عادةً ما يقضي الناس أوقاتهم مع أشخاص آخرين يشبهونهم، وهذا الأمر يسهِّل لعلماء البيانات استنباط توجهات الناس أو سماتهم الشخصية عبر تحليل شبكاتهم الاجتماعية على الإنترنت وفي العالم الحقيقي. يسمي الباحثون ظاهرة الميل نحو البحث عن أشخاص مشابهين لنا في طريقة التفكير "حب المُماثل" أو هُموفيليا (Homophily). يقول يوهان يوجاندر، الباحث في العلوم الإدارية والهندسة بجامعة ستانفورد، والذي يعمل على دراسة هذا الموضوع: "تذكر الحكمة القديمة التي تقول ’الطيور على أشكالها تقع‘".

إلا أن يوجاندر وطالبة الدراسات العليا التي يشرف عليها كريستين إم. ألتينبرجر توصلا –في تحول مفاجئ– إلى أن بعض الناس ينجذبون دومًا إلى أشخاص لهم بعض السمات المخالفة لما يتصفون به من سمات. يُطلق الباحثان على التباين الناتج عن تلك الظاهرة اسم "المونوفيليا" Monophily. كان العلماء في السابق يفترضون أن عدم التجانس يجعل التوصل إلى استنتاجات بشأن الأشخاص استنادًا إلى شبكات الأصدقاء أمرًا صعبًا. ولكن البحث الذي أجراه يوجاندر وألتينبرجر يبين أن المونوفيليا تنتج أثرًا بموجبه يكون أصدقاءُ أصدقاءِ الشخص مشابهين له بدرجة قد لا تتوافر في أصدقائه المباشرين. وهذا يمكن أن يجعل استنباط العلماء للسمات والخصائص الشخصية –التي كان يُمكن أن تبقى خافيةً في أحوال أخرى– أسهل مما كان متوقعًا، ويعتبر هذا وسيلةً إضافيةً تتيح للمنقِّبين عن البيانات تتبُّع المعلومات الشخصية.

في دراسة نُشرت على الإنترنت في مارس الماضي في مجلة "نيتشر هيومان بيهيڨيور"Nature Human Behavior، قام يوجاندر وألتينبرجر بتحليل ثلاثة أنواع مختلفة من الشبكات: شبكة اجتماعية على الإنترنت، وشبكة خاصة بالمدونات السياسية، وشبكه اتصالات مدروسة بعناية لأحد التنظيمات الإرهابية. أجرت مجلة "ساينتفك أمريكان" Scientific American حوارًا مع يوجاندر بشأن البحث وتداعياته المرتبطة بالخصوصية الفردية. فيما يلي تفريغ منقح للحوار.

هل كانت فكرة "تَجاذُب الأضداد" هي ما دفعك لدراسة ظاهرة المونوفيليا؟

إن ما دفعنا إلى عمل هذا المشروع كان الحقيقة الأساسية المحيرة التي تقول بأن الهُموفيليا المبنية على نوع الجنس –أو ما يسمى بالتكتل المتسق من حيث نوع الجنس– تكاد لا تظهر في شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت. هناك الكثير من التكتلات العمرية. إن حقيقة أنه لا يوجد هناك تقريًبا أي نوع من الهُموفيليا المبنية على نوع الجنس هي أمرٌ له تبعاته فيما يخص نشر المعلومات، وكذلك خصوصية البيانات. يتضح إذًا أنك لا تزال تستطيع التنبؤ بنوع جنس الشخص على أساس نوع جنس أصدقاء أصدقائه من خلال استغلال التبايُن على الشبكة، وهذا يعتبر نقطة البداية غير البديهية التي نركز جهود غالبية الدراسة على  محاولة تحليلها وشرحها.

هل يعتبر وجود أصدقاء على موقع فيسبوك يعتنقون آراءً سياسية مختلفة مثالًا على المونوفيليا؟

فيما يتعلق بالانتماء السياسي، أنت تميل إلى أن تحيط نفسك بأشخاص يشبهونك. وبالرغم من هذا، رأينا بالفعل قدرًا ذا دلالة إحصائية من التباين بين الأصدقاء من حيث الانتماءات السياسية ضمن شبكات المدونين. هناك بعض الناس الذين يمكن وصفهم بأنهم أصحاب انتماءات متغيرة؛ فتجدهم يديرون مدونات ليبرالية وفي الوقت ذاته تجد لديهم ميلًا إلى وضع روابط مؤدية إلى مدونات محافظة، والعكس بالعكس.

في ضوء المخاوف المُثارة بشأن الخصوصية، هل رأيت أية تغيُّرات في الطريقة التي تجري بها دراسة شبكات التواصل الاجتماعي حاليًّا؟

أعتبر نفسي شخصًا يحاول أن يدق أجراس الإنذار ويبحث في جميع الوسائل التي يمكن من خلالها التنبؤ بأشياء عن الأشخاص المنفردين. في الآونة الأخيرة كانت هناك حالة صحية من الحوار المجتمعي العام بشأن أهمية حماية المعلومات المتضمنة في العلاقات الموجودة على شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت. [معلومة: كان يوجاندر أحد المنتسبين لفريق عمل علم البيانات الخاص بموقع فيسبوك من عام 2010 حتى عام 2014].

من ناحية أخرى، هناك فوائد تنتج عن تحسين فهمنا للناس استنادًا إلى مواقعهم ضمن شبكة من شبكات التواصل الاجتماعي. يركز قدر كبير من البحث في مجال العلوم الاجتماعية على تحديد العلاقات السببية الأصيلة واستبعاد العوامل المُسببة للالتباس. أنا شخصيًّا مهتم بفهم إلى أي مدى يمكننا أن نصف الأفراد في الحالات التي قد لا يتوافر لدينا فيها بيانات ديموجرافية، لكن يتوافر لدينا هذه الشبكة الغنية جدًّا من العلاقات الاجتماعية.

هل يساورك القلق من أن أبحاثك يُمكن أن تُستخدم في أغراض خبيثة؟

دائمًا ما يساورني القلق بخصوص هذه المسألة. عندما يقوم شخص ما ببناء أدوات، فإن هذا الشخص  يتحمل مسؤولية ما يمكن أن تُستخدم هذه الأدوات فيه. إن الخوارزمية الرئيسية التي ندرسها موجودة في الأدبيات العلمية منذ عام 2009، وكان يُفترض فيما سبق أن هذه الطريقة تصلح للتنبؤ بتوجهات الفرد أو سماته إذا كانت هناك أوجه للتشابه بين الأصدقاء الموجودين في الشبكة. لكننا نبين لكم أنكم لستم بحاجة إلى الهُموفيليا، أو التشابه، لكي يصبح ذلك النهج فعالًا.