يتسنّى للعديد من الآلات التعرّف على البشر من خلال بصمات الأصابع أو ملامح الوجه. ولكنّ ما يُميّز الأفراد بعضهم عن بعض لا يقتصر على تلك الصفات المعتمدة على معايير بيولوجية، إذ تتفردُ طريقة مشي كل شخصٍ بذاتها، ولا يمكن من خلالها تحديد هويّة الشخص فحسب، بل تُعتبر مؤشّرًا على المزاج والحالة الصحّية. وفي الوقت الحالي، طوّر فريق من الباحثين مُستشعرات عن بُعد، تُحلل خطوات الأقدام عن طريق قياس الاهتزازات الأرضية مُتناهية الصِّغر. وقد استخدموا تلك الاهتزازات للتعرّف على هويّة أشخاص بعينهم يسيرون في أنحاء أحد المباني، وليختبروا طريقة جديدة لرصْد الحالة الصحية دون فحص مباشر.

تقول هاي يونج نوه، التي عكفت على الدراسة في بادئ الأمر بصفتها مهندسة مدنية وبيئية بجامعة كارنيجي ميلون، و انتقلت منذ ذلك الحين إلى جامعة ستانفورد: إن الطريقة التي يسير بها شخصٌ ما "تضاهي بصمة الإصبع؛ فهي بمنزلة توقيعه الفريد للغاية"، إذ يمكنها الكشف عن "هويّته، ومكانه، والأنشطة التي يؤدّيها، أو حتّى حالته الإدراكية". ويقول فير بُواها، أستاذ الهندسة الكهربائية وعلوم الكمبيوتر في جامعة سيراكيوز، والذي لم يشارك في الدراسة التي أُجريت مؤخرًا: "إذا ما اكتشفت أجهزة الاستشعار نمط خطوات أقدام، يمكن للبرنامج تحليلها للتحقق من هويّة الفرد".

ربما تكون أنماط المشي أكثر من مجرّد تعريف بسيط بالهويّة؛ إذ يقول بُواها: "إن ثمّة الكثير من المعلومات التي يمكننا معرفتها من خلال طريقة سير الشخص، وبالأخص المعلومات المتعلّقة بالصحّة". فعلى سبيل المثال، إذا ما أرسى شخص ما خلال سيره وزنًا على أحد جانبيه على نحوٍ يفوق الوزن على الجانب الآخر، فقد يشير تغيّر التوازن إلى مشكلة عصبية. وهذه المعلومات قد تساعد الأطباء على مراقبة كبار السنّ والمرضى الآخرين المعرّضين للخطر ممن يرغبون في العيش مُستقلّين، ومن ثمّ، فإن تتبُّع طريقة سير هؤلاء قد يتيح مراقبة حالاتهم الصحّية دون التأثير على مساحاتهم الخاصّة تأثيرًا مباشرًا.

ولقياس تلك البصمة الفريدة الغنية بالبيانات، كان يتعيّن على الباحثين في آونة سابقة تزويد السائرين بأجهزة قابلة للارتداء، أو دفعُهم للسير على بساط خاص أو أرضيات مُعدّلة لتلائم هذا الغرض. ولكن الباحثة هاي يونج نوه، ومهندس الكهرباء والكمبيوتر بجامعة كارنيجي ميلون، بي تشانج، وزملاؤهما قد قرروا ابتكار مستشعرات للخطوات تعمل عن بُعد. واستغل العلماء حقيقة أن الجدران والأرضيات النموذجية تلتقط حتى الاهتزازات الخافتة الصادرة عن أي نشاط في مساحتها. تقول الباحثة هاي يونج: "نُطلق على ذلك عبارة: «عمل الهياكلِ كمُستشعرات»؛ إذ نستعين بتلك الهياكل المادّية الكبيرة، مثل المباني والجسور، موظفين إياها كنظام استشعار يعمل على رصد البشر والبيئة المحيطة على نحوٍ غير مباشر".

إن استشعار الاهتزازات الناجمة عن خطوة واحدة يخطوها الفرد يتطلّب أجهزة كشفٍ ثاقبة. يقول بي تشانج: "لإعطائك فكرة عن مدى حساسية مُستشعراتنا، حين تجلس على مقعد يبعد مترًا عن جهاز الاستشعار الذي نضعه على الأرض، يتسنّى لنا الشعور بنبض قلبك". وتقول هاي يونج نوه إن كل مستشعر -في هيئة جهاز أسطواني الشكل ارتفاعه بضعة سنتيمترات- يُوضع على الأرض، يمكنه التقاط حركة سائر يبعد مسافة تصل إلى 20 مترًا. ويوزّع الباحثون مثل هذه المُستشعرات مصفوفةً في أنحاء المنطقة التي يريدون رصد خُطى السائرين فيها. ولكن يمكن لأجهزة الكشف الثاقبة في المباني المكتظّة التقاط المزيد من رسائل الاستشعار، وبالتالي، يتعيّن أيضًا على الفريق «تعليم» البرنامج الجديد كيفية تمييز الإشارات الصادرة عن أيّة ضوضاء في الخلفية. 

