد بالفعل".

ويطرح بوليدان تقييمًا أكثر حدة بقوله: "عدد قليل من أعضاء المجتمع العلمي اقترح عليَّ شخصيًا أن ننتظر ونجري دراسة "التلسكوب المُجمَّع في الفضاء" بعد المسح العقدي، وترجع هذه التعليقات إلى الافتقار الحاليّ لتعريف مفصل لتجميع التلسكوبات في الفضاء، والخوف من أن الأمر سيبدو "أفضل مما ينبغي" ويؤثر بطريقة ما على لجنة المسح العقدي ويدفعها للسير في طريق خطر أكثر مما ينبغي أو مكلف أكثر مما ينبغي بالنسبة للفيزياء الفلكية".

التحذيرات من التلسكوب ويب

ربما تكون عملية الإقناع بتلسكوب ضخم جديد صعبة للكثيرين في مجتمع الفيزياء الفلكية في الولايات المتحدة الأمريكية، بغضِّ النظر عما إذا كان التلسكوب قد بُني على الأرض أو في الفضاء. فكلا النهجين قد يثبُت أنهما بعيدان للغاية بالنسبة لوكالة ناسا، بناءً على تجربة الوكالة مع مشروعها الأبرز الذي تعرَّض لكثير من المشكلات والمقرر إطلاقه تاليًا، وهو "تلسكوب جيمس ويب الفضائي"، الذي يسعى إلى إلقاء نظرة خاطفة على النجوم والمجرّات الأولى في الكون.

يقول سكوت جودي، عالم الفلك بجامعة ولاية أوهايو والمؤلف المشارك لتقرير "استراتيجية علم الكواكب خارج المجموعة الشمسية": "لا يزال الناس في صدمة مما حدث مع تلسكوب ويب، ولهم الحق في ذلك، إذ يساورهم القلق من احتمال تكرار الأمر مرة أخرى".

يعتمد هذا المشروع على أمر مثير للقلق وهو التدشين التلقائي لمرآة قابلة للطي عرضها 6.5 متر و"حاجز شمسي" أكبر -وكلاهما أكبر ما أُطلق على الإطلاق- في أثناء انطلاق المرصد إلى نقطة مظلمة وهادئة بعد القمر، وبعيدًا عن نطاق خدمات الإصلاح والصيانة التي تقدّمها كتيبة رواد الفضاء التابعة لناسا، وقد ثبت أن التأكّد من أن كل شيء سيسير وفقًا للخطة أمرٌ مكلف للغاية؛ إذ تضخمت الميزانية التقديرية للمشروع من 1.6 مليار دولار في عام 1996 مع تاريخ محتمل مبكر للإطلاق في عام 2007 إلى 10 مليارات دولار تقريبًا، كما أنه من غير المتوقع إطلاق التلسكوب قبل عام 2021.

وكان جزء من مصدر تمويل هذه التجاوزات في الميزانية الاقتيات على ميزانيات العديد من المشروعات الأخرى المهمة، ما أدى إلى الإضرار العام بمحفظة مشروعات الفضاء الخاصة بوكالة ناسا، إلى جانب نشر الذعر بين الباحثين.

الأدوات العلمية والعناصر البصرية لتلسكوب جيمس ويب الفضائي -شاملة المرآة الرئيسية المطلية بالذهب بعرض 6.5 متر- تخرج من اختبار التبريد العميق في مركز جونسون للفضاء، التابع لوكالة ناسا في مدينة هيوستن في 1 من ديسمبر 2017.. Credit: NASA

ويقول أحد علماء الفيزياء الفلكية البارزين الذي طلب عدم ذكر اسمه: "مع الاقتراب من المسح العقدي، يساورني الخوف من أن لجنة المسح ستصاب بالذعر من التكلفة، حتى إنها لن توصي بأي مشروع من المشروعات الكبرى، وإذا شعرت اللجنة بالخجل حقًا ولم تكتب توصياتها ببعثة استراتيجية كبرى، فإن الأمر سيتحول إلى نبوءة ذاتية التحقيق أنه لن يكون هناك أي مشروعات بارزة"، وهذا بدوره قد يؤدي إلى أن تفقد الولايات المتحدة تفوقها في مجال الفضاء وتتنازل عن الصدارة للدول المنافسة، وعلى رأسها الصين، التي تمتلك خططًا خاصة بها لتقنية التجميع في الفضاء، تشمل مراصد مدارية تضم رواد فضاء، كما أن ما سيتمخّض عنه هذا من هروب جماعي للعلماء والمهندسين إلى أرض الأحلام الجديدة يمكن أن يقضي على علوم الفضاء الأمريكية لأجيال، وهو ما قد تكون له عواقب وخيمة بعيدة المدى على استمرار الولايات المتحدة في ريادة العالم بوصفها قوة عظمى.

