تطوّعت العديد من شركات اختبارات الحمض النووي بتقديم خدماتها للمساعدة في لمِّ شمل الأسر المهاجرة التي تفرّقت على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة.

إلا أن العلماء وأخصائيي الأخلاقيات يحذرون من أن هذه الاختبارات الوراثية الموسَّعة "زائدة عن الحاجة"، وليست بالخيار المنطقي للتوصل إلى التطابقات الوراثية. ولو أرادت الحكومة بحق أن تساعد في لمّ شمل هذه الأسر المهاجرة بدقة، فعليها بدلًا من ذلك أن تفكر في إجراء اختبار أبوة أو أمومة أكثر بساطة، وفق قول العديد من الأشخاص. ويقول الخبراء إنه بغض النظر عن الاختبار المُستخدَم، يجب أن توضَع مسألتا الخصوصية والموافقة في الحسبان.

في الأسبوع الثاني من شهر يونيو الماضي، تراجع الرئيس ترامب عن سياسةٍ وضعتها إدارته قيد التنفيذ، وأدت إلى فصل ما يزيد عن 2,500 طفل عن والديهم عند عبورهم إلى الولايات المتحدة بشكل غير شرعي. وقالت الإدارة في بيان أصدرته في يونيو الماضي إنه تمّ حتى الآن لمّ شمل ما يزيد على 500 طفل مع أسرهم، وإن الإدارة تخطط للمّ شمل البقية.

غير أنه قد أُثيرت أسئلة حول ما إذا كانت الإدارة قد تمكّنت من حفظ سجلات لهويات كل الأطفال ومواقعهم، بما في ذلك عدد من الأطفال في سن الرضاعة والحبو يمنعهم صغر سنهم من تعرُّف والديهم. وفي منتصف شهر يونيو الماضي، طلبت نائبة الكونجرس عن الحزب الديمقراطي لولاية كاليفورنيا جاكي سبير من شركة اختبارات الحمض النووي ذائعة الصيت «23 آند مي» أن تؤدي دورًا في لمّ شمل الأسر، ووافق الرئيس التنفيذي للشركة على طلبها.

البحث عن تطابق وراثي

إنّ عملية البحث عن تطابق وراثي بين الوالدين والأطفال عملية مباشرة وسهلة جدًّا، وفق قول علي تركماني، مدير قسم علم الجينوم في معهد سكريبس للعلوم الانتقالية. فيذكر تركماني أن اختبارات الأبوة/الأمومة تبحث عن بقع في الجينوم تحمل ما يُعرَف باسم التكرارات الترادفية القصيرة. وهذه مناطق تتكرر فيها بعض تسلسلات النيوكليتيدات -أي حروف A وC و Gو Tالتي يتكوّن منها الحمض النووي- عشرات المرات أحيانًا، مع تبايُن طولها من أسرة إلى أخرى. ويوجد الكثير من التباين في هذه المناطق بين مجموعات الأسر، لكن ثمة اتساقًا كبيرًا فيها بين أيٍّ من الوالدين وطفلهما، وفق قول تركماني. ويمكن الوصول إلى علاقة عن طريق النظر الى بضع عشرات من المواقع الجينومية فحسب.

وتبلغ درجة دقة اختبارات الأبوة/الأمومة الاعتيادية ما يزيد على 99%، وفق قول كينيث رايان، مدير وحدة اختبارات النَّسب للهجرة الواقعة في مدينة بوسطن، التي تستخدم مثل هذه الاختبارات الخاصة بالنَّسب بصورة روتينية في مسائل الهجرة. ويضيف رايان أن "هذا الاختبار يكون قطعي الدلالة، من حيث قبول نتائجه [من مكتب خدمات المواطنة والهجرة في الولايات المتحدة]". لكن الاختبارات تصبح أقل دقةً في حالة العلاقات الأسرية التي تتجاوز العلاقة بين الوالدين والطفل. وتظهر نتائج هذا الاختبار في خلال أسبوع تقريبًا، وتبلغ تكلفته نحو 550 دولارًا. لكن الحكومة الفيدرالية قد تتمكن من الحصول على سعر أقل بكثير إذا قدمت طلبية كبيرة من الاختبارات.