تقول هاي يونج: "إن التغلّب على الضوضاء هو أكبر التحدّيات التي تواجهنا"، ومعالجة الضوضاء تتطلّب حلولًا على مستوى كلٍّ من الأجهزة والبرامج. فمن ناحية الأجهزة، يحتوي كل مستشعر على مُضخِّم يمكنه تغيير مقدار الاهتزاز الناجم عن خُطى الأقدام أوتوماتيكيًّا، فحينما يتبيّن أن اهتزازًا آتٍ من بعيد، يعمل المُضخّم على رفع مستواه. وحين تزداد قوَّة الإشارة، وتهدد بإرباك المُستشعر، يُقلل المُضخِّم حساسيته. وتُشبِّه هاي يونج تلك العملية بالتحكُّم عن بُعد في مُكبِّر صوت؛ إذ يرفع المُستمعون الصوت حينما ينأون عن مكبر الصوت من أجل استماعٍ أفضل، وحين يقتربون منه، ويصير الصوت بالغ الشدَّة، يَخفضونه.

ما إن تلتقط أجهزة الاستشعار خطى أقدام، حتَّى يتولَّى البرنامج مقاليد الأمور. تقول هاي يونج: "نُجري العديد من أساليب مُعالجة الإشارات والتعلُّم الآلي لتحديد الفارق بين الإشارات المتعلِّقة بالبشر في مقابل الضوضاء التي لا تعنينا". وكشأن البيانات الصادرة عن السُّبل الأخرى المُنتهجة لاكتشاف الخطوات، على غرار الأجهزة القابلة للارتداء والحصائر الحساسة للضغط، يتسنَّى استخدام أنماط المشي التي يجري قياسها بمثل هذه المُستشعرات في تحديد هويّة الشخص، وكذلك بعض المشكلات الصحية المُحتملة. وقد عرض الفريق عملَه في مؤتمرات وندوات شتَّى، كان آخرها مؤتمر التحليل النَّسقي الدولي، الذي نظَّمته جمعية الميكانيكا التجريبية في فبراير الماضي.

إن الطريقة التي يستعرض بها النظام سلوك السائرين مباشرةً على شاشة كمبيوتر دفعت أحد أفراد الفريق البحثي إلى التفكير بشأن جهاز أكثر روعة، حسبما تقول إيف سكولار، كبيرة مُهندسي المشروع ومديرة شبكات «إنترنت الأشياء» Internet of Things في شركة «إنتل» Intel، إنها كانت مهتمّة بإعداد نسخة تكنولوجية من «خريطة مارودر» -المخطط السحري لأرضية الدور، والذي ظهر في كتاب «هاري بوتر»، وسلسلة الأفلام المُقتبسة عنه- التي "تستخدم خطوات الأقدام لرسم تصوّر مرئي لمكان الأفراد". وفي العالم الواقعي، قد يساعد جهاز مثل هذا على تتبُّع نُزلاء المباني، وأجسام أخرى في التوِّ واللحظة. لذا أعدَّ فريق الباحثين في جامعة كارنيجي ميلون نُسخته من هذا التصوّر المستوحى من اقتراح سكولار، وأنتجوا عرضًا رقميًّا يبيِّن خطى الأقدام على مخطط أحد الطوابق في مبنى، واتخذ شكل خريطة ورقية سحرية.

كانت «خريطة مارودر» الخيالية تُصوِّر موقعًا وحيدًا، أمَّا تلك المُستشعرات المحمولة التي ابتكرها الفريق البحثي، فيتسنّى استخدامها في أيّ مبنى، حسبما تقول إيف. مضيفةً أن "بعض الخوارزميات التي ابتكرها الفريق تجعل الناتج النهائي قابلًا للنقل والتحويل، وهو أمرٌ مثيرٌ للاهتمام. فلست مُضطرًّا إلى إجراء كل هذه المُعايرة لمعرفة هويّات الأشخاص المتفرِّدة بأنحاء المباني؛ إذ تتولَّى تلك الأجهزة الأمرَ نيابةً عنك". وبمجرّد أن «يتعلَّم» النظام التجريبي المشية الفريدة لشخصٍ ما، تتعرَّف مجموعة المُستشعرات على هذا الشخص في مكان العمل أو المنزل. وبالنظر إلى يُسر تكلفة هذه الأجهزة –التي تتراوح تكلفة إنتاج واحدة منها بين 10 دولارات إلى 20 دولارًا أمريكيًّا، وفق تقديرات هاي يونج– وإمكانية تثبيتها على مسافة 20 مترًا بين بعضها وبعض لإنتاج صورةٍ للأرضية بأكملها، تُرجِّح إيف أن استعمالها على نطاقٍ واسع يبدو أمرًا مُمكنًا فعليًّا.

إن القدرة على إجراء هذا النوع من المراقبة يُؤجج مخاوف جليَّة بشأن الخصوصية، ويقترح الباحثون ألا تُستخدم تلك التكنولوجيا إلا لدواعي الرعاية الصحّية رضائيًّا. مشيرين إلى أن أنظمة المراقبة على هذا النحو بإمكانها مساعدة مُقدّمي الرعاية الذين يحتاجون إلى معرفة احتمالية إصابة كبار السنّ بالإعياء المفاجئ، أو مستشفيات الأطفال التي تودّ الكشف عن العلامات الدالّة على الأمراض المزمنة، مثل أمراض ضمور العضلات، وذلك في أقرب وقتٍ ممكن. وفيما يتعلّق بتلك الأمثلة، يؤكّد المُطوّرون أن مستشعرات خُطى الأقدام ستحفظ خصوصية الأفراد أكثر مما تفعل –مثلًا- الكاميرات التي تجمع معلومات مرئية. ويقول تشانج: "في واقع الأمر، لقدّ أُعِدت تلك التقنية بسبب المخاوف التي أثارتها آليات مراقبة أخرى بشأن الخصوصية. وفي السياقات المتعلّقة بالصحّة، فإنني على استعداد لمقايضة القليل من بياناتي مقابل منع إصابتي بالأمراض واكتشافها".