هناك أكثر من 4,000 كوكب خارج المجموعة الشمسية معروف حاليًّا أنها تدور حول نجوم أخرى. في الواقع، يشك علماء الفلك أن مثل هذه العوالم منتشرة في أرجاء الكون، ويُقدّرون أنه في المتوسط لا بد أن كل نجم في مجرة درب التبانة له رفيق كوكبي واحد على الأقل. ولكن هنا تكمن الصعوبة: رغم أن الكواكب الخارجية تبدو وكأنها في كل مكان، فإن استخدام تعبير "كل مكان" بعيد تمامًا عن الحقيقة في وصف الأماكن التي بحث فيها علماء الفلك بالفعل. اقتصرت الغالبية العظمى من استطلاعات الكواكب الخارجية على النجوم المجاورة للشمس أو تلك البعيدة عنها تمامًا في اتجاه مركز مجرة درب التبانة. والحق يقال، لا أحد يعرف بعدُ الوفرة الحقيقية للكواكب في جميع أنحاء مجرة درب التبانة، أو انتشار الكواكب في المجرات الأخرى غير مجرتنا.

ووفق دراسة جديدة نُشرت بتاريخ 8 يوليو في دورية "نيتشر آسترونومي" Nature Astronomy، يمكن أن تبدأ خطوة كبيرة نحو استكمال هذا التعداد للكواكب الخارجية في عام 2034، مع إطلاق بعثة "ليزا" (LISA) التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. واسم LISA هو اختصار للأحرف الأولى من Laser Interferometer Space Antenna (هوائي مقياس التداخل الليزري الفضائي)، وهو اسم يشير إلى الهدف الأساسي للبعثة، وهو الكشف عن تموُّجات في الزمكان -موجات ثقالية- من خلال البحث عن تغيرات طفيفة في المسافات بين ثلاثة أقمار صناعية مرتبة في كوكبة مثلثية ذات أضلاع يبلغ طول كلٍّ منها 2,5 مليون كيلومتر. سيتم تصميم "ليزا" خصوصًا بحيث يمكنها الإنصات إلى الموجات الثقالية من اندماج الثقوب السوداء فائقة الكتلة، ولكن يبدو أنه يمكنها أيضًا الاستماع إلى الموجات الثقالية من بعض أنظمة الكواكب الخارجية.

يوضح نيكولا تامانيني -وهو أحد مؤلفي الدراسة الأخيرة، وعالِم فيزياء فلكية بمعهد ماكس بلانك للفيزياء الثاقلية في بوتسدام بألمانيا- أن بعثة "ليزا" يمكنها أن تبحث بأسلوب فريد عن مجموعة واسعة من الكواكب في أنواع معينة من أنظمة النجوم الثنائية. ويضيف: "علاوة على ذلك، من الناحية العملية، سوف تتيح "ليزا" لنا عمليات الاكتشاف عبر مجرة درب التبانة بأكملها، وفي سحابتي ماجلان، وحتى في مجرة أندروميدا، إذا كانت الظروف مثالية".

تحدث عمليات الاكتشاف كما يلي: عندما يشكل نجمان نظامًا ثنائيًّا، فإنهما لا يدور بعضهما حول بعض في الواقع، بل يدوران حول مركز مشترك للكتلة. فإذا كان هناك جسم كوكبي يقيم في مثل هذا النظام، فإن تأثير جاذبية الكوكب سيؤدي إلى اضطراب مركز الكتلة هذا، مما يتسبب في تمايُله دوريًّا ذهابًا وإيابًا بالتزامن مع تجاذب الكوكب. توفر قوة التمايل تقديرًا لكتلة الكوكب، ومعدل تكرارها بمرور الوقت سيكشف عن الفترة المدارية للكوكب. وبالنسبة للمنظارات الضوئية، فإن هذا التمايل سيكون دائمًا أصغر كثيرًا من أن يُرى، لكن هذا التمايل يمكن تمييزه كتغيير دوري طفيف في الموجات الثقالية المنبعثة من النظام الثنائي. بالنسبة لإحدى فئات الأنظمة الثنائية -الأنظمة المكونة من اثنين من الأقزام البيضاء، وهي بقايا محترقة لنجوم تشبه الشمس- من المتوقع أن تتمكن "ليزا" من اكتشاف هذه التغييرات.

وكما يقول تامانيني، فإن علماء الفلك يعرفون بالفعل أن أنظمة الأقزام البيضاء الثنائية موجودة بكثرة، ويتوقعون رؤية عشرات الآلاف منها في مجرتنا وحدها باستخدام "ليزا". في الواقع، سيتم استخدام الموجات الثقالية التي تولِّدها هذه الأنظمة لمعايرة أرصاد البعثة، مما يضمن نجاح "ليزا" في التقاط هذه الموجات بدقة. ويضيف تامانيني أنه حتى لو كان 1% فقط من ثنائيات الأقزام البيضاء في درب التبانة تؤوي كواكب، فإن "ليزا" ستعثر على مثل تلك العوالم بالمئات.