ويقول هنري جريلي، مدير مركز القانون وعلوم الأحياء في جامعة ستانفورد: إن نظام مؤشر الحمض النووي المُجمَّع (كوديس) الخاص بمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي يستخدم أيضًا هذه التكرارات الترادفية القصيرة المزدوجة، التي يبلغ عددها عشرين تكرارًا، بدلًا من الأربعة والعشرين تكرارًا التي يستخدمها اختبار مشهور للأبوة/الأمومة. ويضيف جريلي أنه يمكن إلزام كل المجرمين والمحكومين بجرائم بتقديم عينات حمض نووي لنظام مؤشر الحمض النووي المُجمَّع، ويرى أنه يمكن إلزام المهاجرين المحتجزين -وضمنهم الأطفال- بالخضوع له أيضًا.

ويقول تركماني إنه على عكس اختبارات الأبوة/الأمومة، تنظر الاختبارات الوراثية الاستهلاكية المقدمة من بعض الشركات مثل «23 آند مي» و«ماي هيريتدج» في مئات الآلاف من أجزاء الجينوم، كاشفةً عن معلومات يمكن أن تثير مشكلات أخلاقية. ووصف تركماني هذه الاختبارات بأنها "زائدة عن الحاجة" في هذه الحالة.

تقرأ اختبارات الحمض النووي هذه تعدادات أشكال النوكليوتيدات المفردة، أو التباينات الوراثية الدقيقة، في 22 زوجًا من الكروموسومات غير المرتبطة بالجنس، كما أنها تستغرق وقتًا أطول بكثير من اختبارات الأبوة/الأمومة. وتقرأ شركة «ماي هيريتدج»، على سبيل المثال، 700 ألف من هذه التعدادات في الجينوم، وفق قول المتحدث الرسمي باسم الشركة رافي ميندلسون، مقارنةً ببضع عشرات من التعدادات في اختبار الأبوة/الأمومة. وتظهر النتائج بعد حوالي شهر. ويعترف ميندلسون بأن هذا النطاق قد لا يكون ضروريًّا في حال البحث عن تطابق بين أحد الوالدين وطفلهما فقط، بيد أنه يضيف أن أسلوب شركة «ماي هيريتدج» قد يكون مفيدًا على نحو خاص في حالة عدم تقدّم أحد أفراد الأسرة للمطالبة بالطفل. ويشير ميندلسون إلى أن الشركة، التي عرضت التبرع بخمسة آلاف اختبار مجاني، تملك في قاعدة بياناتها معلومات وراثية لعدد 1.4 مليون شخص، ضِمنهم الكثير من أمريكا الجنوبية والوسطى.

وتعهدت شركة «23 آند مي»، التي تكشف اختباراتها معلومات عن الحالة الصحية والعلاقات الأسرية، باستخدام اختباراتها من أجل لمّ شمل الأسر فقط. وقالت الشركة في بيان أرسلته عبر البريد الإلكتروني: "إننا على دراية بأن البيانات الوراثية تحتوي على معلومات شديدة الخصوصية، ونود أن نضمن التعامل معها بسرية وبموافقة كل مَن يخضع للاختبار". وأشارت إلى أنها ستقدم هذه الاختبارات عن طريق جهات خدمات المعونة القانونية غير الربحية. وأضافت: "إن تقديم اختباراتنا عن طريق جهات خدمات المعونة القانونية يضمن حماية محاميي الأسر لخصوصية موكليهم عن طريق استخدام هذه النتائج لأغراض لمّ الشمل فقط لا غير".

كما عرضت شركة التقنية الحيوية «ثيرمو فيشر ساينتفيك» أن تتبرع بما قيمته مليون دولار من اختبارها «رابيد هيت» السريع للأبوة/الأمومة القائم على بصمة الحمض النووي الذي يستغرق 90 دقيقة ولا ينتج أي معلومات عدا تلك التي تخص الأبوة أو الأمومة.