أسباب قوية

سواء أكان كل هذا يجعل مشروع ويب دليلًا لصالح تقنية التجميع والصيانة في الفضاء أو ضدها، فهو أمر لا يزال محل جدال؛ فأي خلل أو مشكلة في نشر المرآة أو الحاجز الشمسي بعد الإطلاق قد يحوِّل تلسكوب ويب إلى قطعة ضخمة من المخلفات الفضائية المعطلة تكلفتها 10 مليارات دولار، وهذا بالتأكيد على افتراض خروج التلسكوب بنجاح من نطاق كوكب الأرض وعدم سقوطه ضحية لعطل أو خلل غير مرجح حدوثه ولكنه محتمل في مركبة الإطلاق.

ومن حيث المبدأ، فإن بناء التلسكوب واختباره في المدار كان من الممكن أن يقلل من شأن هذه التهديدات وغيرها أو يقضي عليها، وإن كان ذلك قد يعني ارتفاع التكلفة. ويقول سيجلر: "كان من شأن تقنية التجميع في الفضاء أن تريّحنا تمامًا من متطلبات طي تلسكوب ويب ثم إطلاقه، بالإضافة إلى أن الإخفاق في الإطلاق لن يعني بالضرورة إخفاق البعثة".

وإذا سار الأمر كله كما هو مخطط له بالنسبة لتلسكوب ويب، فإنه لم يُصمم مع وضع عمليات الصيانة في الاعتبار (على عكس سلفه هابل، أو حتى خلفه تلسكوب المسح بالأشعة تحت الحمراء واسع المجال (WFIRST) أحد المشروعات الرائدة والمخطط انطلاقه بعد تلسكوب ويب).

وفي غضون عقد تقريبًا من الوصول إلى وجهته في الفضاء السحيق فإن الوقود سينفد من ويب، وهو ما قد يحدد مصيره بين مخلفات الفضاء، ويقول جوردون روسلر، الرئيس السابق لبرنامج "الصيانة الآلية لأقمار المدار الأرضي الجغرافي المتزامن" التابع لداربا، وعضو دراسة "التلسكوب المُجمَّع في الفضاء": "إنه لأمر مذهل، ألن يكون من الرائع أن يستمر عمل ويب فترة أطول كثيرًا؟ إن التفكير العام للدراسة هو أن مشروعًا كتلسكوب ويب سيكون منطقيًا أكثر إذا استمر خمسين عامًا حيث يمكننا التخطيط من البداية لزيارته، وتزويده ببدائل لما استهلكه، واستبدال الأجزاء التالفة، وتثبيت أدوات جديدة بتكنولوجيا أفضل".

ونظرًا لهذه الأسباب، على الرغم من مكانة ويب بصفته المنشأة الرئيسية لعلم الفلك القائم في الفضاء في عشرينيات القرن الحادي والعشرين وما يرتبط به من تكنولوجيا جديدة يمكن استخدامها في مراصد مستقبلية أكثر تقدمًا وتطورًا، فإن الكثير من أعضاء دراسة "التلسكوب المُجمَّع في الفضاء" يرون أن المشروع غير قابل للاستمرار وأنه يواجه "نهاية مسدودة على المستوى التطوري".

وسوف تعتمد النتائج التي يتمخض عنها إرثه الرائع -والمليء بالعيوب أيضًا- ليس فقط على نتائج دراسة "التلسكوب المُجمَّع في الفضاء" والمسح العقدي، وإنما أيضًا على ما يتحلّى به العلماء وصُنّاع السياسات من شجاعة لتبنّي مناهج جديدة وجريئة من شأنها تغيير النموذج الفكري.

يقول كين سيمباك، مدير "معهد مراصد علوم الفضاء": "المجتمع العلمي في بعض الأحيان يكون هو ألدّ أعداء نفسه عندما يتعلّق الأمر بفهم ما هو ممكن؛ فبعضنا الآن لديه الفكرة المسبقة أنه لا يمكن بناء تلسكوب آخر أكبر وربما أكثر تكلفة من ويب، ولكني أتحدث طوال الوقت إلى باحثين أصغر سنًا وإلى أعضاء الكونجرس والعامة، والذين يتساءلون: "لم لا نفكر تفكيرًا طموحًا أكثر من هذا؟" فالناس يريدون دعم الأفكار الطموح، ومن ثمَّ فإن الأمر ممكن، شريطة توافر أسباب قوية للقيام به".