يرحب كيز وونج -طالب دكتوراة في الفيزياء الفلكية بجامعة جونز هوبكينز، وعضو منتسب في اتحاد بعثة "ليزا"، لم يكن من المشاركين في الدراسة الأخيرة- بالنتائج التي توصلت إليها الدراسة. ويقول وونج: "لقد درست الأبحاث السابقة إمكانية استخدام الموجات الثقالية للكشف عن الكواكب الخارجية التي تدور حول نجم واحد، ولكن العمل الذي عملناه يشير إلى أن الموجات الثقالية التي تنتج عن مثل هذه التركيبة سوف تكون أضعف من أن يجري اكتشافها". ويضيف وونج أن هذه الطريقة تبدو واعدةً أكثر؛ لأن الموجات الثقالية التي تنتجها ثنائيات الأقزام البيضاء أقوى بكثير من تلك التي تصدر عن كوكب يدور حول نجم وحيد. ويقول: "بمجرد الكشف عن الموجات الثقالية، يمكننا توجيه أدواتنا الكهرومغناطيسية إليها ونحدد المزيد من التفاصيل حول الكوكب الخارجي الذي صدرت منه".

على الرغم من أن هذا النهج الجديد سيكون واعدًا للكشف عن الكواكب في جميع أنحاء مجرة درب التبانة وحتى في المجرات الأخرى المجاورة، سيظل علماء الفلك يناضلون لمعرفة المزيد عن تلك العوالم الجديدة. إلى جانب الفترة المدارية وتقدير الكتلة الذي يوفره الكشف المبدئي القائم على الموجات الثقالية، ربما تتمكن عمليات الرصد اللاحقة باستخدام أجهزة التليسكوب التقليدية من تحديد كتلة الكوكب وحجمه بدقة والمعامِلات المدارية الإضافية. ووفق المؤلفة المشاركة في الدراسة كاميلا دانيلسكي، وهي باحثة بالهيئة الفرنسية للطاقة البديلة والطاقة الذرية، حتى مع مراعاة التطورات التكنولوجية المستقبلية، فإن عمليات الرصد بأجهزة التليسكوب لأي كواكب وجدتها بعثة "ليزا" ستقتصر على المناطق القريبة نسبيًّا من درب التبانة، في نطاق حوالي 10,000 إلى 20,000 سنة ضوئية من مجموعتنا الشمسية.

بالإضافة إلى ذلك، من غير المرجح أن يتوصل هذا النهج إلى أي كواكب صالحة للحياة تشبه الأرض. فالأقزام البيضاء في الأساس جثث نجمية، وهي عبارة عن اللب الذي تخلِّفه نجوم تشبه الشمس ليبرد ببطء بعد أن تستنفد وقودها النووي. ولكن قبل أن يصبح النجم قزمًا أبيض، فإنه يمر أولًا بطور العملاق الأحمر؛ إذ يتضخم في الحجم ويتورم، إلى أن يحرق أو حتى يبتلع أي كواكب قريبة منه. وبالتالي، كما يقول وونج، فإن أي عوالم باقية على الأرجح ستكون غير صالحة للحياة. وتلك التي تُصدر أقوى إشارات موجات ثقالية ستكون بالقرب من الأقزام البيضاء المُضيفة لها. والأهم من ذلك، ليس هناك ما يضمن أن "ليزا" سوف تعثر على أي كواكب خارجية على الإطلاق؛ لأننا لا نعرف سوى القليل حول احتمالية وكيفية نشأة العوالم وبقائها في مثل هذه الأنظمة الثنائية القاسية.

ولكن دانيلسكي تشير إلى أنه حتى لو لم يُعثر على كواكب حول ثنائيات الأقزام البيضاء، فإن تلك النتيجة السلبية ستظل توفر معلومات مفيدة حول تطور الكواكب.

وتقول دانيلسكي: "حتى الآن لم يفكر أحد في نمذجة الكواكب الخارجية حول الأنظمة الثنائية مثل هذه، لذا لدينا القليل من المعلومات بشأن وجودها". إن العثور على تلك الكواكب سيثبت أن مثل هذه العوالم يمكنها أن تنجو بطريقةٍ ما بعد موت نجومها، أو أن تُبعث من جديد. وعدم العثور على أي شيء على الإطلاق من شأنه أن يوفر قيدًا جديدًا في جميع أنحاء المجرة، على الأماكن التي لا يمكن للكواكب الوجود فيها. إن معرفة المكان الذي يجب ألا نبحث فيه ستكون شيئًا مفيدًا في كونٍ من المفترض أنه ملآن بالعوالم التي تنتظر مَن يستكشفها.

وتضيف دانيلسكي: "في نهاية المطاف، باستخدام "ليزا" بهذه الطريقة سنتوصل إلى شيء مؤكد حول تكوُّن الكواكب في مختلف أنحاء مجرة درب التبانة".