قضايا الموافقة

تنوي مجموعة معونة قانونية واحدة على الأقل رفض هذه العروض للمساعدة في الاختبارات الوراثية. فيقول متحدث باسم مركز اللاجئين والمهاجرين للخدمات التعليمية والقانونية (RAICES)، وهو هيئة غير ربحية تقدم خدمات قانونية للأطفال المهاجرين وأسرهم واللاجئين في تكساس، في رسالة بريد إلكتروني: "إننا نتلقى عددًا هائلًا من هذه العروض، بيد أننا لا -ولا ننتوي أن- نستخدم اختبارات الحمض النووي بشكل جماعي [على حدّ قوله] للعديد من الأسباب".

وكتب متحدث باسم شركة «أنسيستري دوت كوم»، التي تقدم اختبارًا وراثيًّا لتحديد العلاقات الأسرية، في رسالة بريد إلكتروني أرسلها في الأسبوع الثالث من شهر يونيو الماضي، أن الشركة لديها مخاوف كبيرة بشأن الحفاظ على خصوصية المهاجرين في ظل الظروف الراهنة. ووفق بيان المتحدث: "تتمثّل مهمة شركة «أنسيستري» في الربط بين البشر، وخصوصية المستهلك هي همنا الأول. واستخدام اختبارات الحمض النووي لهذا الغرض يثير اعتبارات خطيرة بشأن الخصوصية والموافقة، يتحتم وضعها في الاعتبار قبل أن نفكر في المشاركة".

وتقول سوزان إم. وولف، أستاذ القانون والطب والسياسة العامة في جامعة مينيسوتا: إنه سيكون من الصعب للغاية الحصول على موافقة سليمة على الاختبار الوراثي في ظل هذه الظروف. فأحد أركان "الموافقة" الأساسية هو حرية اتخاذ القرار دون إكراه، أي أن يكون لدى الشخص خيار حقيقي. لكن -وفق قول وولف- مَن لا يمكنه أن يستعيد طفله دون أن يوافق على الخضوع لاختبار وراثي لا يكون أمامه خيار في واقع الأمر سوى أن يقبل الخضوع لهذا الاختبار. وتقول وولف: "ما تريده حقًّا هو أن يكون أمامك بدائل. فيود المرء أن تكون الحكومة الفيدرالية على قدر المسؤولية وتقول: نعم، لدينا طريقة [أخرى] بالفعل للعثور على طفلك". وتضيف وولف أنه ليس من الواضح ما إذا كان لدى إدارة ترامب طريقة أخرى بالفعل لعمل ذلك.

إن الأطفال الذين سينبغي عليهم الموافقة على تقديم عينات دم أو لُعاب من أجل الاختبار الوراثي، يجب أن يشرح لهم شخصٌ ما طبيعة ما يحدث لهم والسبب في طلب هذه العينات، وفق قول وولف. ويجب كذلك أن يكون للأطفال الأكبر سنًّا حق الموافقة على الاختبار أو رفضه. وتشير وولف إلى أنها متخوفة أيضًا من أن يحمل استخدام الاختبارات الوراثية في طياته تعريفًا "للأسرة" قائمًا على الصلة البيولوجية الوثيقة فقط، في حين أن حال الكثير من الأسر في واقع الأمر أكثر تعقيدًا. فتتساءل وولف: "ماذا عن مقدمي الرعاية الكريمة طويلة الأمد الذين قد لا تربطهم صلة وراثية بالطفل؟ مثل هذه الأسر تستحق لمّ الشمل أيضًا".

تضيف وولف أنه إذا استُخدِمت الاختبارات الوراثية بأي حال من الأحوال، فإن الحكومة أو الكيانات الأخرى ينبغي ألا تستخدم بيانات المهاجرين أو تحتفظ بها لأي أغراض عدا لمّ الشمل. وينبغي أن يكون الاختبار جزءًا من عملية لمّ شمل أكبر منظمة وسريعة. وتشير وولف إلى أن "علم الوراثة قد يكون له دور محدود، لكنه لن يكون أبدًا الحلّ الأوحد والنهائي".